Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية..!.. عيسى قراقع

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية..!.. عيسى قراقع

  إنه المسلخ القديم، المنزرع في ذاكرة مليون فلسطيني دخلوا سجون الاحتلال وأقبية التحقيق منذ عام 1967، سجن المسكوبية في القدس، خارطته الملتوية المجهولة اتضحت سنة وراء سنة قهراً وتعذيباً،

وكلما سقط أسير في التحقيق، أو تعذب أو صرخ أصبح واضحاً، ممراته، زنازينه المتراصة والمتباعدة، ساحة الشبح، أسماء المحققين المتعاقبين، صوت الحديد والقيود، قرع الأبواب في منتصف الليل، خربشات الأسرى على الحيطان المدببة، شعارات وقصائد وأسماء محفورة بالأسود أو الأبيض أو الأحمر.

المسكوبية مركز تحقيق سجّل في ظلماته تاريخ دموي، منذ الشهيد قاسم أبو عكر حتى عبد الصمد حريزات، وخرج منه الأسرى إما أبطالاً، او شهداء أو مصدومين مجروحين في أرواحهم، وعند كل أسير حكاية عن تلك الليالي القاسية في عالم المسكوبية والمحققين، وهم يتقنون اصطياد البشر بأساليب تعددت، من الشبح إلى التعليق من الأرجل إلى الضرب العنيف، إلى الهزّ، إلى العزل، إلى الحرمان من النوم والطعام وزيارة المحامي، إلى تعريض الأسير للبرد الشديد، إلى اعتقال الزوجة أو الأم، وإلى الضغط النفسي والتهديد، ولا رحمة، فكل أشكال الخداع تمارس في عالم المسكوبية.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية حقق مع الأسير أحمد نعمان ابو شرخ ابن الـ 15 عاماً، ضربه المحققون على وجهه ورأسه، صفعات قوية، لكمات على البطن والخاصرة، ولم ير المحققون أن الذي أمامهم طفل بريء، فقاموا بشده بقوة من يده بواسطة القيود، وانهالوا عليه بأقفال من الحديد، أصيب بالورم والجروح، صراخه لم يسمعه أحد في ذلك الصدى المرتجف، والمحققون يهددون إما أن تعترف وإلا سندخل العصا في...

الطفل أحمد أبو شرخ، لم يعد يسمع بعد أن صفعه أحد المحققين على أذنه، لا يستطيع الوقوف ولا العودة إلى المدرسة، خائف من كل شيء، بعد أن نادى على أمه وأبيه ولم يستجب له أحد.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية، حقق مع الأسير حمزة عسيلة ابن الـ 17 عاماً، تعرّض للضرب الشديد على رأسه، وقع على الأرض، وهناك وعلى مدار جولات تحقيق ليل نهار، سمع الشتائم القذرة، وتعرّض جسمه للضربات المبرحة، مقيداً، مشدوداً على كرسي محني الظهر، جوعان، رأسه يكاد ينفجر من الألم، سقط مغشياً عليه، ولم ير تلك الظلال السوداء التي أحاطت به.

عندما استيقظ حمزة، دخل عليه محققان إلى الزنزانة، انهالوا عليه ضرباً بالعصي، أصيب بجروح بالغة في ظهره وقدمه، ودخل في حالة هستيريا، هستيريا الضحية المعذبة التي تنتهك روحها وجسدها وأحلامها في عالم المسكوبية.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية، مكث الأسير محمود أبو اصبع 30 يوماً في التحقيق، انتقل من زنزانة إلى زنزانة، ومن شبح إلى آخر، ضرب حتى طفح جسده وجعاً وتخدر جسمه، هجم عليه أحد المحققين وأخذ يضربه بالقيود الحديدية، أصيب بنزيف حاد، نقلوه إلى مستشفى هداسا بالقدس، فاستغرب مدير المستشفى عن تصاعد الحالات القادمة من المسكوبية إلى المشفى، وأعلن حالة الطوارئ.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية، وفي غرفة رقم (4)، تم إدخال الطفل أحمد عدنان منى (16) عاماً، إلى الحمام، فقام أحد المحققين بوضع رأسه داخل المرحاض، ثم رفع قدميه ووضعها فوق رأس الأسير وضغط عليه ليدخل رأسه أكثر في المرحاض القذر ذو الرائحة المقززة، ثم قام هذا المحقق بتشغيل (السيفون) عدة مرات ورأس أحمد داخل المرحاض، امتلأ وجه أحمد بمياه المرحاض، ودخلت المياه القذرة إلى فمه وأنفه، شعر بالاختناق، لا هواء في المسكوبية، إما أن تعترف أو تموت.

الصغير أحمد منى، فقد الوعي في صمت المسكوبية وفي ذلك المرحاض، وأدرك أن "دولة إسرائيل" تكره الأطفال وترى في كل طفل فلسطيني خطراً يهدد حياتها القادمة، فهي لا تحتاج إلى ضوء في العتمة، ولا تحتاج إلى شرائع حقوق الإنسان، هي تريد التحشيد والتجنيد والحرب.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية، وصل الصليب الأحمر الدولي، رائحة وحوش في المكان، أوراق نصوص القانون الدولي يدعس عليها "جهاز الشاباك" كما يدعسون على رؤوس الأسرى، وشعر مندوبو الصليب الأحمر بالخطر، حالات التعذيب تتصاعد، حصانة مبادئ حقوق الإنسان تسقط في المسكوبية.

ولم يعد الأمر نقاشاً مهنياً أو أخطاء فردية، إنها سياسة منهجية لدولة قررت أن تفجّر كل فلسطيني وتحطم حياته ومستقبله، إنها المسكوبية، رائحة جرائم تنزع شارة الصليب الأحمر وتغلق الأبواب.

الساعة العاشرة بتوقيت المسكوبية، تعرّض الأسير رشيد الرشق لحفلة متواصلة من الضرب الشديد، بالأقدام والأيادي، بطحوه أرضاً وقيدوا قدميه بكرسي، وجهوا له الركلات على بطنه والصفعات، أحدهم ضربه بشدة على عينه مما سبب له آلاماً قوية وانتفاخاً، لم يعد يرى شيئاً.

أحد المحققين قام بإحضار علبة زرقاء كبيرة تمتد منها أسلاك من النحاس، وقام بتوصيل الأسلاك بأصابع الأسير الرشق، ثم قام بتشغيل الكهرباء، اهتز جسم رشيد الرشق، ارتجف وجعاً وشعر بآلام رهيبة تسري في مفاصله، تكرر ذلك، والمحقق يصرخ  اعترف وإلا سأشعل النار في جسدك، واشتعل الجسد، واشتعلت المسكوبية.

الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت المسكوبية، الزنزانة ضيقة، مليئة بالروائح الكريهة، الحيطان مدببة، الفرشة مبلولة وقذرة، لا شباك ولا فضاء، ضوء أصفر باهت يتسلط على العينين والنوم وأحلام اليقظة، جرذان وصراصير في الزنزانة، باب مصفح بالفولاذ يردد أوجاع المحشورين في عالم المسكوبية.

 

الساعة العاشرة ليلاً في المسكوبية

رأيت روحي على الحائط

محققون يصرخون

خرجت روحي إلى القدس

تحية وبرقية

 

* وزير شؤون الأسرى والمحررين- رام الله.