ينصح خبراء علم الاجتماع كل أم بضرورة التقرب من البنت في سن المراهقة، لتقترب إلى علاقة الصداقة، حيث تشارك الأم ابنتها في العديد من الأمور، لذا على كل أم أن تبذل مجهوداً مضاعفاً للحصول على ثقة ابنتها الغالية.
ويشرح علماء الاجتماع أن الفتاة تمر بعدة مراحل تؤثر على شكل علاقتها بوالدتها؛ فعندما تكون صغيرة تمر بمرحلة التوحد مع الأم، فتقلدها باستمرار، فترتدي ملابسها واكسسواراتها، وتتحدث مثلها وكأنها ترغب في أن تكون نسخة مصغرة منها، أما في المرحلة التالية، والخاصة بفترة الدراسة، فتتوحد مع مدرّستها وتبدأ في تقليدها، وتكون لديها الرغبة في أن تصبح يوماً ما مدرّسة مثلها، وربما تتحدث معها في أمور لا تذكرها لوالدتها.
وفي سن البلوغ يأتي دور الأصدقاء، فنرى مجموعة من خمس أو ست فتيات يقمن بتكوين مجموعة "شلة"، وتكون لديهن القناعة بأنهن سيبقين دائماً صديقات طوال العمر، فتكون لديهن أحلام وأفكار مشتركة، وبالتالي يكون لآرائهن وزن يُعتدّ به أكثر من صوت الأسرة، كما تبدأ مرحلة المراهقة، بما فيها من رغبة في الخروج والاختلاط والتعرف إلى العالم من حولها، بينما تسود البيت حالة من القلق على البنت الصغيرة التي أصبحت فتاة مراهقة، وهنا يحدث الصدام.. فالبنت لديها رغبة في الانطلاق، والأم لديها رغبة في التحكم في حياتها، بدافع الخوف عليها، فإن استطاعا أن يتقابلا في نصف الطريق ستتحسن العلاقة ويقل الصدام، خصوصاً أن هذه السن يشوبها نوع من الحماس في الكلام، وحالة من البحث عن الذات، وبعض من العنف في التصرفات، ما يزيد من غضب الأم التي مازالت تراها طفلتها الصغيرة، وربما يؤدي ذلك في بداية جديدة لعلاقة البنت بأبيها، خصوصاً مع سن الـ15 و16 سنة، لأن تلك العلاقة يختفي بها التحدي الذي قد تتصف به علاقتها بوالدتها.
ويضيف علماء الاجتماع أنه في تلك المرحلة تتكون شخصية الفتاة، وقد تكون سماتها الشخصية غير مماثلة لوالدتها، وهنا يصعب الوصول إلى مرحلة الصداقة، فعادة أي إنسان يصادق من يتوافق معه من حيث السمات والاهتمامات والطباع، بينما لا يستريح كثيراً في مصاحبة من يختلف عنه، ونفس الشيء بين الأم وابنتها يظل دائماً وأبداً الحب بينهما، لكنهما لا تكونان صديقتين، فنجد الأم التي لها ابنتان أو ثلاث تشعر بأن إحداهن هي الأقرب إليها، رغم حبها لهن جميعاً، ويرجع ذلك إلى توافق الشخصيات، فتكون تلك الابنة صديقة لها تتحدث إليها كثيراً وتشاركها في كثير من الأنشطة، لذا ليس على الأم أن تحمّل ابنتها أو حتى نفسها عبء عدم وجود صداقة قوية بينها وبين ابنتها.
ويشير علماء الاجتماع إلى أن الصداقة مختلفة تماماً عن المشاعر، فلا تنشأ إلا من توافق في السمات والطباع بين الأشخاص، بالإضافة إلى أنه في المرحلة اللاحقة قد يبدأ الصدام في التراجع، وتحدث حالة من التفاهم، وهذا في حالة عمل الطرفين، خصوصاً الأم، على تقبّل فكرة الاختلاف بينهما، حتى وإن كان في أغلب الأمور.
وينصح علماء الاجتماع كل أم بأن تبدأ مع ابنتها منذ نعومة أظافرها بمشاركتها في أمور عدة، وبأن يكون هناك حوار دائم بينهما، قائم على المكاشفة والمصارحة، وتعمل على جذب ثقتها في فترة مبكرة، حتى إذا شبّت الابنة تجد أمها إلى جوارها صديقة حنونة ومتفهمة قبل أن تقوم بدور الموجّه، فإذا ما تعرضت الفتاة لأي تقلبات أو مواقف مختلفة تصارح أمها وتستعين بها، لثقتها فيها وليس لأي التزام آخر.. وعلى الأم كذلك أن تحدّث ابنتها بنفس عقلية الشابة الصغيرة، حتى تكتسب أرضية من الثقة لديها، وأن تتذكر أنها كانت يوماً ما فتاة مثلها ومرت بمواقف وتجارب مشابهة، وكم كانت تودّ أن تحصل على نفس الدعم النفسي الذي عليها أن تقدمه اليوم لابنتها.. وإذا تعرضت الفتاة الشابة إلى موقف سيئ أو أخطأت في تصرف أو فعل ما، فعلى الأم أن تتحلى بالصبر وتتصرف بحكمة خلال تلك المواقف، التي سوف تتكرر حتى تكتسب ابنتها الصغيرة خبرة التعامل في المواقف، ومع الأشخاص المختلفين، فتعمل الأم والصديقة خلال تلك المرحلة على التصحيح والمساعدة من دون فرض قرارها في آن واحد، من خلال الشعور بالأمان الذي يصل إلى الابنة عن طريق عمل الأم الدؤوبة على حفظ أسرارها، ومشاركتها في جميع أوقاتها المُرة منها قبل الحلوة، حتى تبني جسراً من الثقة يجعل الشابة تروي لأمها كل ما تتعرض له من مشاكل، بل ولا تتردد في أن تعترف بأخطائها، مادامت تثق بأن أمها لا تريد التحكم في حياتها بقدر ما ترغب في مد يد العون لتساعدها كي تأخذ بنفسها القرار الصحيح، ولا تعود إلى نفس الخطأ عن قناعة وليس عن رهبة.
وفي الختام، قد يبدو الحديث سهلاً، لكن التطبيق صعب، لذا على الأم أن تتحكم في ردود أفعالها، وأن تضع نصب عينيها أهمية الحفاظ على شكل العلاقة، خصوصاً على المدى الطويل، أما المواقف اليومية التي تمر سريعاً، فإن سوء التصرف فيها أو استخدام سلطة الأم خلالها، لاسيما في سن المراهقة والشباب تأتي بنتائج عكسية، كما أن التعامل مع صديقاتها أمر هام يجب أن تنتبه له، وتتعامل معه بحرص وحساسية، فتتعرف إلى صديقاتها، ويكون لها رأي متزن فيهن، وتعمل على أن تكون علاقتها هي شخصياً بهن طيبة، لكن من دون أن تقتحم خصوصيتهن، فذلك سيتسبب في إحراج ابنتها، ويُشعر صديقاتها بالملل، لكن العلاقة المتزنة يجب أن تكون مرنة ومعتدلة في آن واحد.

