Menu
فلسطين - غزة °15 °5
تردد القناة 10873 v
اعلان اعلى الأخبار الرئيسية

فلسفة المقاومة في فكر (الجهاد الإسلامي)

بقلم د. وليد القططي

فلسفة أي شيء هي دراسة المبادئ الأولى والأُسس النظرية له، وترتيب مفاهيمه ومواضيعه وفق منطق عقلي منظم وتصوّر ذهني منهجي، وهذا ينطبق على فلسفة المقاومة كمفهوم نظري وممارسة عملية، والمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني رغم تشابه ممارساتها العملية لكن فصائلها انطلقت من مرجعيات فكرية مختلفة، جعلت لكل فصيل فلسفة مقاومة خاصة، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين كحركة مقاومة وطنية بمرجعية إسلامية لديها هذه الفلسفة المتميزة، ولذلك من المفيد إلقاء الضوء على فلسفة المقاومة في فكر (الجهاد الإسلامي)، من خلال وثيقتيها الفكرية والسياسية، والتراث الفكري للأمناء العامين الثلاثة للحركة.

المقاومة في (الجهاد الإسلامي) فكرة قبل أن تكون عمل، فالفكرة أصل وبداية كل عمل إنساني حضاري، وبغياب الفكرة يفقد العمل بوصلته، وفكرة المقاومة لدى (الجهاد الإسلامي) هي الأصل والبداية في نشأة الحركة ومشروع الجهاد، ففي البدء تبلورت فكرة الجهاد والمقاومة في فلسطين، ثم انبثق عنها عمل الجهاد والمقاومة بعد إنشاء الحركة، كما أكد ذلك المفكر الشهيد فتحي الشقاقي – مؤسس الحركة – بقوله: "مع نهاية السبعينيات كان الحوار الفكري يتحوّل إلى مناخ سياسي تنبثق عنه نواة تنظيمية اندفعت لاحقاً باتجاه فلسطين المحتلة لأجل بناء الحركة الإسلامية الثورية". فالحوار الفكري أسس لمشروع الجهاد الإسلامي بعد تبلور الفكرة التي جمعت بين الإسلام كمرجعية ومنطلق، وفلسطين كقضية وهدف، والجهاد والمقاومة كنهج ووسيلة، وهكذا وُجدت المقاومة في العقل والفكر قبل السكين والبندقية، وفي القلب والروح قبل القنبلة والصاروخ.

المقاومة ثقافة قبل أن تكون ممارسة، ففعل المقاومة نتاج لثقافة المقاومة، فثقافة المقاومة هي الإطار الفكري الذي يحافظ على نهج المقاومة  حتى في زمن الهزيمة العسكرية والإحجام الثوري ، كما أكد الفكر الشهيد فتحي الشقاقي موّضحاً دور الثقافة والمثقف "الثقافة يجب أنْ تصمد حتى لو توالت الهزائم، فانهيار جدار الهوية والثقافة يعني أنَّ الوطن بكامله أصبح مُستباحاً، وأنَّ الأمة لم تعد هي الأمة... والمثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر، بل ينبغي له أن لا ينكسر". فثقافة المقاومة هي المُحرّكة لفعل المقاومة وإرادة النصر وروح التضحية، وهي التي تمنع تسلل ثقافة المساومة ووهن الهزيمة وروح الانكسار إلى المقاوم، وهي التي تُحرّض ضد الظلم والانحراف بكل صورهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية... وخاصة رفض التعايش مع الاحتلال، والتطبيع مع الكيان، والتسليم بالرواية الإسرائيلية.

المقاومة جهاد في سبيل الله في بُعدها  الديني كما قال تعالى: " ٱنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَٰهِدُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ" .  فهو في رؤية (الجهاد الإسلامي) "ذروة سنام الإسلام، وقد فرضه الله للدفاع عن حُرمة الدين المقدسات والأوطان وحقوق وكرامة الإنسان، وإذا غزا العدو أو احتل جزءاً أو بلداً من أرض الإسلام، مثلما هو الحال في فلسطين، يصبح الجهاد فرض عين على أهلها، ثم على المسلمين جميعاً، وذلك لدفع العدوان وتحرير فلسطين حتى تعود فلسطين لحوزة المسلمين". ولذلك فقد اعتبرت الحركة ترك الجهاد قبل تحرير فلسطين، والصلح مع العدو لا يجوز شرعاً لما فيه من تنازل عن الأرض والحق. فالقتال لتحرير الأرض الإسلامية المحتلة التي أُخرج منها أهلها عدواناً وظلماً أو بقوا تحت الاحتلال المعتدي الظالم هو جهاد التحرير أو الدفع، ويُعتبر فريضة دينية وواجب شرعي عبّر عنه الأستاذ المجاهد زياد النخالة بقوله: "لنذهب إلى القتال كما نذهب للصلاة... هؤلاء القتلة الصهاينة يجب قتالهم وجوب الصلاة".

المقاومة تحرير للوطن من مُحتليه في بُعدها الوطني، التزاماً بتعريف الحركة لنفسها بأنها "حركة تحرير وطنية إسلامية، وجزء ومكوّن أصيل من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة". وضمن رؤية فكرية منطقية ترى أنَّ فلسطين كلها ما زالت مُحتلة من البحر إلى النهر، فالسيادة والسلطة للعدو على الأرض والسكان، والمرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بناء على هذه الحقيقة هي مرحلة الكفاح الوطني من أجل تحرير الأرض واسترداد الحقوق، وطبيعة المرحلة هي التي تحدد طبيعة المشروع الوطني فهو مشروع تحرير كل فلسطين، من خلال استراتيجية الجهاد والمقاومة، ولا يجوز التحوّل عن نهج المقاومة إلى نهج المساومة على الأرض والحقوق، ولا يجوز خلق أولويات بديلة عن التحرير كالصراع على السلطة والتمثيل البرلماني تحت حراب الاحتلال، والتحايل لإيجاد طرق للتعايش مع الاحتلال.

المقاومة حق أقوى من العدو، بل الحق الفلسطيني هو القوة التي يقاوم بها الشعب عدوه المُحتل، فقوة الحق الفلسطيني ستهزم باطل القوة الصهيوني، والوثيقة السياسية لـ (الجهاد الإسلامي) تؤكد هذا الحق "حق الشعب الفلسطيني والأمة في الجهاد والمقاومة ضد العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين، بكل الوسائل والأساليب... هو حق مشروع كرّسته كل الشرائع السماوية، والأعراف والمواثيق الدولية". والمقاومة الفلسطينية اكتسبت شرعيتها وحقها في المقاومة وامتلاك سلاح المقاومة من وجود المحتل نفسه على الأرض الفلسطينية، والحق الطبيعي والإنساني والديني والوضعي في مقاومة المحتل وطرده من الأرض المحتلة، استناداً إلى حق الدفاع عن النفس وحق تقرير المصير، ولذلك جاء في وثيقة الحركة السياسية التأكيد على حقها في امتلاك السلاح وتصنيعه وتطويره، وترفض التخلّي عنه أو المساس به أمام كل دعوات نزع سلاح المقاومة.

المقاومة واجب فوق الإمكان، فالثورة عمل غير مؤجل وفق رؤية المفكر الشهيد فتحي الشقاقي "فالوجوب فوق الإمكان، وأنَّ مهادنة العدو والهروب من مواجهته حتى تكتمل ما يُسمى بالقدرة المكافئة هو وهم يشل الحركة ويقتلها ويسمح للعدو بالنمو والتعاظم، ويجعله دوماً في الوضع الأفضل للانقضاض". فأي تأجيل للمقاومة تحت مبررات مثل: تحقيق التوازن الاستراتيجي، وإنجاز ومراكمة القوة، وانتظار الخلافة الإسلامية، وعبور مرحلة الاستضعاف، وانتهاء الإعداد والتربية، وإعطاء فرصة للسلام... هي وصفات لإطالة عمر الاحتلال ودولته، ولتأخير مشروع الجهاد والمقاومة لتحرير فلسطين، ولذلك عندما رفعت الحركة شعار (الواجب فوق الإمكان) طبقته عملياً على المقاومة متدرجة من السكين والحجر، إلى القنبلة والبندقية، وصولاً إلى المدفع والصاروخ، كانت تدرك أنَّ مراكمة الإمكانيات والقوة تأتي من خلال الجهاد والمقاومة الفورية والمستمرة.

المقاومة مستمرة من خلال استراتيجية المشاغلة الذي يعني إبقاء جذوة الجهاد مشتعلة في فلسطين، فدور المجاهدين والمقاومين في فلسطين هو إحياء فريضة الجهاد وإشعال جذوة المقاومة ضد الكيان الصهيوني ومشاغلته بالنار حتى اكتمال شروط النصر الكامل عليه، فمنهج الحركة هو "استمرار المواجهة مع العدو الصهيوني، واستنزاف طاقاته وقدراته، وزعزعة أمنه واستقراراه، لإجباره على الرحيل عن أرضنا، وصولاً إلى التحرير الكامل لفلسطين" وربط المفكر الشهيد فتحي الشقاقي بين استمرار المقاومة ونهضة الأمة بقوله : " سيبقى جهادنا مستمر وعملياتنا الاستشهادية مستمرة حتى تبقى هذه القضية حية وحتى تنهض كل الأمة تجاه قضيتها المقدسة قضية فلسطين". واستمرار المقاومة الشاملة أهم وسائل بناء القوة الشاملة: قوة الشعب الفلسطيني بتعزيز صموده، وقوة المقاومة بمراكمة خبراتها، وقوة الأمة بزيادة فاعليتها باتجاه فلسطين... وهذا كله سيعمق مأزق (إسرائيل) الأمني والوجودي.

المقاومة مُسلحة، وهذا نهجٌ حتميٌ وليس خياراً طوعياً، ناتج عن طبيعة الكيان الصهيوني والصراع معه وتحالفاته، فالكيان الصهيوني قائم على إحلال واستيطان شعب دخيل مكان شعب أصيل، والصراع معه صراع وجود يتعلّق بوجود أو عدم وجود أحد الشعبين على نفس الأرض، وهو إفراز للمشروع الاستعماري الغربي القائم على العنف وإدامة العنف... وهذا نوع من الاحتلال والصراع والتحالف لا يُحل أو يُحسم إلاّ بالقوة العسكرية والمقاومة المسلحة، ولذلك أكد المفكر الشهيد فتحي الشقاقي على ذلك بقوله: " منذ البداية كان الجهاد المسلح ضد العدو الصهيوني هو المبرر الأساسي لنهوض حركة الجهاد الإسلامي، رغم أهمية الإسهامات  الفكرية التي قدمتها الحركة إلا أنَّ الجهاد المسلح بقي الأهم". وأكد على نفس المعنى الدكتور المجاهد رمضان شلح بقوله: "الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني هو الأساس الرئيس والاستراتيجي في كفاحنا فلا يجوز التخلّي عنه حتى دفع العدوان وتحرير كامل الأرض واسترداد كل الحقوق"، واعتبر الأستاذ المجاهد زياد النخالة "الكفاح المسلح الطريق الأقرب لردع الاحتلال وتحرير الأرض والمقدسات".

المقاومة شعبية، فالحركة تؤمن بأهمية الجماهير كأداة لإحداث التغيير الثوري وتحرير الأرض، فالثورة والتحرير لا تتم بجهد تنظيمي نخبوي، بل بجهد جماهيري فلسطيني عربي وإسلامي... ولذلك أكد المفكر الشهيد فتحي الشقاقي على دور الشعب في الانتفاضة " إنَّها ثورة شعب بأكمله... لأنَّ الخروج الجماهيري الحاشد إلى الشوارع كان حلمنا منذ اليوم الأول". والوثيقة الفكرية للحركة ترى أنَّ "اعتبار الجهاد المسلح هو الأسلوب الرئيس للمقاومة لا يمنع استخدام أساليب وأشكال أخرى للمقاومة وخصوصاً الانتفاضة الشعبية التي يمكن الجمع فيها على نحو مبدع وخلاّق بين فنون وأدوات مختلفة للمواجهة". والأمين العام الحالي للحركة الأستاذ زياد النخالة يؤكد على ذلك بقوله: "حركة الجهاد تؤمن بأنَّ شعبنا هو ركيزة المقاومة وأساسها وهو مفجر الثورة على مدار تاريخه"، ولذلك فقد اختارت الحركة إحياء انطلاقتها الجهادية ليس يوم نشأتها، بل يوم تحوّل مقاومتها الحركية المسلحة إلى حالة مقاومة شعبية شاملة في السادس من تشرين عام 1987م بداية الانتفاضة الأولى، عندما التحمت الحركة بجماهيرها.

المقاومة شهادة في سبيل الله دفاعاً عن الأقصى والقدس وفلسطين، وتحريراً للأرض والإنسان، والعمل الاستشهادي بكل أشكاله أرقى درجات الدفاع المشروع عن النفس أمام إرهاب عدو صهيوني، في ظل تقاعس العالم عن ردع المحتل الظالم، أو توفير الحماية لشعبنا المظلوم أما رؤية المفكر الشهيد فتحي الشقاقي فإنَّ نهج العمليات الاستشهادية هو "الرد الإسلامي الفذ والمعجز على تكنولوجيا المستعمر وآلته الجهنمية"، وأنَّ الشهداء هم الذين "يعيدون تشكيل الحياة بزخم أكبر وبإبداع أعظم  لتبقى الشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة، فلا حياة ولا تاريخ لنا بدون الشهداء". وفلسفة الشهادة عند الأمين العام الثاني للحركة الدكتور المجاهد رمضان شلح مرتبطة بالمقاومة والحياة. " نحن نريد أن نحقق الانتصار، ونريد أن يكون الجهاد طريقاً للحياة لا بوابة للموت فقط... لكننا في ظل اختلال موازين القوة، وإصرار العدو على سحق خيار الجهاد والمقاومة، يصبح حمل الراية ومواصلة الجهاد عملاً استشهادياً".

المقاومة جبهة فلسطينية وعربية وإسلامية، فعلى المستوى الفلسطيني الجهاد الإسلامي من خلال أدبياته الفكرية يؤمن بضرورة إقامة التحالفات مع أي طرف يريد مقاتلة العدو، والحركة ليس لديها مانع للتعاون والتنسيق مع كافة القوى المعادية للإمبريالية والصهيونية الساعية لتحرير فلسطين سواء كانت قومية أو وطنية أو ماركسية، ويشارك في التحرير كل فلسطيني مسلماً كان أو مسيحياً دفاعاً عن الوطن والمقدسات، أما على المستوى العربي والإسلامي، فالحركة تؤمن بأنَّ المقاومة التي ستؤدي إلى تحرير فلسطين جهد عربي وإسلامي يضم كل أحرار الأمة المؤمنين بمركزية قضية فلسطين كقضية أولى للأمة، وترى أنَّ مشروع تحرير فلسطين لن ينجح بدون تكوين جبهة مقاومة عربية إسلامية ضد الكيان الصهيوني والاستعمار الأمريكي، وهذا ما تبلور اليوم من خلال (محور المقاومة)، الذي أكد على وجوده الدكتور المجاهد رمضان شلح بقوله : " نحن ننظر إلى الجميع بمنظور الحاجة إلى من يحتضن قضية فلسطين... وقد تصدى لهذا الدور سورية وإيران ومعهما حزب الله، فسُموا ومعهم حماس والجهاد وفصائل أخرى محور المقاومة والممانعة".

فلسفة المقاومة في فكر (الجهاد الإسلامي) تبدأ بفكرة المقاومة، وتُحافظ على نهجها بثقافة المقاومة، وتُعتبر في عُمقها الديني جهاد في سبيل الله، وفي بُعدها الوطني تحرير للوطن والشعب، والمقاومة حق للمظلومين فوق القوة، وواجب المستضعفين فوق الإمكان، والمقاومة مُستمرة بلا هوادة... جهاد شعلته لا تنطفئ، وثورة نارها لا تُخمد، مقاومة عمودها الفقري الشعب بصموده ونضاله، وذروة سنامها الكفاح المُسلّح، وأرقى درجاتها العمل الاستشهادي، وتزداد قوتها وفاعليتها بوجود جبهة فلسطينية موّحدة بمشروع تحرير وطني واستراتيجيته الجهاد والمقاومة، وبوجود جبهة عربية إسلامية بوصلتها القدس وهدفها فلسطين ومحورها المقاومة... وهي بعد ذلك وقبله مقاومة منتصرة لا محالة بوعد الله الصادق، وعد الآخرة " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا".