كتب .. إبراهيم أبو صفية
"هذا صراع طويل يا رشدي يا خالي، ما اله غير نهاية وحدة، طالما في فلسطيني واحد عايش بهالدنيا الحق بظعش"، قال جمال سليمان الذي أخذ دور القائد أبو صالح في مسلسل التغريبة الفلسطينية، هذه الكلمات لإبن شقيقته "خضرا" رشدي العبد أي المرحوم حاتم علي، عندما سلمه سلاح والده الذي قضى شهيدا إبان الثورة الفلسطينية عام 1936، وهو السلاح الذي قاتل فيه خاله حسن في حرب النكبة.
كانت هذه الكلمات في مثابة أمانة مستمرة يورثها الفلسطيني لأبنائه وأقاربه الصغار؛ لأنها واجب اتجاه الأرض والوطن والتاريخ، وهي التي علقت برأس رشدي الطفل الذي فقد والدته وفرقتهم العادات والنكبة والاحتلال.
فبعد حرب الـ67 وانتكاسة العرب وخصوصا الفلسطينيين، بدأ مسار الحديث عن عدم انتظار العرب وجيوشهم لمعركة التحرير، وصار المثل الدارج شعبيا "ما بحرث الأرض إلا عجولها"، عايش رشدي الذي عاد من سفره بالسعودية في ظل حرب الـ67 ، فانصدم بهزيمة العرب، وانتكاسة الفلسطينيين، ليصحو بعدها على اقتحامات الاحتلال وعربدة الجنود داخل القرى والمخيمات الفلسطينية.
انتفض رشدي في اللقطة الأخيرة لمسلسل التغريبة الفلسطينية، ومزق أوراق منحته الدراسية إلى باكستان وذهب إلى المغارة، رفع أكوام الحجارة، ليمتشق إرث والده وخاله المعمد بالدم، ومضى ليواصل المسيرة المقدسة، هنا أغمض حاتم علي الكاميرا وترك المآلات مشرعة، فالتغريبة التي بدأت لم تنته حكايتها بعد.
الرسالة المستمرة التي جسدها حاتم علي في اللقطة الأخيرة، كانت في كلمات د. فتحي الشقاقي رحمه الله، أن الأمة على موعد مع الدم، دم يلون الدم، ودم يلون التاريخ، ودم يلون الدم، ونهر الدم لا يتوقف، دفاعا عن المقدسات والأرض والتاريخ"، فكان استمرارية المقاومة، هدف الرسالة في اللقطة الختامية.
إذانا من حاتم علي بأن المقاومة جذوة مستمرة، ظهر رشدي على باب المغارة الصخرية، وظهر لاحقا في الكرامة ومطارات الثورة وتل الزعتر وقلعة شقيف وسافوي وميونخ، فيوحصار المهد ومعركة مخيم جنين وليالي الاجتياحات الطويلة، في المنطار والزنة والشجاعية وخلف الخطوط.
حلق في سماء الجليل مع خالد وميلود، وأبحر مع دلال المغربي وبشار، خرج لهم من باطن الأرض مع بشير وأسامة، ونصب لهم الكمائن على الطرق الالتفافية مع العبيات ورائد والعياش وبراهمة.
هاجم حواجز الاحتلال في القدس والضفة، مع ضياء ومهند وبهاء ومحمود كميل وأشرف نعالوة وأحمد جرار وصالح البرغوثي.
اشترك في مناورة الركن الشديد بالذخيرة الحية ببارودة والده العبد وخاله الحسن، حمل فكره المقاوم الرشيد وسار إلى طريق القدس صوب التحرير.
وقف على باب مغارة غزة أخر الحراس مقاتل، أخر الحراس لا يساوم ولا يهادن، بصق في وجه المطبعين.
كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان
"هو بالباب واقف
والردى منه خائف
فاهدئي يا عواصف
خجلا من جرأته"
رأينا هذه الجرأة بالأمس، في مناورة الركن الشديد وفي عملية باب حطة، والاحتلال خائف لا يعرف كيف يواجه صلابة الفلسطيني الحارس لأرضه ومقدساته.
أخرج حاتم علي، مسلسل التغريبة الفلسطينية عام 2004، الذي وُصف بأنه العمل الدرامي الوحيد تقريبا الذي يسرد النكبة الفلسطينية عبر الكاميرا والدراما، بكثير من تطابق المشاهد لفعل التهجير، تطابق هم الفلسطيني بالعودة، وعمله الدؤوب لمقاومة الاحتلال.
رحل حاتم علي أمس الثلاثاء،التاسع والعشرين من ديسمبر، تاركا فينا رشدي وحسن وأبو صالح، وإرثه الدرامي التاريخي.
في ذروة الحديث عن التغريبة الفلسطينية، وتحليل مشاهدها، وتحليل كل كلمة نطق بها الممثلين، وفي رحيل حاتم علي نتساءل لماذا لم يتم ترجمة هذا العمل الدرامي، وهو أعظم عمل درامي جسد تاريخ النكبة الفلسطينية، إلى اللغات الحية في العالم؟ هذا العمل الذي يستطيع نقل الرواية الفلسطينية وبثها عبر الصوت والصورة.
مثل هذا المشروع يستحق تخصيص المال والجهد له فهو يعود بآثار عظيمة في نشر الرواية الفلسطينية وصناعة الوعي، وتقديم الفلسطيني الضحية والفلسطيني المقاوم منذ 70 عاما إلى كل إنسان في هذا الكون، على مؤسساتنا الفلسطينية أن تلتفت لهذا المشروع، ففيه نستطيع أن نحشد طاقات العالم إلى جانبنا دون أن نحتاج إلى سياسة خارجية وسفارات تكلفنا الكثير دون عمل وفعل حقيقي.

