الأسئلة مدارس وأجناس. بعض الأسئلة تندلع فجأة بعد حدث معين. جواب السؤال وحدود السؤال، كلّها تدور في فلك الحدث. هذه من الأسئلة الناعمة التي يسهل التأمّل بها لأنّ ملعبها محدّد، وبدايتها - كما نهايتها - واضحة المعالم. في مقابل هذا النمط الناعم، هناك أسئلة أخشن، وهي لا «تندلع» أمامك فجأة، بل تنبت من حولك على مهل، وتعتمل بهدوء. المفاجأة الوحيدة تحصل عندما تنتبه فجأة لها. الأمر يشبه تغيّر ملامح الإنسان مع العمر. العملية تحصل ببطء سلحفائي ودون انتباه من صاحب الشأن. ثم تأتي لحظة تصفّح عارضة في ألبوم عائلي قديم ليكتشف المرء حدّة التغيّر ويتساءل: متى حصل كل هذا؟ الأسئلة التي من هذه الفئة هي الأسئلة الأصعب لأن فضاءها أوسع بكثير وحدودها سديمية.أحد الأسئلة الصعبة التي نمت في العقود الماضية هو سؤال عسكري بامتياز يخصّ الصراع العربي مع الدولة العبرية. السؤال المقصود ليس وليد لحظة بعينها، بل سؤال نبت في ساحات الحرب وتشكّلت ملامحه على امتداد عشرات المعارك منذ أن تبلورت حركات المقاومة. وهو ينبع من ملاحظة لا يكاد يختلف اثنان حولها اليوم، وخصوصاً بعد طوفان السابع من أكتوبر: الصعوبة المتزايدة التي تواجهها إسرائيل أمام خصومها المسلحين. من السهل التورط هنا بجدالات لا تنتهي حول تقييم «مستوى الصعوبة»، بين قائل بشدة الصعوبة، وقائل إنها دون ذلك. لكن المسألة ليست هنا. المسألة تخصّ التغيّر: لماذا تزيد الصعوبة مع الوقت بدلاً من أن يحصل العكس، ولماذا تتجشّم إسرائيل كلفة أكبر مع كل مواجهة تالية، رغم أنها تُعِدّ للأمر أكثر من غيرها وتملك ما لا يملكه غيرها.
في العام الماضي، تجاوزت ميزانية إسرائيل العسكرية 20 مليار دولار. ما هي ميزانية حركات المقاومة الإسلامية في المنطقة العربية؟ طبعاً ليس من رقم متاح، لا يقيناً ولا تخميناً. لكن المؤكد أنها كسر مجهري من ذلك الرقم الفلكي. ولو أن الأمر يقاس بالأرقام ونسبها، لما كان أحد قادراً اليوم أن يرمي دولة اليهود بحجر، فضلاً عن آلاف الصواريخ.
شرعية السؤال تنبع من غرابة هذا الوضع وتناقضه مع منطق الأشياء: إذا انخرط طرفان في سباق تسلّح وإعداد عسكري، وكانت نقطة البدء لأحدهما سابقة على الآخر، وكانت إمكاناته المادّية أكبر وأوسع، ألا ينبغي للفارق أن يتزايد مع الوقت لا أن يتضاءل؟ لماذا تبدو الدولة اليهودية تعاني أكثر وأكثر مع خصومها بتقدّم الوقت؟ الركون لعبارة «هذه حرب غير - متناظرة» لا تجيب السؤال تماماً لأنها تقودك إلى سؤال بعده: لماذا تفشل إسرائيل في التغلّب على غياب التناظر، بالرغم من كل ما تملكه؟
دافع التساؤل هو فضول علمي بالمقام الأول، لكن الأمر لا ينتهي هناك. قيمة التساؤل تتعلق أيضاً بجدوى العمل المقاوم برمّته. إذا كان فارق القوّة أكبر من أن يُردم، وإذا كان تباين ظرف البداية بين إسرائيل والقوى المناهِضة لها سيَقضي باختلال ميزان القوّة إلى الأبد، فالمقاومة حقّاً سلوك عبثي. اليوم، يصعب حتى على مُخاصم المقاومة أن ينكر التغيّر الحاصل في ميزان القوّة؛ أن يرى ذراعَ هذا الميزان وهي تنزاح على مهل صوب نقطة اعتدال. لا ضمانة لاستمرار هذا الانزياح. هذا أكيد. لكن الأكيد أيضاً أنه انزياح يحصل منذ عقود ولا يبدو في طريقه إلى التوقف.
ما يلي 3 أفكار في محاولة فهم هذه الملاحظة، مع اعترافٍ باكر بأنّ مقاربة مسألة كهذه ضمن نصّ قصير مغامرة لا تخلو من الخفّة. وليس لنا - بهذا المقام - سوى طلب المغفرة واحتساب الأمر تأمّلاً في المسألة أكثر من محاولة وافية لإجابتها:
- الفكرة الأولى، تتعلّق بفئة خاصّة من الأساطير؛ فئة نكاد نؤمن بها جميعاً (دون أن ننطق بها) وتتحوّل داخلنا إلى شيء من صنف الغرائز ليصبح التحرّر منها بالغ الصعوبة. «العِلم» تحديداً ساحة غنية لهذا النوع من الأساطير. ليس العلم بذاته، ليس بأفكاره ومحاولاته لفهم العالم، وإنما بأفكارنا عنه ومحاولتنا نحن لفهمه. الأسطورة الأهمّ في موضوعنا هي فكرة التراكم الكمّي للعلوم والتطوّر البحثي: أنّ الجهد العلمي هو مسار يقودك بالضرورة صوب مكان أنت فيه الأقوى والأفضل، وأنّ مسار البحث العلمي - كلّما كان أكثر زخماً ونشاطاً - ينتهي بصاحبه في موضع «أعلى»، وأنّ عوائده تتناسب بالضرورة مع ضريبته؛ إن أعطيته أكثر من سواك، فستحصد منه أكثر من سواك.
هذه هي الأسطورة باختصار على مستوى نظري. أمّا بطلانها فهو لا يحتاج إلى كلام نظريٍّ، بطلانها مكتوب ومؤرَّخ في مسار التطوّر والاختراع لكلّ تاريخ الهندسة وعالم التقنيات. عناصر كالصدفة والحدس والظرف التاريخي - بل وحتى الطبيعة الفيزيائية للأشياء - تؤدي أدواراً حاسمة في كثير من مسارات البحث العلمي، وتجعل التوفيق أحياناً حليف أطراف لَم تملك من المقدّرات ما ملكته غيرها. يكفي - بهذا السياق - أن تقارن الجهد البحثي لإسرائيل (والعالم الغربي من ورائها) على ثلاث جبهات هندسية: الدفاعات الصاروخية، ومضادات الليزر (صدّ المقذوفات بالأشعة التوافقية)، وأنظمة كشف الأنفاق. بين هذه الثلاث، تجد تبايناً حادّاً في مستوى النجاح والإخفاق، رغم أنها جميعاً ابتلعت ميزانيات ضخمة وكُرّس لها ما كُرّس من البحث التجريبي والموارد البشرية.
- الفكرة الثانية، تخصّ اختيار مسارات التطوير العسكري. جيش إسرائيل - بصفته النظامية - محكوم ببنية مؤسّسية تدرس خيارات الاستثمار البحثي في عالم السلاح، وتأخذ قراراتها ضمن هيكليات متداخلة وآليات رقابة ومراجعة. كلّ هذا يبدو ضمانة لحكمة الخيارات ومنعاً لأي تهوّر أو سوء تقدير. لكن هذا يأتي أيضاً مع «عطالة» في الحركة وصعوبة في الانعطافات الحادّة.
مَن يقرأ - على سبيل المثال - تاريخ تطوّر المسيَّرات في الجيش الإسرائيلي لن يندهش من السلاسة التي سمحت لهذه التقنية بالتطوّر منذ استخدامها الأوّل عام 1969 لكشف الدفاعات المصرية، بل العكس تماماً: سيدهش المرء بالشدّ العكسي الذي واجهته، وبالعطالة البيروقراطية التي أخّرتها في أكثر من منعطف. يختلف المشهد في مجموعاتٍ مقاومة، مهما بلغ تنظيمها، فهي تبقى أكثر تحرّراً من الثقل المؤسّسي وأسرع في الانعطاف، وهذا يسمح بجبرٍ مهمّ لفارق القوّة.
- الفكرة الثالثة، والأخيرة، تتعلّق بمعنى الموت للأطراف المتحاربة. من حيث المبدأ العامّ، كلّ الحروب تدور على وقْع سؤال الموت وعلاقة المقاتل بفكرة الفناء. خصوصية الصراع مع إسرائيل لا تنبع من حضور هذا البُعد (فهو حاضر في كلّ الصراعات)، ولا هي تنبع من معنى الشهادة الراسخ في ثقافتنا وحسب. الأمر يخصّ أيضاً فارق تعداد الضحايا في تاريخ المواجهة بين المقاومة وعدوّها.
في كلّ معركة، وعلى كل جبهة، ضريبة الدم أكبر على الضفّة المقاوِمة بدرجات. لا شكّ في هذا، لكن الأمر يأتي مع مفارقة تستحقّ الانتباه: أنّ قلّة الموت تورث تحفّزاً أكبر لاجتنابه، وكلّما انخفضت خسائر الجيوش البشرية، زاد فكرها التسليحي تعلّقاً والتصاقاً بتصغير تلك الخسائر. كلّ المتحاربين يسعون إلى خفض ضحاياهم، لكن إلى أيّ حدّ يحكم هذا الاعتبار منطق الصناعة العسكرية ووجهة تطويرها؟ هذا ما يصنع الفارق. يكفي أن ينظر المرء في التكرّش التدريعي في آليات العدو بمقابل الخفّة الهجومية لمضادّاتها في ترسانة المقاومة. كم أنفق الإسرائيليون في تطوير منظومة «معطف الريح» لحماية المدرعات في مقابل ما أنفقته كتائب القسام في تطوير قاذفها الشهير؟
مِن أقدار الفيزياء - وغرائبها لربما - أنّ الصدّ أكثر تعقيداً من الضرب. ومرّة أخرى، فكلّ هذا لا يأتي إلا مع ضريبة دموية هائلة. ورغم ذلك - أو ربما تحديداً بسببه - يمكن لفارق القوّة أن يضيق مع الوقت وأن يسلك الصراع مساراً لا تشي به الأرقام ولا تدلّ عليه الشواهد.
* كاتب فلسطيني

