بقلم: وليد ابراهيم الهودلي
صدق الارادة عند أسر١انا .. تظهر بابهى صورها وتضرب لنا مثلا وتعيدنا الى نماذج عظيمة خلدت في القران .. دعونا نمر على هذه الارادات الحرة الصادقة لنرى هذا الخلق العظيم كيف يترجم على أرض الواقع .. من السهل ان نتحدث عن مكارم الاخلاق بشكل عام .. ولكن السؤال : كيف تصبح أمرا واقعا نحياه ؟ سنتحدث عن خلق واحد : الصدق .. وانها والله لكلمة سهلة على اللسان ولكن ماذا اذا كلفك الصدق ثمنا عليك دفعه ؟ او تضحية عليك الاستعداد لها ؟ ماذا لو انتقلنا من صدق الاقوال الى صدق الارادات و الافعال .. ماذا لو صدقت في كل ما عاهدت الله عليه : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .... " دعونا نسير قليلا مع اصحاب الارادات الصادقة : محمد صلى الله عليه وسلم الذي خط لنا طريق الصديقية العالية : " وان الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا " فطريق الصدق اذا واضحة .
ثم دعونا نتنقل بين إرادتين صادقتين ، إرادة يوسف عليه السلام رائد هذه المدرسة اليوسفية ثم نـاتي الى واقعنا لنرى إرادة أسر١انا في هذا الزمان : كايد فسفوس في اضرابه المفتوح عن الطعام ليحطم ارقاما قياسية غير مسبوقة ومقداد القواسمي وعلاء الأعرج وسامر العيساوي وايمن الشراونة وطارق قعدان وجعفر عز الدين... هذا الثبات وهذه الارادة الصادقة لا يمكن ان تخرج الا من ذوي ايمان عميق وقوة روحية عالية ..
لا أدري اذا اردنا ان نستعرض احوال اسرانا من اين ابدأ واين انتهي : نتحدث عن المعزولين ؟ منهم من بلغ العشرين سنة وما زال معزولا : حسن سلامة مثلا.. هل نتخيل هذا كيف يجري على ابطالنا وكم هي طاقة تحملهم ؟؟: اسألوا من خاض هذه التجربة : كيف كان يومك في العزل ؟ من كنت تناجي وكيف كانت عقارب الساعة تسير معك ؟ ما هي علاقتك بالزمان والمكان والسجان
هل أتحدث عن المرضى وكيف تجري عملية العلاج التي تحول الاسيير الى حقل تجارب فتعزز المرض وتفتح سجنا داخل سجن وتتضاعف المعاناة .. هل اتحدث عن سجن النساء والامهات في مدافن الاحياء أم عن الاطفال والاعتقال الاداري ؟؟
دعونا نطرح سؤالا لماذا يسجن هؤلاء ؟؟ عندئذ يلزمنا الذهاب الى يوسف عليه السلام لنسأله ذات السؤال ؟؟ لنرى الصدق وهو يتجلى في ثماني قواعد من خلال قصته في القران :
1/ القاعدة الاولى: لآن الله آتاه الحكم والعلم لذلك فإن موقفه وسلوكه ينبغي أن يكون حكيما وعالما ومواقفه صادقة مع ما يحمل من حكمة وعلم خاصة بما يريد الاعداء منه . ” ولما بلغ أشده آتاه الله حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين”
القاعدة الثانية / لآن الظالمين يراودوننا دائما ليحرفونا عن مواقفنا ” وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ” ويريدون منا أن نكون طوعا لامرهم لذلك لا بد من مخالفتهم وعدم الاستجابة لامرهم .. ” وهذه سنة باقية للظالمين : يقول المفكر الجزائري مالك ابن نبي بعد ان يستعمر الاستعمار بالقوة يعمل على زراعة قابلية الاستعمار في نفوس المستعمرين .. وهذا حالنا عندما يدعوننا للتعايش والقبول بالظلم والامر الواقع .. إنهم يراودوننا : وأسر١انا خالفوا هذه المراودة الظالمة .. ويتعرض الاسير والمستعمَر بشكل عام لاشكال متعددة معروفة من المراودة : على نفسه وانتمائه ودينه ووطنيته وكرامته وكل شيء في نفسه :وراودته عن نفسه . سياسة الاحتواء فان لم ينجحوا في الاحتواء ؟؟ فانهم يذهبون الى الحصار ..
القاعدة الثالثة / وعادتهم أنهم يحاصرونك ولا يتركون أمامك سوى خيارين لا ثالث لهما : وغلقت الابواب : كل الخيارات أمامك مغلقة ، وقد حاول الفلسطينيون ايجاد حلول وفق خيارات أخرى ولكنهم غلقوا كل الابواب: هكذا تقول تجربة عشرين سنة من المفاوضات .. لقد اختارت ارادة اسرا١نا خيار يوسف أما ارادة الاحتلال فهي التي غلقت كل الابواب .
القاعدة الرابعة / ولان سنة الله في الظالمين انهم لا يفلحون فلا مجال لالتقاء الارادتين في منتصف الطريق : إنه لايفلح الظالمون .
القاعدة الخامسة / ولأن الفتنة تكشف ارادة المخلصين اين تذهب وكيف تتصرف : من السهل ان ندعي الايمان والصلاح والصدق مع المبادىء في الوساع ولكن عندما نكون على محك : “ولقد همت به” : هنا يظهربرهان الارادة الحرة الابية الصادقة : وهمَّ بها لولا ان رأى برهان ربه .. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء .. إما ان يكون لك برهان هذا الصدق الذي صار صفة دائمة من صفاتك " وان الرجل ليصدق " وطوعت ارادتك عليه او ان تقع في سوء وفحشاء إرادتهم … وإرادة المحتل التي تعمل على إضعافنا وميلنا للعجز والكسل وسطوة الشهوة التي تميت الارادة .. ” وإذا رأو تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة …” .. هناك ارادتين داخل الانسان إرادة الاخرة وارادة الدنيا .. اذا غلبت ارادة الدنيا : الغنائم والمناصب كما في أحد وقعت الهزيمة ، وإذا غلبت
ارادة الاخرة : إرادة الانسان الحر الكريم صاحب المبدأ والهدف العظيم كان النصر .” منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة ” لقد انحازت ارادة اسر١انا الصادقة للقضية وغلبت العام على الخاص لذلك كانوا في السجن وآثروا الحياة التي تسر الصديق وتكيد العدا .
القاعدة السادسة / ولأن إرادة الظالمين تصر على ملاحقة ومطاردة من لا يسير في ركبهم ولا ينزل عند شروطهم .. مطاردة ساخنة دون توقف : ” واستبقا الباب .. وليس هذا فحسب : وقدت قميصه من دبر ..وتصر ايضا على الاتهام والتشنيع والتهديد : قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا الا أن يسجن أو عذاب أليم ” إنهم ارهابيون مخربون ومعتدون أما هم فابرياء وضحايا للارهاب .
القاعدة السابعة / ورغم وضوح الدليل الا انه تستمر الملاحقة والتهمة لماذا : لأنه استعصم .. تهمة اسرانا أنهم استعصموا ولم يستجيبوا لهم ولم تنزل إرادتهم الصادقة عند ارادة المحتل .
القاعدة الثامنة / لم يبق نهاية المطاف وبعد هذه الجولات الساخنة الا خيارين لا ثالث لهما : ” ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن او ليكونا من الصاغرين ” هذه هي خيارات المستعمِر مع المستعمَر : خيار براغماتي تعايشي تطبيعي ورضى بكل سوئه وفحشائه ونزولا عند كل رغباته- لا يقبلون الا مائة بالمائة مما يريدون- لا بقبل بتسعين بالمائة مثلا أو يواجهون برفض الارادة الصادقة وهذه تحتاج الى التضحية والسجن ..
لقد وصلت الامور الى درجة لا تطاق : انظر ستجد الابواب كلها مغلقة ولا أقول مغلقة وإنما مغلقة : انظر خلف باب السجن لتجد ان ملف
الاسسرى قد أحكموا اغلاقه .. افتح ملف المياه وحدث ولا حرج لتجد اننا لا نسيطر على قطرة ماء من مياهنا : ناهيك عن قلب القضية : القدس التي يسابقون فيها الزمن : من تهويد وطمس لمعالمها بكل ما اوتوا من قوة وخبث . وملف الاستيطان حيث لا يستعدون لاي تجميد ولو كان شكليا ومؤقتا أو حتى لأغراض الاستهلاك المحلي .. ” لقد غلقوا كل الابواب بأقفال أحقادهم التي لا حدود لها” .
لقد وقفت ارادة اسسرانا أمام إرادة السجان بكل شموخ وإباء واختارت الخيار اليوسفي الخالد : " رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه ” : السجن بكل الامه ومعاناته ، بكل مرارته واوجاعه ، بكل رطوبة جدرانه وحقد سجانه .. هذا المكان الكئيب المؤلم القاتل السارق لأجمل سنوات العمر … إنه أفضل وأحسن بل وأحب للقلب والروح العزيزة المؤمنة الصادقة من كل ما يدعوننا اليه .. من كل ما يعرضون .. من كل ما يزين لنا حلفاؤهم من مال ودعم وتأييد : إنه مال مسموم ودعم موهوم وتأييد مخادع لا يريد منا الا أن نخلع ديننا وثقافتنا وأخلاقنا وعزتنا وكرامتنا وكل شيء فينا ..
فلنستعصم كما يوسف عليه السلام وكما اسسرانا الذين ما زالوا يدفعون الثمن غاليا ولكنهم يرفعون رؤوسهم عاليا … قال صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يترحم على أمة لا يأخذ الضعيف فيهم حقه غير متعتع ”
وقال ايضا : من سال الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه "
ومع وقفة إرادتنا الجازمة القوية الحازمة مع ارادة السجين يوسف عليه السلام وإرادة اسرانا الذين ما زالوا مستعصمين وما زالت أرواحهم تحمل راية الوطن لا بد من شيء من العمل والا بقيت قصة يوسف مجرد قصة .. ولكنها حياة ومنهج وصورة عملية لواقعنا .. ولقد مررنا في التجربة وكانت بفضل الله لنا نورا في ظلمات السجن .. لقد استطاع يوسف عليه السلام بهذه الارادة الصادقة وهذه الصديقية العالية أن يتجاوز محنة السجن وأن ينقذ مصر من ظلمات الشرك والظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي لآنه انطلق من القاعدة الاولى : أوتي حكما وعلما من ربه .. وبفضل هذه القواعد الثمانية التي حفظها لنا القران : وهي قواعد الصادقين في كل زمان ومكان .. هي قواعد النجاح في كل شؤون الحياة خاصة في علاقة المظلوم بالظالم وكيفية الخلاص من كل أشكال الظلم ..
وبشكل عملي لا بد
أولا : من إعادة الاعتبار لوزن اسسيرنا وهذا يؤدي الى الوقفة المطلوبة الحقيقية الصادقة اتجاه اسسرانا إذ ماذا يعني لنا أن يُضرب أسيير معزول في زنزانته وهذا الاسسير يشكل رمزا لكرامتنا وروحا لقضيتنا ورسولنا يقول لنا " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له .. فهل نكتفي بالدعاء( مع ضرورته واهميته) اذا تالم عضو من اعضائنا ام تتداعى له سائر الاعضاء بكل يقظة وجهوزية عالية .. وهنا نقول لا يمكن اعادة هذا الاعتبارلوزن اسيرنا الا اذا اعدنا الاعتبار لأنفسنا : أين نحن من قضيتنا : هل نحن مع الذين اذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا اليها وتركوا أسسرانا قائمين في زنازينهم محاربين بأمعائهم الخاوية ؟؟ أم نحن مع الذين لا يتركون سبيلا في دعم اسسراهم الا سلكوه … لقد اثبتت التجربة ان ضغط الشارع والاعلام مهم وداعم رئيسي للاسسرى .. وهذا أضعف الايمان مما هو مطلوب منا . وهذه المشاركة من قبل كل مسلم صادق مع ما يحمل من مبادىء , نحن بحاجة الى تعظيم الشعور بالواجب وأن واجب اسسرانا علينا لا يقل عن أي واجب ديني آخر . هناك مشكلة عندنا وهي اننا نقدم واجب على آخر خاصة عندما نقدم الواجب قليل التكلفة على واجب كثير التكلفة . لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ رغم أن البعض قد يستسهل مثلا رحلة العمرة فيقطع الاف الكيلو مترات ولكن واجب المشاركة في فعالية تخص أسسرانا لا تتطلب السير اكثرمن نصف كيلو متر فهي أمر ثقيل .. ولا يشعر بأنها واجب لا يقل اهمية عن أي واجب آخر بل هو الاهم والاقرب الى مرضاة الله . وهنا يطلب منا خلق الصدق أن لا نفرق بين واجب وواجب وان لا نقدم سنة على فريضة لان في الفريضة شيء من المشقة .. حتى نكون مع الصادق ايها الاخوة الكرام لا بد ان نكون مع الواجب حيث كان ومهما كلف من جهد وتضحية .. لذلك قال صلى الله عليه وسلم " إن الله لا يترحم على أمة لا يأخذ الضعيف فيهم حقه غير متعتع " .. لقد دفعت بعض الدول الشقيقة مثلا المليارات ايام المج١اهدين الافغان لانها كانت صادقة مع الارادة الامريكية .. بينما القضايا التي تحتاج الى صدق مع الله فانها تتلكا وتتردد وتنتظر الضوء الاخضر من البيت الاسود .
ثانيا : إذا أردنا دعما حقيقيا لأسسرانا فلا بد من التحرر وفورا من سجن الانقسام : إن الانقسام والاحتلال وجهان لعملة واحدة بل هما وجه واحد لعملة واحدة : عملة الهزيمة وتراجع القضية ، إن تعاطينا مع الانقسام يُعد بشكل واضح استجابة لما يدعوننا اليه ولما يريدونه منا في أحلى أحلامهم الوردية : بينما وحدتنا هي الكابوس المرعب لهم .. إذا اردنا لاسرانا الحرية فلنحرر أنفسنا ايضا من هذا السجن الذي صنعناه بأيدينا : سجن الانقسام ..
وبامكان المساجد - بقيادة من يملكون الحكمة والعلم- أن تلعب دورا هاما في نشر وتعزيز ثقافة الوفاق ومحاربة الانقسام وما نتج عنه من ثقافة سوداء تعزز الرضى والقبول في البقاء في سجن الانا والحزب والفصيل على حساب القضية والامة الواحدة .. وما هذا الا مقدمة ضرورية لتحقيق عزتنا وكرامتنا واستعادة قوتنا وتحرير اسسرانا باذن الله .

