هو شعبي، الصغير الكبير الممتد من أول الدنيا إلى آخر الدنيا وأبعد، يفيض دماً وحباً وكبرياءً وعبادة، الحاضر في الزمان والمكان، لا يفنى ولا يزول، المقاتل في الحرب حتى آخر شهيد في القيامة، والعاشق للسلام حتى آخر حمامة تفرد جناحيها على فضاء السماء.
هو شعبي، أراه يحفر الأرض كي يطلع الماء من جذور القمح ويغني صيفاً وشتاءً ولا يتعب، وأراه يحفر جداراً ليطل على جهات الشمس الأربع، مبلولاً بالبحر ودورة الأرض، والفصول السبعة في مواكبها بين الجليل والنقب.
هو شعبي، الشهيد والأسير، الطفل والأم والأب والمرأة والجريح والفقير والعامل والفلاح والمعلم والمهندس والطبيب، المسلم والمسيحي، وما خلق الله من تعددية في رائحة الشجر البشري الواقف على هذا الساحل وتلك التلال، وهي تمشي بأياديها وقلوبها حيث كان المسيح والرسول وأولياء الأرض الصالحين.
هو شعبي، أم الأسير العجوز المتسلحة باليقين والحلم، تحمل صورة ابنها، وتدق جدران السجن، تضيء العتمة بعينها، وتبتسم لولد يكبر بكوفيته هناك ويصير "نبياً".
هو شعبي، أم الشهيد تزغرد في جنازة ولدها، ترش الحناء والورد، وتقنع العالم أنه لازال حياً، تراه في حوش البيت، أو في الصلاة يوم الجمعة، يقبّل يديها ويغادر عندما تناديه النبوءة والرصاصة وصرخة الحجر.
هو شعبي، الخارج من ألف مذبحة ومذبحة، التائه بين المسافات والحدود، من خيمة إلى خيمة، من معسكر إلى معسكر، لكنه واضح الملامح، سمرته، بريق عينيه، يعرف كل من يراه أنه متجه إلى القدس، يتحرر من اللجوء والإقامات المؤقتة، يموت واقفاً، أو يعيش صامداً، يرفض الهوية المزيفة.
هو شعبي المنتفض كثيراً سنة وراء سنة، يتصدى للذل والعبودية، يرفع سارية الكرامة والعزة أينما يكون ويظل عالياً عاليا، (...) لا يأخذه سجن ولا قبر، لا سلام اقتصادي ولا سلام استيطاني، يعرف كيف يمرّ عن الحاجز، ويعرف أن هناك بستان خلف البعيد يناديه، ويعرف أن في أحشاء التراب ذهب الحرية.
هو شعبي، الأسير ذو الروح العنيدة، يقارع السجن بجوعه الطويل الطويل، يجف المحيط ويتعب السجان، ولا يموت إلا عندما يريد أن يموت، يفك قيده ويخرج إلى الناس جمعاً، أو مطراً، أو يوماً من ايام الفرح المباركات الصاخبات.
هو شعبي، اعتز به، همساته، أغانيه، دموعه، سهره على الحياة قطرة قطرة، جدارته في البقاء الأسطوري رغم مخططات الموت السياسي، ورغم هذا الاحتلال الذي يرتد دائماً إلى الوراء (....).
هو شعبي، أسماء وأسماء، منذ بدء الخليقة حتى أبد الآبدين، وفي كل اسم قصة ورواية وصوت رياح، وفي كل ريح بشرى لأغصان الشجر وقدوم السحاب مخاضاً وولادة.
هو شعبي، لا تسعه دولة، ولا كل الأرض تكفيه كي يرى العالم وجهه الحرّ المسفوح على الروايات والحكايات، الهجرات والنكبات والقصائد والاغاني، ولكل من أراد ان يبقى بلا ضيم أو سجن، أو ضحية تسقط في فراغ الصراع.
هو شعبي، خرج منه الهواء والنار والتراب والصوت والضوء والدم والآيات المباركات والمعجزات الخالدات، وكان هنا الزمان، وكان هنا المكان، هو النص الأول والأخير في ميزان العدالة لمن يسمع أو يتقدم بجرأة إلى هذه الجهة من الأرض.
هو شعبي، لا ينام ولا يهدأ، يخرج من بين الصفيح ومن ثقوب الصخر، يملك كل الأسئلة والذخائر الإنسانية والثقافية والحضارية، والقدرة دائماً على الانتصار وإضاءة الشمعة، وإطلاق الصرخة والوصول إلى رفرفة القلب.
هو شعبي الجميل البارع، الهادئ الغاضب، القادر المتوحد في مسجده، والمتعبد في كنيسته، أقوى من الجغرافيا المحطمة، وأكبر من حشره في معازل مرقمة ومسيجة.
هو شعبي، ياسر عرفات، جورج حبش، محمود درويش، إبراهيم طوقان، مروان البرغوثي، أحمد سعدات، إداورد سعيد، توفيق زياد، خليل الوزير، أحمد ياسين، فتحي الشقاقي، عمر القاسم، فارس عودة، كريم يونس، إبراهيم أبو اللغد، سميحة خليل، سميح القاسم، ويفيض ويفيض، بطولات وكوفيات وأعراس.
هو شعبي، المدن والقرى والمخيمات والظلال، النهر والرمل والزيتون والرواية، عشبة تدلّ علينا، جثة محروقة تدل عليهم، وكان محمد أبو خضير يعطي البرهان والإشارة.
هو شعبي، امراة على البئر وأخرى في المظاهرة، بنات في المدرسة وأخريات في الجامعة، جدائل معقودة بحبال الشمس ساطعة ساطعة، حبّ آخر يسيل في جنازة، وغزل يطير بين المقلاع والرصاصة.
هو شعبي لم يأت من صحراء خالية من الوجود الإنساني ومن الصور، لا يحمل توراة مسلحة، ولا جنون الغيتو ورهاب المحرقة، ذاكرته تموج كلما دخل ولد مدرسته وقالت له فلسطين: إقرأ....
يختنقوا بنا
ويشتعلوا ...
وكلما أضأنا
انطفأوا في الظلام
* وزير شؤون الأسرى والمحررين- رام الله.

