إبراهيم شعبان بعد عقود سبعة ونيف من تأسيس منظمة الأمم المتحدة، ترأس "إسرائيل" لأول مرة لجنة من لجانها الأساسية الستة، وهي اللجنة القانونية من لجان الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تعرف بأنها اللجنة السادسة. يا للعار..!
في غفلة من العدالة والضمير العالمي، تم ترشيح "إسرائيل" لرئاسة اللجنة السادسة من قبل مجموعة غربية من الدول. وجرى تصويت سري على رئاستها يوم الإثنين الفائت حيث حصلت على النسبة المطلوبة وهي الثلثين (109 دولة من 175) في عتمة الليل. وغدا داني دنون مساعد وزير الحرب الإسرائيلي السابق وأثناء الهجوم الأخير على غزة، رئيساً لأهم لجنة قانونية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. يا لسخرية الأقدار، شخص مكانه أن يمثل أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي متهما بارتكاب جرائم حرب، إذ به يرأس لجنة قانونية دائمة للأمم المتحدة ليطهر نفسه من آثام الجريمة الدولية.
السخرية في أن يرأس داني دانون المغربي والليكودي والوزير السابق المتطرف أكثر من نتنياهو، اللجنة السادسة المكلفة بالإجابة على أسئلة قانونية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتطوير القضايا القانونية المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين ومنها الإرهاب الدولي. ويعالج قضايا تطبيق اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها التي لم تنضم إليه "إسرائيل" بعد، ويعالج سيادة القانون في دول كثيرة في العالم.
شخص ينادي بضم الضفة الغربية الخالية من السكان أو قليلها للسيادة الإسرائيلية، كما صرّح لصحيفة نيويورك سابقاً، يرأس لجنة من لجان الأمم المتحدة التي ما قامت إلا لتطبيق القانون الدولي ونشر الأمن والسلم الدوليين. شخص لا يخجل من الضم الباطل المحظور دولياً، شخص يحبذ طرد السكان المدنيين إلى المجهول، شخص يهدد بتسوية غزة على ساكنيها في الحرب الأخيرة إذا أسروا جندياً إسرائيلياً. شخص بهذه المواصفات المتوحشة يرأس اللجنة القانونية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كان هذا الترشيح خطيئة أوروبية صريحة حينما قامت مجموعة غرب أوروبية وآخرين بترشيح "إسرائيل" لتولي هذا المنصب الهام وهو رئاسة اللجنة القانونية، ظانين أو متوهمين أو متخيلين أن "إسرائيل" يمكن أن تنصاع للمنظمة الأمممية أو القانون الدولي إن رأست لجنة مهمة فتشعر بالإحراج الدولي وتقيم له احتراماً. فها هو داني دانون يقول بكل بجاحة ووقاحة أن "إسرائيل" قائدة في القانون الدولي. ويبدو أنه سها عليه القول أنها قائدة في خروقات القانون الدولي الجسيمة، كما تقول تقارير الأمم المتحدة، وفقهاء القانون الدولي المعتمدين.
العار الأكبر أن بعض الدول العربية وتقدر بأربعة دول قد صوتت لصالح "إسرائيل". والعار الأصغر حينما لم تستطع الدول العربية والإسلامية أن توقف هذا الترشيح الحربي الإحتلالي الوحشي. صحيح أن هذه الدول طلبت تصويتاً عاماً من جميع أعضاء الأمم المتحدة لمحاولة التصدي للترشيح، لكن الأمر بدا متأخراً بل يائساً. ويبدو أن "إسرائيل" والمجموعة الغربية كانوا قد أعدوا العدة وربحوا الرهان. وحصلوا على موافقة 109 دول بينما الجانب العربي والمسلم ودول عدم الإنحياز لم يحشدوا أكثر من موافقة 46 دولة وامتنعت 23 دولة عن التصويت. والأغرب أن أربعة عشر تصويتا لأربعة عشر دولة كان غير قانونيأ.
يجب أن نعلم أن هذا الأمر ليس نهاية العالم، فالأمر قد تم، ويجب التصدي له بكل الطرق والوسائل. صحيح أن أمر رئاسة اللجنة القانونية، أمر إجرائي شكلي، وبخاصة أن اللجنة مؤلفة من جميع أعضاء الأمم المتحدة الـ193. أي أن رئيس اللجنة لا يستطيع أن يقرر بمفرده قرارات اللجنة القانونية السادسة، ولكن هذا التسطيح لا ينفي أهمية رئاسة اللجنة وبخاصة في القضايا الشكلية ومنها جدول الأعمال.
وعليه يجب على الدول المهتمة بالقضية الفلسطينية والسلم العالمي والعدالة، أن لا تفوت اجتماعات اللجنة السادسة القانونية. فقد يقرر النقاش فيها ويؤثر على التوجه بشكل أو بآخر على توجهات أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة وبخاصة أن العقلية الإسرائيلية تتسم بالدهاء الشديد. فمثلاً ماذا لو طلب الفلسطينيون غير الممثلين في هذه اللجنة، وإن كان لهم الحق بحضور جلساتها، فتوى جديدة من محكمة العدل الدولية في لاهاي حول حقوق المدنية والسياسية للمدنيين الفلسطينيين في القدس المحتلة. هل سيضع رئيس اللجنة داني دانون مثل هذا السؤال على جدول أعمال اللجنة السادسة؟ هل سيعيقه ويعيق نقاشه؟ وكيف سيناقش الأمر وبأية طريقة؟ هذا مثال بسيط فاللجنة ستطرح في رأيي أسئلة صعبة مثل كيفية إلزام "إسرائيل" بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، وتطبيق وميثاق الحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 وميثاق الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وبخاصة أن "إسرائيل" صادقت على الميثاقين من ربع قرن.
لا بد لنا ان نذكر أن كثيراً من الفقهاء اليهود والإسرائيليين ينشرون مقالاتهم العلمية في الدوريات العالمية الأجنبية، ولا يكتفون بنشرها في الدوريات المحلية الإسرائيلية. بالمقابل، قليل بل قليل جداً فقهائنا ينشرون مقالاتهم العلمية في دوريات علمية أجنبية، هذا إن كتبوا. وإن كتبوا فهم لا يكتبون بغير العربية، واليوم العالم من أنصار اللغة الإنجليزية. فضلاً أن التواجد الإسرائيلي في المؤتمرات العلمية تواجد ملحوظ بل ملموس. بل وصلوا إلى درجة التنسيق مع رجال الصليب الأحمر في قضايا القتال داخل المدن، واستضافوا من الصليب الأحمر للحديث عن هذا الموضوع وغيره المتصلة بالإحتلال، وقبل الصليب الأحمر مثل هذه المشاركات، بينما لم يسع إليها مع الجانب الفلسطيني، وهنا تكمن الخطورة.
رئاسة اللجنة السادسة القانونية في الأمم المتحدة من قبل إسرائيلي يميني محتل، درس قاس للسلميين والقانونيين ومحبي العدالة كافة، خيبة أمل كبيرة من الحكومات الغربية ومنظمات المجتمع المدني، عار لأعرابنا ودولنا. لكن رئاسته للجنة السادسة، يجب أن تقلب على رأسه ويتركها غير مأسوف عليه فهذا واجب جميع الدول التواقة للحرية والعدالة والسلم والأمن وليس واجب دولة واحدة، فلا جدوى من البكاء على اللبن المهراق..!
المحامي إبراهيم شعبان/
محاضر بالقانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني

