Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الغاز وديمومة إسرائيل

Leviathan-partners-sign-1.3B-deal.png

بيار عقيقي

الفارق كبير بين التمنيات وما يحصل على أرض الواقع. لم تكن الشعارات يوماً أسلحة فاعلة في وقت الفعل. حتى أن وزير الدعاية النازي، جوزف غوبلز، سقط بمجرّد تبدّل حيثيات الأمر الواقع وسقوط ألمانيا في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945). كل الصراخ، أي صراخ مهما كان محقاً، لا يكون مقروناً بعمل تنفيذي، لن يجد له صدى.

ارتفع الصوت، أخيرا، ضد "صفقة القرن" التي ستكشف عنها الإدارة الأميركية، في موعدٍ أقصاه مطلع العام المقبل، سيعرض فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رؤيته للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وسيطرح حلاً متكاملاً يقوم على ضرب أبسط أسس العدالة للفلسطينيين، سامحاً للاحتلال بتثبيت اعتداءاته "شرعياً". لم يُواجَه هذا الأمر بأمرٍ مماثلٍ عربياً، بل اقتصر الوضع على بعض العبارات الإنشائية، والمتوعّدة بطبيعة الحال كلامياً. لم يعبأ الإسرائيليون بذلك، فقد قصفوا في الداخل السوري، ليل الخميس ـ الجمعة، من دون تحرّك منظومة "إس 300" الروسية لضربها. الروس يؤمنون أيضاً بـ"أمن اسرائيل" فوق كل اعتبار. الأميركيون أعلنوها صراحة على لسان ترامب "وجودنا في الشرق الأوسط هو لحماية إسرائيل".

دخل الأوروبيون طرفاً في معادلة "الحفاظ على أمن إسرائيل ووجودها"، إثر نجاح مناقشاتٍ بشأن اتفاق مد خط أنابيب غاز من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أوروبا. مناقشات شارك فيها رؤساء تنفيذيون في وزارات الطاقة الإسرائيلية واليونانية والإيطالية والقبرصية. للأوروبيين حساباتهم بالخروج من العباءة الروسية، التي تهدّدهم بالغاز في كل اشتباكٍ سياسيٍّ أو عسكري، وآخرها حادثة مضيق كيرتش مع الأوكرانيين في بحر آزوف. كما تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن "التوقيع على الاتفاقية الخاصة بالمشروع سيتمّ الشهر المقبل" في القدس المحتلة، لافتة إلى أن "الاتفاقية تشمل الجوانب الفنية والأمنية أيضاً".

وذكرت وسائل الإعلام أن "الجدوى الاقتصادية من خط الأنابيب بين أوروبا وإسرائيل سوف يتم تحديدها في دراسة اقتصادية شاملة في عام 2019، من أجل فحص ما إذا كان هناك عملاء للغاز، وبأي سعر يمكن تصديره". وأفادت بأن "المسح ستبلغ تكلفته 70 مليون يورو (79.75 مليون دولار) سيأتي نصفها من الاتحاد الأوروبي، والنصف الآخر من شركة آي. جي. آي، وهي إيطالية - يونانية ستجري المسح، وربما المشروع نفسه". وكشفت وسائل الإعلام أنه "سيتم بناء الخط المخطط له بطول 2100 كيلومتر بكلفة 25 مليار شيكل (6.8 مليارات دولار)، ووفقاً لوزارة البنية التحتية الإسرائيلية، من المتوقع أن يكتمل الخط بحلول عام 2025، كما ذكرت مصادر أخرى أن التكلفة ستكون ما بين 7 و10 مليارات دولار".

ماذا نستنتج من ذلك كله؟ أن "إسرائيل باقية أقله حتى عام 2025 ولن تزول"، ثم إن "الجوانب الفنية والأمنية"، تعني تأمين حماية أوروبية للإسرائيليين، بعد الحمايتين، الأميركية والروسية. وعليه، فإن "رمي اسرائيل" في البحر بعد تأمين خطوط الغاز، أصبح بحكم الأمر الواقع، أمراً بعيداً وغير ممكن. بالإضافة إلى ذلك، فإن ربط خطوط الغاز بين شرق المتوسط وقبرص واليونان وإيطاليا يعني أمراً من اثنين بالنسبة للبنان، المفترض أن يبدأ رسمياً التنقيب عن الغاز في بحره، العام المقبل. أولاً، إما عليه الانضمام لهذا الخط، مع ما يعنيه من تفاهماتٍ تحت رعاية الأمم المتحدة، بعنوان "إحياء اتفاقية الهدنة" الموقعة مع الإسرائيليين عام 1949. ثانياً، محاولة تأمين أسواق للغاز عبر أنابيب وخطوط بديلة، على افتراض رفضه المشاركة في هذا الأنبوب.

إذا وضعنا المساعي التركية الرافضة خط غازٍ لا يؤمن حصتها، خصوصاً في الشمال القبرصي، جانباً، فإن المشروع سيكون باكورة نشوء خط جديد للغاز من الشرق إلى الغرب، من دون أن يكون لأحدٍ القدرة على منعه. حقيقة أن الإجابة على سؤال "كيف يمكن مواجهة هذا الأمر؟"، تذكّر بالنكبة والنكسة وما بعدهما.