Menu
فلسطين - غزة °19 °11
تردد القناة 10873 v
اعلان اعلى الأخبار الرئيسية

النعال الحديدية..!.. عيسى قراقع

النعال الحديدية..!.. عيسى قراقع

في عام 1906، تنبأ الكاتب التقدمي (جاك لندن) في روايته (العقب الحديدية) بظهور الفاشية والعنصرية والإمبريالية وخوضها صراعاً مريراً لقمع الحريات ومطالب الشعوب في حق تقرير مصيرها، واستخدامها لكل أشكال القمع لتكريس مصالحها الاستعمارية.

 

لم يكن ذلك خيال روائي، بل تنبؤات تحققت في القرن الواحد والعشرين، وفي عصر الديموقراطيات وحقوق الإنسان، هنا في ظل الاحتلال الإسرائيلي، حيث تستخدم العقب الحديدية المثبتة في نعال وبساطير جنود الاحتلال في ضرب وتعذيب المعتقلين الفلسطينيين وخاصة القاصرين.

الأطفال الأسرى يتحدثون عن جروح وكدمات وإصابات تعرضوا لها خلال اعتقالهم واستجوابهم بسبب الضرب المبرح بالنعال الحديدية من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي، ولا يكتفى بذلك، بل الضرب بأعقاب البنادق وبالعصي وبالأسلاك الكهربائية وبالقيود وغيرها.

لكل طفل يعتقل حفلة متنوعة من الضرب والقمع، سواء خلال تحقيق ميداني سريع، أو داخل الجيب العسكري، أو في مركز تحقيق أو شرطة أو داخل مستوطنة قريبة، والأسلوب واحد وهو الضرب بالنعال الحديدية، الدعس على رؤوسهم، تعريتهم، شتمهم، البصق على وجوههم، إطلاق الكلاب البوليسية عليهم، استخدامهم دروعاً بشرية، وفي ختام الحفلة ضحك واستهزاء وتصوير واستمتاع.

شهادات مفزعة أدلى بها الأطفال الأسرى الذين اغلبهم اعتقلوا من بيوتهم بعد منتصف الليل، قيدوا وهم شبه نائمين، مصدومين مشدوهين، المسدسات فوق رؤوسهم، قوات مدججة تقتحم غرف نومهم، استباحة للنعاس البريء وللبيت وللحلم.

الأطفال الذين لا يبلغوا عن سبب اعتقالهم، ولا المكان الذين يحتجزون فيه، لا يسمح لهم الاتصال بمحامي أو اصطحاب أحد والديهم، يجدون أنفسهم تحت وابل من الاعتداءات والتنكيل، قبل أن يستيقظوا جيداً، وقبل أن يعترفوا قسراً أو لا يعترفوا، وقبل ان توجه لهم اية تهمة.

ممنوع أن يصل الطفل الأسير إلى المحكمة أو يسجل اسمه لدى الصليب الأحمر الدولي، قبل أن يأخذ نصيبه من الضرب بالنعال الحديدية، أو أن تمرر الصعقات الكهربائية في جسده ويقع على الأرض، وقبل أن يشبح ساعات طويلة معصوب العينين في تلك العتمة الباردة.

منذ اندلاع الهبة الشعبية مع بداية شهر تشرين الثاني من عام 2015، رفعت حكومة "إسرائيل" الحصانة عن أطفال فلسطين، وصاروا هدفاً للإعدام أو القنص او الاعتقال، وبقرار سياسي يستبيح دم وحقوق راشقي الحجارة من الأولاد القاصرين، وبغطاء قانوني لم يسبق له مثيل يجيز اعتقال أطفال في عمر 14 سنة، والحكم بالسجن الفعلي عليهم.

الضرب بالنعال الحديدية هي بداية المشوار مع كل طفل أسير، وعندما يصل إلى أيدي المحققين في غرفة (4) بالمسكوبية، يكون قد وصل إلى الجحيم، هناك يقيد على كرسي محني الظهر، يبصق المحقق في وجهه، تنهال عليه الشتائم البذيئة، تشد القيود على يديه الناعمتين، وهناك يصفع على وجهه عدة مرات، وتمرر الكهرباء في جسمه، او تطفأ السجائر في يديه، وهناك تنتزع الاعترافات منه بالتهديد والضغط النفسي، وهناك دم وخوف وفزع ووجع وصراخ، والبحث في الصدى عن ملاذ او خلاص.

الضرب بالنعال الحديدية يعرفه قضاة محاكم الاحتلال، يشاهدون آثار الضرب على اجسام الصغار، وجوههم صفراء شاحبة مرعوبة، مرهقين، عيونهم مليئة بالفزع والخوف والأسئلة، جاؤوا من الزنازين الانفرادية أو من جولات التحقيق الطويلة، لم يناموا، لم يأكلوا، يفتشون في قاعة المحكمة عن الام او الاب، عن كأس ماء او هواء او حبة دواء.

ضربوه بنعالهم الحديدية حتى امتلأ وجهه وجسمه بالدم، وقع الأسير القاصر أحمد العكل على الأرض، انهال 6 جنود عليه بالضرب بنعالهم الحديدية وبأرجلهم وباعقاب بنادقهم وبشكل وحشي، دعسوا على ظهره بأخذيتهم ذات النعل الحديدي، ضربوه بأسلحتهم على وجهه ورأسه، نزفت الدماء من أنفه وفمه، لم يستطع الوقوف، جروه على الارض، واستمروا بضربه دون رحمة، شتموه، وكانوا يضحكون ويبصقون عليه.

هجم 7 جنود على الطفل القاصر براء قاسم، انهالوا عليه بالضرب المبرح حتى اوقعوه على الارض، ضربوه بأيديهم وأرجلهم وبنعالهم الحديدية، واحد الجنود قام بضربه بشكل هستيري عشرات الضربات القوية من بندقيته، وقع مغشياً عليه، استيقظ في مستشفى هداسا عين كارم، أضلاعه مكسورة، انتفاخات في كل جسمه، آثار نعال على وجهه، ثلاث حراس يقفون فوق رأسه، مقيداً بالسرير، كان قريباً من الموت، ولكن الموت اعتذر.

النعال الحديدية هي ثقافة الطغاة، الخارجون عن القانون، فوق القانون الدولي والإنساني، ينتزعون من الآخرين آدميتهم، يفتشون عن كل وسيلة للقتل والتعذيب، يفصّلون "القوانين" على مقاسهم كما ترغب وزيرة "القضاء" الإسرائيلي ايلات شاكيد التي تريد اعتقال وسجن أطفال في عمر الـ12 سنة، وتتمنى أن تعتقلهم منذ ولادتهم أو أجنة في أرحام أمهاتهم.

النعال الحديدية هي نظام ومنهجية احتلالية، موجهة نحو تدمير مستقبل أطفالنا، قصف أحلامهم وأمانيهم، ولا مكان لاتفاقية حقوق الطفل العالمية في "دولة إسرائيل"، لا مكان للملعب والمدرسة والحق في الحياة، فكل أطفال فلسطين قنابل موقوتة، وكلهم تخطوا أعمارهم وسياج المعسكر والمستوطنة.

النعال الحديدية، هي ما حذرت منه الدكتورة فردوس عبد ربه في دراستها حول الاثار النفسية والاجتماعية الناتجة عن تعرّض الأطفال الأسرى للتعذيب والمعاملة القاسية، بما تتركه من مخاطر نفسية وصحية وصدمات عصبية على الأطفال، من تهديد للهوية وللنمو الاجتماعي، الشعور بالاغتراب والوحدة والعزلة والبعد عن الذات، القلق والخوف والترقب والشعور بفقدان السيطرة أو التنبؤ بالمستقبل ونقص الشعور بالأمان، الاضطرابات، وغيرها من بصمات النعال الحديدية على مستقبل الأجيال الفتية والمجتمع الفلسطيني.

النعال الحديدية كما تصفه الدكتورة فردوس هي استراتيجية الكوارث لدولة الاحتلال، والتي تستهدف إدخال الأطفال في حالة من الضياع والصدمة العميقين، وإعادة صياغة البشر وفق "رؤيا إسرائيلية".

 

اعترف المحقق الإسرائيلي قائلاً:

عندما أرى رفرفة أجنحة طفل فلسطيني

أستغيث بطائرة حربية في السماء.

لا أتذكر أني كنت طفلاً في أحد الأيام

ولدت في الحرب، كبرت في المعسكر

لا أم ولا حب ولا سلام

 

* وزير شؤون الأسرى والمحررين- رام الله.