Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

عن النجاح والإخفاق في جبهة لبنان

فلسطين اليوم

لا بد من الإقرار بصعوبة الحديث عن النجاح والإخفاق في معركةٍ لم تنتج نصراً واضحاً أو حاسماً. في هذه الحالة، يدَّعي كلا الطرفين تفوقاً بالنقاط، وتنقسم الآراء حول من ربح أو خسر أكثر، لكن الأساس الذي يمكن الاستناد إليه في بناء تحليل للنصر والهزيمة في أي معركة، هو تحقيق العمل العسكري للأهداف الموضوعة من كل طرف، بعيداً عن دعوى الليبراليين العرب المبتذلة حول الارتباط العضوي للهزيمة بالخسائر المادية والبشرية، أو الانتصارية التعبوية والكرنفالية المحرضة على غيبوبة الوعي.

بدأ «حزب الله» الحرب في جبهة لبنان يوم 8 أكتوبر إسناداً لغزة، وأعلن عن هدفين أساسيين لهذه الجبهة: وقف العدوان على غزة، وانتصار حركة «حماس». واصل الحزب عمله في هذا الإطار ما يقارب العام، فيما حاول الأميركيون الضغط لإنهاء جبهة لبنان وفصلها عن غزة، وواصل الإسرائيليون التهديد بتوسيع الحرب، وخرجوا عن قواعد الاشتباك باستهداف الضاحية في يناير لاغتيال الشيخ صالح العاروري، ثم في يونيو لاغتيال القائد فؤاد شكر، قبل أن يتخذوا قراراً بتوسيع الحرب بضربات البيجر واللاسلكي يومي 17 و18 سبتمبر.

كان المطلوب بشكل أساسي فصل جبهة لبنان عن غزة؛ والحديث عن اختلاف مرحلة ما بعد 17 سبتمبر عما قبلها، وأنها حالة مختلفة متعلقة بعدوان على لبنان، يأتي في سياق تبريري، فالرد على هجوم البيجر كان في التاسع عشر منه بخطاب للسيد حسن نصر الله يؤكد فيه أن أول الرد هو رفض فصل الجبهات، وأن القبول بالمطلب الإسرائيلي تضييع للتضحيات. وسَّع الإسرائيليون الحرب لتحقيق هدفين: فصل الجبهتين، وتحقيق عودة «آمنة» لسكان الشمال تجنبهم أي احتمالية مستقبلية لتكرار ما حصل في 7 أكتوبر على الحدود الشمالية.

سعت إسرائيل بقوة إلى تحقيق هدف الفصل، وكانت الضربة الإستراتيجية الكبرى باغتيال السيد حسن نصرالله طعنة خنجر إسرائيلية في قلب «محور المقاومة»، أدت عملياً مبتغاها في تفكيك وحدة الساحات. كانت إسرائيل واضحة في تبرير اغتيال السيد بأنه عقبة في وجه فصل الجبهتين، ما أوجب إزاحته من موقع القرار. يمكن القول إن هذه الضربة أقسى على «حزب الله» من كل الضربات الكبيرة التي تعرض لها باغتيال قياداته واستهداف قدراته عبر الاختراق الاستخباراتي، ورغم أنها لم تؤدِّ إلى انكسار الحزب، غير أنها أسهمت في هبوط المعنويات في بيئته، إضافة إلى الفراغ القيادي الذي تركه السيد خلفه. مع الضربات الكبيرة، بدأ الحزب يتحول من إسناد غزة، إلى الدفاع عن وجوده في لبنان، وتحقق الهدف الإسرائيلي الأول بعزل غزة وإضعاف موقفها التفاوضي.

لعل الإسرائيليين طمعوا في تلك اللحظة في انهيار كامل للحزب، لكنهم في الحقيقة كانوا حذرين في بداية توسيع الحرب من وضع أهداف غير قابلة للتحقيق من قبيل سحق «حزب الله». لقد تعلموا من تجربة عام 2006، لكن هذا لا ينفي أنهم أَمِلُوا بأن تؤدي الضربات للقيادات إلى تدمير منظومة الحزب وخنق وجوده. في كل الأحوال، كان لاستعادة الحزب توازنه في مدة قصيرة، والصمود الأسطوري لمقاومي الجنوب في المعركة البرية، تأثير كبير في إفشال المساعي الإسرائيلية إلى خلق واقع جديد يمكن أن يحقق تغييراً إستراتيجياً على الحدود. لقد فكر الإسرائيليون تارةً في تغيير القرار 1701 لإيجاد قوة لبنانية أو دولية تعمل على تحقيق أهدافهم عبر ملاحقة المقاومة وتفكيك بنيتها جنوب الليطاني، وتارةً أخرى بإنشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني تمنع عودة الحزب والأهالي، وقد فشلت إسرائيل في كلتا الحالتين، وقبلت بالعودة إلى القرار 1701، ويبدو أن سكان الشمال يعودون إلى واقع حدودي لن يشهد تغييراً جذرياً. فحتى لو سلمنا بغياب مقاتلي المقاومة عن الحدود، فإن التهديد الإستراتيجي المتمثل في الصواريخ والمسيرات ما زال قائماً، وهذا يعني أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو منعٌ «مؤقت» لهجوم شبيه بالسابع من أكتوبر من لبنان.

كانت نقطة التفوق الإسرائيلي في سلاح الجو، المدعوم بنجاح استخباراتي كبير، لكن نقطة الضعف الإسرائيلية كانت العمل البري، فيما بدا أن المقاومة تفتقر إلى دفاعات جوية، وتتأثر قدرتها الصاروخية بالاستهدافات الإسرائيلية للكوادر والقدرات، لكنها واصلت على كل حال استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالصواريخ والمسيرات، وكانت نقطة قوتها العمل البري البطولي لمقاتليها.

جدير بالتمعن هنا، ما كان لوحدة الساحات من تأثير إيجابي على المقاومة في لبنان (عكس ما يشيعه البعض من حديث عن توريط غزة لحزب الله). فلو بدأت الحرب حصراً على الجبهة اللبنانية، لكان وقع الضربات الاستخبارية على الحزب أكبر، كما أن إنهاك الجيش الاسرائيلي من حرب عامٍ في غزة ساعد الحزب في إفشال العدوان البري. منذ البداية، كان التخوف الأميركي/الإسرائيلي قائماً من قتالٍ مرتفع الحدة على جبهتين، لما يمكن أن يسببه من استنزاف كبير للجيش الإسرائيلي الذي يعاني أصلاً من تقلص قواته البرية. لا حاجة اليوم إلى كثير كلام حول أهمية وحدة ساحات المواجهة العربية وتكامل الجهود، فقد رأينا النتائج، كما رأينا السعار الإسرائيلي والأميركي لمنع هذا الأمر بكل شكل ممكن، وتأكيد منطق التجزئة.

تنبه الأميركيون إلى إنهاك الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وفشله في التقدم لشهرين، ففرضوا على نتنياهو وقف الحرب للخروج ببعض المكاسب والحفاظ على المنجزات العسكرية بدلاً من الغرق في وحل جنوب لبنان، وتهديد وضع الجيش وتشجيع العصيان داخله. مع وقف النار، وعدم وجود نصر حاسم، لا بد من الانتظار لمدة للحكم على حسابات الربح والخسارة، بما يتجاوز القراءة الأولية لنجاح وفشل أهداف الحرب، وهذا الانتظار يشمل فهم آلية تطبيق القرار 1701، وهل سيكون مصيره شبيهاً بما حصل في 2006 أم لا، بالإضافة إلى ردود فعل المستوطنين على ما حصل، ونسبة من يرفض العودة منهم، وشعور العائدين بالأمان بعد هذه المعركة. كذلك، من المهم مراقبة السلوك الإسرائيلي حيال «حرية العمل» في لبنان، وما إذا كان يهدف إلى تطبيق النهج الإسرائيلي في سوريا على الساحة اللبنانية، باستهداف محاولات إعادة ترميم قدرات المقاومة، وكيفية تأثير هذا الأمر على موازين الردع. وفوق ذلك كله، تبقى نتائج الحرب في غزة والإقليم، ومستقبل «محور المقاومة»، أساساً في الحكم على مآلات هذه المعركة.

تبرز مجموعة تحديات أمام «حزب الله» بعد هذه المعركة، تبدأ من معالجة الثغرات الاستخبارية والأخطاء العسكرية، وتمر بمراجعة الإدارة السياسية للمعركة، خاصة في ترك توازنات الردع تنهار حرصاً على الابتعاد عن حرب شاملة، وصولاً إلى تجديد الخطاب الأيديولوجي وتحسين الأداء الإعلامي، وتحديد الوجهة الإستراتيجية للحزب في المرحلة المقبلة، وتحديداً في ما يتعلق بالتوفيقية التي تبناها الحزب بين وطنية لبنانية وهوية إسلامية/عربية عابرة للحدود، أو بتعبير آخر بين إستراتيجية الدفاع عن لبنان وإستراتيجية تحرير فلسطين؛ فقد انفجرت هذه التوفيقية بتناقض مكوِّنيها في لحظة الأزمة، ما يستدعي مراجعة جدية.

يبقى أن اتفاق وقف إطلاق النار تحت الاختبار، والوضع لا زال مشتعلاً في غزة، ونتنياهو يتوعد إيران، والعام المقبل هو عام ضم الضفة الغربية بتعبير سموتريتش، وفي كل هذا تبقى المنطقة أمام مخاطر السعار الأميركي لتثبيت الهيمنة فيها عبر الوكيل الإسرائيلي.

* كاتب عربي