الدكتور مصطفى البرغوثي من حيث المضمون فأن "النكبة" التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني عام 1948 ما زالت مستمرة. فمضمونها يتكون من ثلاثة عناصر.
أولاً- فصل السكان الفلسطينيين عن أرضهم.
ثانياً- الاستيلاء على الأرض وتهويدها بالاستيطان.
ثالثاً- بتنفيذ التطهير العرقي، إما بالمجازر كما جرى عام 1948 أو بإنشاء ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية تجبر الناس على الرحيل.
عندما صدر قرار التقسيم عام 1947 وأعطى للإسرائيلين 54% من الأرض وللفلسطينيين 45%، اعتبره الفلسطينيون جائراً وكانوا محقين في ذلك، لأنهم كانوا يملكون عند صدور القرار 93% من الأرض.
غير أن الجانب الإسرائيلي نفسه لم يقبل مشروع التقسيم بل عمد بالقوة العسكرية إلى احتلال 78% من الأرض.
ولعلّ أكثر الإكاذيب انتشاراً أن "إسرائيل" قبلت مشروع التقسيم. ونحن نتحدى، مثلما فعل مؤرخون كثيرون، الجانب الإسرائيلي أن يبرز وثيقة واحدة صادرة عن بن غوريون أو أي مسؤول إسرائيلي تشير إلى قبول ذلك القرار، ولن يستطيعوا، لأنهم لم يقبلوا المشروع أصلاً.
وما زالت "إسرائيل" "الدولة" الوحيدة في العالم التي ترفض رسم حدودها.
وعندما قامت "إسرائيل" عام 1948، كان الفلسطينيون يملكون 82% من الأرض التي أقيمت عليها. وبعد تهجير الفلسطينيين وعمليات النهب والسلب التي قامت بها "إسرائيل"، فإنهم لا يملكون رسمياً إلا 2.5 %.
وما تقوم به "إسرائيل" اليوم هو محاولة تكرار نفس عمليات النكبة الثلاث وإن كان بوتيرة مختلفة في القدس والضفة الغربية.
وسلاحها الرئيسي الاستيطان. ولم تردعها لا المفاوضات ولا "اتفاقيات السلام" ولا التلويح بالمبادرة العربية ولا حتى الاعتراف بها في اتفاق أوسلو.
واللافت للنظر أن الاستيطان كان يزداد شراسة واتساعاً كلما وقع العرب مع "إسرائيل" "اتفاقيات للسلام".
فما بين عام 1967 و1979 عند توقيع اتفاق كامب ديفيد بين "إسرائيل" ومصر لم يزد عدد المستوطنين عن عشرين ألفاً. وبعد "اتفاق السلام" مع مصر قفز ليصل 111 ألفاً. وبعد أن وقعت منظمة التحرير "اتفاق أوسلو" قفز العدد ليصل إلى 650 ألفاً.
وطوال 23 عاماً من المفاوضات العقيمة، استمر الاستيطان وكسب الوقت والضم والتهويد، وبذلك فإن "إسرائيل" أرسلت للفلسطينيين والعرب رسالة واحدة: أنها لا تفهم إلا لغة القوة.
اليوم تحاول "إسرائيل" تكرار النكبة في الضفة الغربية وتستخدم منظمومة معقدة من الاستيطان، والحواجز وهدم البيوت والمنشأت، والجدار والقوانين الجائرة والأوامر العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية.
وإن كانت تستطيع فرض المستوطنين بالقوة العسكرية، فإنها فشلت في تهجير الشعب الفلسطيني وتكرار مأساة 1948.
وتواجه الحركة الصهيونية أزمتها التاريخية، بوجود 6 ملايين فلسطيني على أرض فلسطين التاريخية مقابل 6 ملايين يهودي وكلما أمعنت في الضم والتهويد والاستيطان كلما قربت نفسها من "حلّ الدولة الواحد"ة دون أن تنجح في تحقيق "حلمها" بالتطهير العرقي الشامل والكامل.
الفلسطينيون لم يخنعوا ولم يخضعوا. قاوموا وصنعوا ثورتهم المعاصرة. وصمدوا وصنعوا ثلاث انتفاضات. واجترحوا يوم الأرض الذي صار رمزاً لوحدة كل مكونات الشعب الفلسطيني.
واللاجئون لم ينسوا ولن ينسوا. وإذ أجبروا على الرحيل عام 1948، فإنهم احتفظوا في قلوبهم وذاكرتهم بفلسطين وصانوا حق العودة كما تصان حدقات العيون.
وجعلوا "إسرائيل" تواجه معضلة أخلاقية بالعجز عن تفسير لماذا يسمح منطقياً لمن لم يعيشوا على هذه الأرض منذ آلاف السنين بالقدوم أليها والتمتع بـ"مواطنتها" وخيراتها، أما من عاشوا هم وأجدادهم وأجداد أجدادهم عليها قبل أقل من سبعين عاماً فإنهم محرمون من حق العودة.
النكبة لن تكتمل إلا بثلاث عناصر.
الاستيلاء بالقوة على الأرض، وترحيل أصحابها، وكسر مقاومتهم.
ولكن الفلسطينيون باقون، رغم رحيل قسم منهم. وكل من رحل يبدع في ابتكار وسائل العودة. أما المقاومة فحية ولم تكسر. وأما جيل الشباب فيثبت أنه الأكثر وطنية وتمسكاً بحقوق شعبه الوطنية والاجتماعية.
ولعل التاريخ سيسجل أن نكبة عام 1948 كانت على بشاعتها وشراستها، النكبة التي لم تكسر ولم تهزم الشعب الفلسطيني.
الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية

