نتائج الانتخابات الأمريكية تؤثر على مستوى الإقليم وأوروبا والعالم، وكذلك تؤثر على المستوى الفلسطيني الداخلي وعلى المصالحة، ومن يقول أنه ليس لنا علاقة بما يحدث في أمريكا فهذا كلام غير صحيح، هناك محللين يقولون بأنه قد يحدث بأمريكا حروب أهلية، ويقول محلل آخر أن الإدارات الأمريكية كلها نفس الشيء، وهذا كلام صحيح، لأن السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية منذ وجدت لم يتغير عليها شيء سوى تغيير طفيف، لكن هناك فرق أن تكون الرؤية لديك جاهزة وواضحة وفرق بأن يتم متابعة العمل السياسي، في السياسة لا يوجد شيء اسمه "نفض اليدين" من أحد، وفلسطينيا من يقول ان أمريكا "مش فارقة" عنده، أوك يا سيدي انت "مش فارق" عندك، طيب هي تفرق بالنسبة لأبو مازن وهو لاعب أساسي في الشأن الفلسطيني الداخلي وهو رئيس السلطة وأبو مازن قال: أنا منفتح وجاهز للقاء بايدن، وبالتالي أنت فلسطينيا لست من يحدد سياسة العالم، السياسة العالمية تضعها الدول العظمي ولها تأثيراتها على المنطقة شئت أم أبيت، ولها تأثيراتها على القضية الفلسطينية شئنا أم أبينا، حتى صهيونيا التغيير في السياسة الأمريكية له تأثير عليهم أيضا، ومن غير الكافي سياسيا أن يقول أحدهم أن التغيير بالسياسة الأمريكية "مش فارق" عندي وكلهم "كلاب" وكفى، يا سيدي نعم كلهم "كلاب" لكن في السياسة تفرق، وممكن تقول "مش فارقة" عندما تكون إنت على المستوى الداخلي الوطني في أرقى حالاتك بنسبة 100% ولا يوجد بينكم خلافات، هيك ممكن تقول "مش فارقة" عندنا، لكن نحن على المستوى الداخلي في أسفل السافلين، وبالتالي أي خطوة يخطوها أبو مازن بالاتجاه الأمريكي أكيد سوف تفرق على المستوى الفلسطيني الداخلي.
"إسرائيل" باركت لبايدن بعد 12 ساعة من إعلان فوزه، أي بعد تهنئة ثلاثة أرباع العالم له، وهذا مستغرب من "إسرائيل" لدرجة أن معظم الإعلام تكلم عن ذلك، وهذا ربما أتى لحفظ ماء الوجه أمام ترامب، لأن ترامب أعطاهم كل شيء، وفي نفس الوقت حاول "الإسرائيلي" بنشره صورا لبايدن وقولهم أنه من أكبر الداعمين ل "إسرائيل" وذات الأمر فعلوا مع نائبته، ووصفوهما بأجمل الأوصاف، حاولوا بذلك أن يعملوا بما يسمى التطويق السياسي لبايدن وإدارته، لكن في أول موقف لبايدن يسير فيه عكس مصالح "إسرائيل" أنظر كيف ستتحدث عنه المنظومة الصهيونية برمتها!!، بالتأكيد ستنقلب 180 درجة عليه.
"إسرائيل" تجسست على أمريكا!!!، بينما أمريكا فعلت العجائب ل "إسرائيل"، إذن لماذا "إسرائيل" تتجسس على أمريكا؟ مع أن لدى "إسرائيل" كل شيء وليست محتاجة للتجسس أصلا، لكن "إسرائيل" دوما تتحرى عن كل الدول باستمرا، تتحرى سياسيا وأمنيا وعسكريا ولا تركن لمواقفهم وتصريحاتهم والقول بأن تلك الدولة صديقتنا ثم تنام على ذلك، بل بالعكس "إسرائيل" تعمل ليل نهار على الكل ولا تركن لأي دولة سواء صديقة أم عدوة، أما نحن نعمل العكس تماما، فاذا دولة "ما" صرّحت تصريح جميل بحقنا ننام ونستيقظ نتحدث عن فضلها ثم نقول عنها بأنها أصبحت في جيوبنا، ثم بعدها نتفاجأ بأن لغم سياسي طلع من ناحيتها، لذلك أصبحت كل حياتنا السياسية مفاجآت.
العمل السياسي عمل دؤوب ومستمر ولا يتوقف، وهناك نظرية في السياسة تحذّر من النّوم على أي رؤية تاريخية مهما كانت صادقة ومهما كانت صائبة، فالتاريخ يتبدل ويتغير، فمَنْ كان يخطر بباله أن الاتحاد السوفييتي سيتشتت؟!!، والذين كانوا يقولون هذا في ذلك الوقت وصفوهم بالعته والجنون، ثم مَنْ كان يتوقع أن تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بقرار 242 ثم تعترف ب"إسرائيل"؟!! وأيضا الذين كانوا يقولون هذا في ذلك الوقت وصفونهم بالعمالة أو بالتآمر، إذن الاستسلام للتاريخ مهما كانت رؤيته صائبة فيه مخاطر، فالتاريخ يُقرا ويُستفاد منه لكنه ليس هو من يرسم المستقبل ولا هو الواقع، أما القول بأن بايدن هو صهيوني مثله مثل غيره وكفى، فهذا الكلام في السياسة غير مجدي، غير مجدي من أجل تقليل المخاطر الناجمة عن السياسة الأمريكية وليس لمنعها، علمياً الوباء عندما يُرَى بأنه قادما للهجوم على بلدك، ماذا ستفعل؟ أنت تحاول إيقافه أو التقليل من مخاطره بالحجر الصحي "أي بتطويقه" بقدر ما تستطيع، وكذلك في السياسة عندما ترى سيلاً من المخاطر فإنه مطلوب منك تطويقه سياسيا "اي محاولة تقليل مخاطر هذا السيل"، وأنت أيها السياسي دورك هو أن تقلل المخاطر وتزيد من الفُرص، لذلك العمل السياسي ليس "فشة خلق" ومن يمارسه مطلوب منه أن يتعب وأن يكون لديه أفق وتجرّد.

