في معرض حديثه مرّة لقادة الحركة الصهيونية، وضع هرتزل خطة تصوره للأنشطة الصهيونية المستقبلية، فأشار إلى أن الخطوة التالية ستكون «بيع الصهيونية»، مضيفا أن هذا «لن يتكلف شيئاً، لأنه سيسعد المعادين للسامية».
وفي فقرة من مذكراته عددّ هرتزل عناصر الرأي العام العالمي التي يستطيع حشدها لمناصرته في قتاله ضد ما سماه بـ»سجن» اليهود، يقصد «حياتهم في دولهم – الشتات»، فذكر ضمنها المعادين للسامية، كأحد العناصر التي يمكن أن تعمل نيابة عن اليهود.
حقيقة الأمر، أن الأب الحقيقي للصهيونية تعامل مع مفهوم «الصهيونية» كسلعة تجارية، وليس مبدأ أو استراتيجية يرسم بنودها مفكر استراتيجي. للأسف، فإن غير المهتمين لم ينتبهوا إلى تعبير هرتزل، الذي تحاول الصهيونية طمسه لصالح فهمها كاستراتيجية معتنقة من قبل غالبية اليهود. من هنا، فإن الصهيونية منذ نشوئها، مرورا بكل مراحلها يجري التعامل معها كبضاعة، يحاول قادتها ترويجها، لا يقبضون ثمنها أموالاً، بل توسعا جغرافيا واحتلالا ومساندة من العالم، كما إيجاد كافة الظواهر التي تخدمها، وفي حالة انعدام بروزها، تقوم الصهيونية بالإيعاز لعملائها بخلق ظواهر جديدة، تماما كما كشف برنارد لازار في كتابه «انتصار اليهودية على الجرمانية» أن أصل مفهوم «العداء للسامية» هو اختراع صهيوني، وهذا يتفق تماما مع تفسير هرتزل لمفهوم «بيع الصهيونية». حقيقة الأمر أن دولة إسرائيل تقيس السياسات التي تنتهجها في الصراع العربي ـ الصهيوني بمفهوم المقايضة، ولو كانت على حساب آلاف الضحايا. من هنا لا بدّ من إبراز هذا المفهوم التجاري الذي اعتبره هرتزل واحدا من أهم مبادئ الحركة. وبدلاً أيضاً من أن يهاجم هرتزل «اللاسامية» ويشجبها أعلن أن «اللاساميين» سيكونون أكثر الأصدقاء الموثوقين، وستكون الدول اللاسامية حليفة لنا.
يؤكد ما قلناه، قادة الحركة الصهيونية أنفسهم، فقد تكرر هذا التصور في أقوال العديد من الزعماء الصهاينة في المراحل التالية. ففي سنة 1925، قال جاكوب كلاتزكين، إنه «بدلاً من إقامة جمعيات المعادين للسامية، يجدر بنا أن نقيم جمعيات لمناهضة أصدقائنا الراغبين في الدفاع عن حقوقنا»، وتجلى ذلك أيضا على يد العديد من الصهاينة الآخرين، أمثال لودفيغ فون غومبلونيز، الذي تحدث في كتابه «العنصرية والدولة» عن وجود فوارق عرقية طبيعية في المجتمعات البشرية.
كما أن الدعوى اليهودية إلى فكرة التفوق العنصري لاقت استحساناً مقبولاً لدى الفيلسوف الألماني نيتشة، الذي قيّم اليهود تقييماً عالمياً في أبحاثه عن الإنسان الخارق. وقبل القرن الثامن عشر لم تذكر المصادر التاريخية العالمية كلمة السامية، فاللغات اليونانية واللاتينية والفارسية والهندية والصينية، لا تذكر كلمة سام وحام أو يافث في جميع فروع آدابها. غير أن الذي حدث أن اليهود أرادوا الاستئثار بهذه الاسم فتسموا بـ»الساميين» وعدّوا العرب والمسلمين وكل من يخالف مبادئ الحركة، أعداء للسامية، أي أن الكلمة أخذت معنى جديداً عند اليهود هو غير المعنى الذي أشار إليه اللاهوتي النمساوي شلوتزر، عندما أطلق كلمة ساميين على عرب الجزيرة العربية وبلاد الرافدين.
أصبح تحطيم الدول العربية وإشعال الصراعات البينية بينها، هدف إسرائيلي، بعيد استقلال هذه الدول، وبعد إنشاء الكيان الصهيوني عام 1896 تراسل هرتزل مع السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، قبل مقابلته شخصيا (من خلال فيليب مايكل دي نيولنسكي، وهو صحافي وعميل سياسي نمساوي من أصل بولوني. عمل مسؤولا عن الإدارة السياسية في السفارة النمساوية في إسطنبول وأصبح صديقا للسلطان عبد الحميد). يقايضه فيها بإعطاء اليهود دولة فلسطين مقابل تسليمه 20 مليون جنيه، على أقساط يدفعها اليهود المهاجرون إلى فلسطين لجلالته. وفقا لنمو هجرة اليهود إلى فلسطين وتحصيل الضريبة منهم، ضمن اتفاق ينص على: «أن يصدر جلالته دعوة كريمة إلى اليهود للعودة إلى أرض آبائهم، وسيكون لهذه الدعوة قوة القانون وستبلغ الدول بها مسبقا».
بالطبع هرتزل كان يدرك أن المهاجرين اليهود سيحلون محل الفلسطينيين الذين سيطردون من وطنهم بالقوة والعنف (وفقا لأحد قرارات المؤتمر الصهيوني الأول 1897 ومن قبله مؤتمر كامبل بنرمان للدول الاستعمارية الأوروبية 1905 -1907) إلى المناطق المجاورة، في ظل عدم وجود تشكيل للدول العربية آنذاك، بسبب الاستعمار الأوروبي لها، ما يعني أن «صفقة القرن» الترامبية تعود في جذورها إلى هرتزل. بالطبع، لأن معظم أجزاء الوطن العربي كانت مستعمرة، اكتفى هرتزل بتحطيم فلسطين فقط، ولم يصرح بأهمية تحطيم الدول العربية علانية! لكن في كتابه «دولة اليهود» تطرق بطريقة غير مباشرة لهذا الهدف. وكما هو معروف، رفض السلطان العثماني عرض الزعيم الصهيوني.
تحطيم الدول العربية وتفتيتها، وإشعال الصراعات البينية فيها وبينها، أصبح هدفا إسرائيليا، بعيد استقلال هذه الدول، وبعد إنشاء دولة الكيان الصهيوني. هذه الاستراتيجية هي نمط إدراكي متكرر تضمنته الأيديولوجية والممارسات الصهيونية على مدى سبعين عاما. كان آباء الصهاينة المؤسسون قد طرحوه بشكل عام بدون تفصيلات، ثم جاء أحفادهم في دولة الكيان فأحيوه من جديد. لقد كتب الصهيونيون عن هذا الهدف منذ ما قبل قرن زمني. ومن بين أشهر المقالات الحديثة نسبيا في هذا الصدد، مقالة للصهيوني المتطرف أوديد ينون بعنوان: «استراتيجية من أجل إسرائيل في الثمانينيات» نشرها في فبراير 1982 في صحيفة «كيفونيم»، ولخطورة محتواها، تنبهت لها رابطة الخريجين العرب الأمريكيين، وكلفت الناشط الحقوقي اليهودي المعروف إسرائيل شاحاك بترجمتها إلى الإنكليزية وكتابة مقدمة وخاتمة لها، ونشرت تحت عنوان «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط»، وفيها يكشف شاحك باختصار تفاصيل الخطة الصهيونية لتدمير الدول العربية. جاءت في ما بعد مؤتمرات هرتسيليا منذ عام 2000 وهي تعقد سنويا حتى اللحظة، وفي قرارتها العلنية، هناك دعوات لتحالف عربي إسرائيلي، أما قراراتها السريّة فتبقى ملكا للحكومة الإسرائيلية وقيادة أركان الجيش. تتلخص استراتيجية إسرائيل (وفقا لشاحاك) في العمل على اختراق كافة الدول العربية ومحاولة تدميرها من داخلها، وهذا ما يجري في دولنا حاليا، وهذا ما مارسته الدولة الصهيونية ضد الدول العربية حتى مع تلك، التي عقدت ما يسمى بـ»اتفاقيات سلام» معها.
على صعيدٍ آخر، وبالذات حول ما يفترضه العدو الصهيوني وحلفاؤه بالنظام الرسمي العربي من ردود حازمة تجاه الاعتداءات على شعبنا وأمتنا، نسوق بعض الأمثلة: لقد سبق أن قالت غولدا مائير بعد حرق المسجد الأقصى: «لم أنم طوال الليل، كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجا من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي، علمت أن باستطاعتنا ان نفعل أي شيء نريده». أيضا، فإن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، الذي كان يتحدث إلى جريدة «الغد» الأردنية في مكتبه بوزارة الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي، ردا على سؤال حول نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة بقوله: «إن أمريكا توقعت حدوث انفجار للوضع في المنطقة، واندلاع سلسلة من الانتفاضات في العالم العربي، لكن خطوتنا قوبلت بالتثاؤب». من زاويته فإن وزير الحرب الصهيوني موشيه ديان، وبعد استيلاء كيانه على الأراضي العربية في نكسة عام 1967، صرّح بكل الصلف والعنجهية والغرور: «نحن في انتظار اتصال الزعماء العرب بنا، لمحاولة إيجاد حل لمشكلة الشرق الأوسط، فأنا أرى أن وضعنا الحالي جيد ومريح، ولا أرى سبباً لأن نتصل نحن بهم، نحن سعداء بما حققناه، وإذا كانوا هم أيضاً سعداء فلا توجد مشكلة، ولكنهم ليسوا سعداء بالمرة، إذن فليتصلوا بنا». بالطبع جاء السادات بعد حرب أكتوبر عام 1973، التي أرادها حربا تحريكية لا تحريرية، وضيّع نصراً كان ممكن التحقيق، وبادر إلى القيام بزيارة الكيان الصهيوني وألقى خطابه المشهور في الكنيست.
بالفعل، فإن دولا كثيرة تفترض في الدول العربية الانتفاض والرّد الحاسم على خطوات عدوانية تطالها وأمنها القومي العربي ومقدساتها، كالمسجد الأقصى مثلا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، الذي تدنّسه قطعان المستوطنين يوميا، وتنوي دولة الكيان الصهيوني السماح لليهود بالصلاة فيه، واقتسامه على شاكلة الحرم الإبراهيمي في الخليل، وعلى ذلك قس، ولكن العرب للأسف كنظام رسمي (وليس كشعوب ما بيدها حيلة)، يجلسون على مقاعد المتفرجين، في السياسة والاقتصاد والتقدم العلمي، وفي التأثير على الأحداث كما السياسة الدولية.
العرب يتلقون الصفعات على الخد الأيمن، فيديرون للضارب خدّهم الأيسر. يأخذ قادة النظام الرسمي العربي في مؤتمرات القمة، وفي اجتماعات الجامعة العربية وغيرها، قرارات وطنية جميلة تستجيب لمطالب الأمة وينفذون عكسها، كما حصل مؤخرا حول العدوان التركي على سوريا، الذي اعتبر عدوانا على الأمن القومي العربي برمته، فما هو الرّد الفعلي؟ يستطيع القارئ تحديده! الراهن العربي مرتبِك وممزق ومرشح لمزيد من الانقسام الأفقي والعامودي، وخصوصاً بعد سنوات من التيه السياسي والتراشق الإعلامي المحمول على كيد سياسي وتصفية حسابات وثارات شخصية، خاصة بين أنظمَة تريد الطمس على حقائق التاريخ والجغرافيا والوطنية القومية.
كاتب فلسطيني

