بقلم/ معن بشور
ما من أمر يخفّف من آلام المنكوبين في سورية الذين ضربهم الزلزال المرّوع مع اشقائهم في تركيا ، سوى ان يروا اتساع حملات التضامن العربي والإسلامي والإنساني معهم في مواجهة أثار هذه الكارثة الكبرى، وان تتم ترجمة هذا التضامن الى خطوات سياسية وديبلوماسية وقانونية تزيح عنهم كابوس الحصار الأمريكي – الأوروبي وملحقاته، كما الحصار الرسمي العربي المتمثل بقرارات اخراج سورية من جامعة الدول العربية قبل 12 عاماً ، وقد كانت سورية من مؤسسيها، بالإضافة الى قطع علاقات بعض الدول الشقيقة معها .
فسورية ومعها شرفاء الأمة وأحرار العالم يخوضون هذه الأيام معركتين مترابطتين متداخلتين معاً، معركة إغاثة المنكوبين وإعادة اعمار بيوتهم ومنشآتهم، ومعركة اسقاط قانون "قيصر" ،لا سيّما انه قد تسبّب بمضاعفة عدد الضحايا والمصابين من جرّاء هذا الزلزال المدمّر.
وترابط المعركتين اليوم وتداخلهما، هو الذي يحدّد وجهة التحرك للتخفيف من أثار هذه الكارثة الكبرى، على غير صعيد.
فعلى الصعيد العربي والإسلامي حصلت تطورات إيجابية هامة لا تتمثل فقط بالإرسال الفوري للمساعدات الإنسانية منذ الساعات الأولى لهذا الحدث المأساوي، ولا بالتبرعات الشعبية التي ملأت العواصم والمدن والقرى العربية والإسلامية، في تأكيد رائع على وحدة الأمة التي يحاول الأعداء تمزيقها بشتى أنواع الحروب والفتن، بل أيضاً بالاتصالات ذات الدلالة السياسية التي جرت من رؤساء وملوك وأمراء عرب مع الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد، لا سيّما من رئيس جمهورية مصر العربية المشير عبد الفتاح السيسي. فهذه الاتصالات تبشّر بإمكانية تحوّلها الى مبادرات وقرارات عربية تُسقط القرارات الجائرة التي أتخذت في جامعة الدول العربية قبل 12 عاماً في ظروف باتت معروفة للجميع، وتنفيذاً لإملاءات أميركية تسعى لمحاصرة سورية منذ عام 1979، حين وضعت الإدارة الأميركية سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب ولأسباب لم تعد خافية على أحد وأولها معاقبة سورية على مواقفها المبدئية من الصراع العربي الصهيوني ودعمها للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال.
وما يعزز من إمكانية تحوّل الكارثة الى فرصة لإعادة اللحمة الى العلاقات العربية – العربية، كما الى العلاقات بين دول الأقليم، هو انها تأتي في سياق متغيرات في موازين القوى على الصعيد الدولي والإقليمي تسمح لبعض العواصم العربية ان تكون أكثر تحرراً من الضغوط الأميركية والغربية ، كما اتضح من خلال أكثر من موقف، لا سيّما في المواقف من الحرب في أوكرانيا أو من خلال رفض زيادة ضخّ النفط. بالإضافة الى تفاقم الازمة التي يعيشها الكيان الصهيوني من خلال تصاعد المقاومة الفلسطينية ضد قواته، ومن خلال تعاظم الانقسامات الداخلية داخل مجتمعه.
واذا أضفنا الى هذه المتغيرات حجم التعاطف الشعبي العربي مع منكوبي الزلزال في سورية والذي يعبّر عن نفسه بأشكال متعددة، نستطيع ان ندرك ان الظروف باتت مهيئة لأخذ مثل هذا القرار الهام والعادل بحق سورية.
من هنا جاءت دعوتنا في المؤتمر القومي العربي، والحملة الشعبية العربية والدولية لرفع الحصار عن سورية الى الرئيس الجزائري الدكتور عبد المجيد تبون بصفته رئيس الدورة الحالية للقمة العربية، وباعتبار ان الجزائر كانت أول الدول المبادرة الى أرسال مواد اغاثية وفرق انقاذ الى سورية ، أن يبادر الى الدعوة الى اجتماع عربي رفيع المستوى تحضره سورية وتكون مهمته وضع خطة لمساعدة الشعب السوري على تخفيف أثار الزلزال المدمر، بدءاً من انتشال من تبقى حياً من تحت الانقضاض، الى إيواء المشردين، الى وضع خطط لإعمار سورية .
قد يكون عقد مثل هذا الاجتماع الذي تحضره سورية عملاً تاريخياً يسجّل للنظام العربي الذي بدأ عدد من أركانه يدرك حجم الأخطاء والخطايا التي ارتكبوها خلال السنوات الماضية بحق سورية وغير سورية .
أما على صعيد قانون "قيصر"، وهو المسمى زوراً بقانون، لأنه مجموعة إجراءات أميركية أحادية الجانب لا يمكن تسميتها بقانون، ولا يمكن اسباغ الطابع الدولي عليها، ولمخالفتها الصريحة لقرارات الأمم المتحدة، وهي اجراءات يمكن اعتبارها بمثابة حرب إبادة جماعية، وحرب ضد الإنسانية.
ان الخطوة الأولى لإسقاط قانون "قيصر" الذي لا يعترف به اكثر من ثلثي سكان البشرية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تبدأ بإسقاط ما يمكن تسميته بالحصار العربي على بلد لم يتأخر لحظة عن نجدة كل بلد شقيق تعرّض لأزمة والذي فتح ابوابه لملايين اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1967، والعراقيين بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، واللبنانيين خلال العدوان الصهيوني عام 2006، بالإضافة الى دوره في دعم كل ثورات التحرّر العربي، لا سيّما في الجزائر ودول المغرب العربي، ونجدته لمصر وتونس في أزمة القمح التي تعرضا لها.
ان كسر الحصار العربي هو الخطوة الأولى على طريق كسر الحصار الأمريكي والاوروبي الذي يحتاج الى جبهة عالمية، تضم حكومات وشعوباً، على المستوى الدولي تسعى الى تحرك عبر الهيئات الدولية لإدانة هذا الحصار ، كما الى ملاحقات قانونية أمام المحاكم الدولية، لا سيّما محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية لإبطال هذا "القانون"، بل ولمحاكمة كل من يقف وراء إصداره وتطبيقه، لا سيّما وأن مفاعيله تعادل مفاعيل جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية .
كما يحتاج اسقاط هذا "القانون" اللاشرعي واللاقانوني الى التفاعل مع كل قوى العدالة والسلام والاحترام الحقيقي لا المزيف لحقوق الانسان للقيام بتحركات داخل البلدان الملتزمة بهذا القانون لإجبار حكوماتهم، لا سيّما الأميركية، الى الغاء هذا القرار ، وهو أمر بدأناه بالفعل من خلال أصدقائنا في الغرب، لا سيّما داخل الولايات المتحدة الأميركية الذين نتعاون معاً في "المنتدى العربي الدولي من أجل العدالة لفلسطين" لإدراكهم ان العدالة لفلسطين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة لسورية ولكل بلد يتعرض للظلم والعدوان والاحتلال.
ان فرص إسقاط ما يسمى بقانون "قيصر"، وبالقرارات الأميركية الصادرة في 9/2/2023 (أي بعد ثلاثة أيام على الزلزال) فرص كبيرة اليوم ، وتتطلب حراكاً شعبياً عربياً واسلامياً ومن أحرار العالم، كما من الحكومات الشقيقة والصديقة التي تحركت لنجدة سورية وتركيا إثر الزلزال المدمر الذي ضربهما في السادس من شباط/ فبراير 2023.

