د. محمد مشتهى
الاستدارات في العلاقات الدولية موجودة ومعمول بها، إيران "مثلا" لها علاقة جيدة مع الامارات وتركيا وقطر وفاتحة الآن محادثات مع السعودية، وإن قصة علاقة دولة "ما" مع أمريكا أو مع "إسرائيل" ليست هي الناظم الوحيد للعلاقات الدولية ولا تعتبر من العوائق في العلاقات بين الدول "مع الأسف"، الإمارات لديها اندفاعة قوية للعلاقة مع "اسرائيل" لكن هذا لم يمنع سوريا أو إيران وغيرهم من الدول أن تبني علاقات معها، وكذلك تركيا وقطر ومصر والأردن.
هناك قياس وقياس عكسي للعلاقات الدولية مطلوب الإنتباه لكليهما عند قراءة العلاقات بين الدول، فمثلاً دولة مثل سوريا المحاصَرة عربياً وبإمتياز، حتى لبنان الجارة لها لا تتكلم معها، وعندما تقوم سوريا بفتح ثغرة عربية من خلال الإمارات هذا يعد نوع من "فك العزلة" بغض النظر عن عما دار بين بن زايد والأسد من حوار (فهذا ليس موضوع المقال)، هنا سوريا أيضا تستفيد من اللقاء وهذا هو القياس العكسي للعلاقات الدولية، فالزيارة لها رسائلها وهي ترسل رسالة للإقليم سواء كان خليجيا أو عربيا أو تركيا أو إيرانيا بأن سوريا قد انفتحت على الإمارات، والإمارات دولة مهمة وهي تحاول أن يكون لها دور إقليمي كبير، لذلك برأيي إن أهم دلالة للزيارة هي أن سوريا تكسب "فك العزلة" وتفتح أفق لها، وبالنسبة لسوريا غير المطبعة مع "إسرائيل" برأيي لن تحسب حساب لعلاقات الإمارات الدولية ومنها تطبيعها مع "إسرائيل"، فالعلاقات الدولية مبنية على أن لكل دولة علاقاتها، ولهذا يمكن لأي مُحلل أن يكتشف بسهولة مدى التناقضات الرهيبة في العلاقات الدولية وهذا أكبر دليل لأن لكل دولة علاقاتها الدولية التي تراعي مصالحها هي بغض النظر عما إذا تناقضت أو التقت مع مصالح دولة أخرى أم لا، حتى عندما تريد دولة أن تؤسس علاقة مع دولة أخرى فإنها لن تدخل معها بحساب تاريخي لها، بمعنى هي ستتعامل معها وتبني علاقة معها على علّتها، ولو صحَّ للأسد مقابلة السيسي "مثلا" فهل سيقول له: لا أرغب!!، بالعكس سيذهب لمقابلته ويفتح خطوط معه، مع أن مصر دولة مطبّعة مع "اسرائيل" منذ عشرات السنين، وكذلك لو رئيسي دُعِي لزيارة مصر فهل سيرفض؟! قطعا لا، فالعلاقات الدولية مختلفة، حتى العلاقات عند حركات التحرر، ولو دُعِيت حركة "ما" للقاء السيسي فهل سترفض؟! بالتاكيد لا، لأنها مُحاصَرة وهي التي ستكسب، هكذا يمكن قراءة العلاقات الدولية بمفهومها الشمولي بغض النظر عن هذا المفهوم عجبنا أو لم يعجبنا، رضينا عنه أم لم نرضَ عنه، ولا يجوز قراءة العلاقات الدولية من زاوية واحدة رغبوية.
هناك علاقات دولية من أحد سماتها "الضعيف والقوي" كيف ذلك؟
مثلاً: بوتين وزلينسكي، مَن هو الأقوى منهما؟ بوتين طبعا، لذلك زلينسكي يتمنى لقاء بوتين، لكن بوتين لا يريد لقاءه لأنه سيخسر، لذلك الحساب هنا روسي وليس أوكراني، وفي اللحظة التي سيشعر بوتين بحساباته أن روسيا ستكسب بالتأكيد سيلتقي به وبغض النظر عما سيكسب زلينسكي، لكن زلينسكي هو الذي سيكسب أكثر من اللقاء كونه الأضعف، لذلك قصة "الضعيف والقوي" تؤخذ بالحسبان عند قراءة المشهد أو تفسير لقاء دولي. سوريا الآن محتاجة كل دولة عربية، محتاجة عمق عربي لفتح أفق، والإمارات محتاجة لسوريا من أجل تسجيل حضور في الملف السوري، تماما كما قطر لديها علاقة مع حماس ومع طالبان ومع إيطاليا وروسيا وبريطانيا، ومع كل متناقضات الأرض، وهذا يُعد أحد أسرار قوة قطر، لذلك هي باتت تلعب دور الوسيط في كثير من الملفات الدولية لدرجة أن أمريكا وصفتها بالدولة الحليفة لها من خارج الناتو، لماذا قطر أخذت هذه المرتبة في العلاقة الدولية؟ لماذا لم تأخذها السعودية بدلا منها "مثلا"؟! بتقديري الإمارات الآن تتجه في علاقاتها الدولية على خطى قطر، هي تفتح علاقاتها مع إيران وسوريا وتطبع مع "إسرائيل".
وبغض النظر عما قيل في لقاء بن زايد والأسد، لكن مؤكد أن كل شخص قدَّم رؤيته للعلاقة بين البلدين، وبمجرد لقاءهما هذا يعني في العلاقة الدولية أن كل شخص منهما هو محتاج للآخر، ومؤكد أن الأسد لم يذهب ليتلقّى تعليمات من بن زايد، وبن زايد لم يستقبل الأسد ليعطيه إرشادات، ولقاء الأسد يعني قبوله للإمارات على علَّاتها، ولقاء بن زايد يعني قبول سوريا على علَّاتها، سوريا علاقتها قوية مع إيران وحزب الله، والإمارات بحاجة لعلاقة مع سوريا ليكون لها حضور قوي في الإقليم، العلاقة بين الدول تشبه كثيرا العلاقة بين العائلات، فعندما تحدث مشكلة بين عائلة وعائلة أخرى، هنا الحاجة إلى عائلة ثالثة نحن في غزة نسميها "الجاهة" كي تتفاهم مع الناس، ولا يجوز لدولة أن تفتح النار على كل الدول وتعادي الجميع، وهذا ليس من العلاقات الدولية في شيئ، العلاقات الدولية تعني حضور بين القوى الإقليمية، وقوة الدول تُقاس بمدى حضورها السياسي، المالي، والاعلامي، والعسكري، والقطريين حاضرين في الإعلام والمال والسياسة، السياسة هنا جاءت من قوة علاقتها مع الدول ومع حركات التحرر والأحزاب وحتى الشخصيات المهمة.
الإمارات عندما تفتح خطوط مع سوريا هذا يعني أنها تستطيع أن تتكلم معها وقتما شاءت، والأمريكي أو "الإسرائيلي" عندما يريد الحديث مع سوريا فإنه لن يذهب لسوريا مباشرة لكن ستكون الإمارات بوابة للحديث بينهما وهذا يعطي الإمارات قوة حضور، ومهما كانت الدولة قوية هي دوما بحاجة إلى حضور اقليمي، تركيا "مثلا" منذ سنوات وهي تخسر في الإقليم، لديها مشكلة مع مصر ومع الإمارات ومع العراق ومع سوريا ومع لبنان وهذا ربما أحد التفسيرات المهمة لتوجه تركيا نحو "إسرائيل" وفي حال كان تفكير أردوغان هكذا فهو برأيي مخطئ لأن "إسرائيل" ليست هي المُنقذة له في الإقليم، فأوروبا لا تريد أردوغان، ما يجعل من الشرق هو الوجهة الحقيقية لحضور تركيا، لكنه الآن يخسر في الشرق، وهو الآن بحاجة إلى تصفير مشاكله مع دول الشرق، هذا في حال أراد تسجيل حضور إقليمي جيد فيه، ودول الشام؛ هي مناطق حيوية وهي مناطق الصراع الحقيقي.
لذلك كله؛ لا يجوز فهم العلاقات الدولية أنها يجب أن تسير على إيقاع دولة "ما"، كل دولة تسير على إيقاعها هي، وهذا يُعد من أحد المفاهيم الأساسية التي تُبنى عليها الكثير من العلاقات الدولية المعاصرة.

