الكاتب: خالد بركات
في كلِّ مجزرةٍ تُرتكبُ في غزّة، في كلِّ لحظةٍ ينهارُ فيها جدارُ بيتٍ على رؤوسِ ساكنيه، في كلِّ صرخةِ أمٍّ تبحثُ عن أطرافِ أطفالها تحتَ الركام، يتردّدُ السؤالُ نفسه على لسانِ غزة، من امرأةٍ أو شابٍّ أو عجوزٍ كهلٍ خرجَ للتوِّ من تحتِ الأنقاض: "وين العرب؟ وين المسلمين؟"
امرأةٌ فلسطينيةٌ، مكلومةٌ، مضرّجةٌ بالغبارِ والدم، سمعتُها تصرخُ بهذه الكلماتِ في وجهِ الهواءِ الذي لا يردّ، في وجهِ سماءٍ لا تُمطرُ إلا نارًا، وفي وجهِ أمّةٍ تسكنُ الغياب. وما أصعبَ أن يُتركَ سؤالكِ معلَّقًا كدمعةٍ لا تجدُ من يمسحُها.
ولكن يا أختي..
أعرفُ أنَّ الجُرحَ أعمقُ من أن يُشفى بكلمات، وأنَّ الغضبَ أكبرُ من أن يُحتوى بردّ، ولكنْ دعيني أُحاولُ أن أُجيبَ، لا دفاعًا عن أحد، بل صدقًا معكِ، مع أنفسنا على الأقل!
أينَ المسلمون؟
هُم كُثرٌ يا أختاه، أكثرُ من مليارَي نفس، موزّعون على ٥٧ دولة، من المحيطِ إلى المحيط. ولكنّهم — في غالبيتهم — فقراء، مسحوقون، مشرَّدون، خائفون، مقهورون، واهمون، عاجزون، ويعانون من استعمارٍ لم ينتهِ، وإنْ ارتدى ربطةَ عنق. يعيشون في صناديق الخوف، تحتَ أحذيةِ الملوكِ والأمراءِ والأباطرةِ والسلاطين، وأنظمةٍ حوّلت الكعبةَ المشرّفةَ إلى معلمٍ سياحيٍّ يذهبون لزيارته في موسم الحجّ، يصرفُ الواحدُ منهم نحو عشرةِ آلافِ دولار، ثمّ يعودُ من جديدٍ إلى الكفرِ.
أَوَليسَ الصمتُ، في زمنِ الإبادةِ، تواطؤًا وكفرًا؟
إنّهم شعوبٌ أنهكها القهر، ومجاميعُ غُيّبَت عن وعيها، سُرقت خيراتُها، وصودِر صوتُها. ولم تثُر بعد.
أين المسلمون؟
في باكستان، يغرقون في الفيضانات ولا يجدون مأوى.
في السودان، يموتون في حربٍ أهليّةٍ لا تنتهي.
في اليمن، يُطاردهم الحصارُ، والجوعُ، والغاراتُ، والعدوان.
في أفغانستان، لا زالوا يدفنون أبناءهم تحتَ رُكامِ الحروبِ الأمريكيّة.
في المخيماتِ السوريّةِ واللبنانيّةِ والفلسطينيّة، يحلمون فقط بسقفٍ يقيهم البرد والمطر.
أين المسلمون؟
في السجون، أو على أرصفةِ البطالة، أو في قواربِ الموتِ بحثًا عن حياةٍ كريمة، أو في مدارسَ يُعلِّمهم فيها الغربُ تاريخَهم المحرّف. أمّا حُكّامُهم، فبعضُهم مجرمٌ، وبعضُهم عميلٌ، وبعضُهم متواطئٌ بالصمتِ أو بالتوقيعِ على اتفاقيّاتِ العار. وحكوماتٌ أغلبُها ليست سوى وكلاءَ للاستعمارِ الجديد، تشتري السلاحَ لا لتُدافعَ عنكِ، بل لتقمعَ شعوبَها إذا فكّرتْ يومًا أن تقفَ معكِ.
هل يعني ذلك أنّ لا أحدَ معكِ؟ لا. أبداً. الحقيقة كلُّ الشعوبِ معكِ. هناك أحرارٌ، هناك مقاومون، هناك شعوبٌ تهتفُ باسمكِ رغمَ الجوع، تكتبُ رغمَ القمع، تخرجُ رغمَ الهراوات.
في اليمن، ثمّة رجالٌ يستيقظون عند الفجرِ يملئ الغضب حلقوهم وصدورهم. لا شيء يسعدهم أكثر من قصفِ الموانئ الصهيونيّة.
وفي العراق، رجالٌ تفكر وتعمل من أجل طرد القواعد الأمريكيّة.
وفي لبنان، مقاومةٌ تُربّي الصواريخَ على صبرِ السنين.
وفي الشتات، رجالٌ ونساءٌ يرفعون اسمكِ في وجهِ كلِّ من يراهنُ على موتكِ.
لكنْ لن أكذبَ عليكِ: الأمّةُ مريضةٌ، منهكةٌ، مخترقة، ومحرومةٌ من أدواتِ التحرير.
وأنتِ لا تملكينَ سوى مقاومةٍ تعيشينها، وتُقاومينَ بها — وسؤال يعذبك: وين العرب؟ وهذا يكفي لتبقي أنتِ، وتزولَ دولةُ الإبادة.
صرختُكِ يا أختي ليست صرخةَ يأسٍ، بل نداءٌ للثورة والنهضة والحرية. سؤالُكِ بيانٌ ثوريّ، وصفعةٌ في وجهِ كلِّ حاكم، وكلِّ متفرّج. أكبرُ من لحظةِ حزنٍ، إنّه سؤالُ التاريخ: هل هذه أمّةٌ تستحقُّ الحياة؟
نعم، يا غزّة، نِساؤكِ يصرخْنَ كلَّ يوم، ولا يسمعهنَّ أحد. وفي عُمقِ صوتهنَّ تولدُ أمّةٌ جديدة، لا تعترفُ بالحدود، ولا ترضى بالصمت. ستأتي لحظةٌ يكونُ فيها الجوابُ على سؤالك جماعيًّا، ويكونُ سلاحًا، لا مقالًا.

