سامر العريفه من جديد يعود الحديث في أوساط كيان الاحتلال عن أنفاق المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، مع استخدام ما يمكن تسميته بلغة "الترهيب والترغيب"، تارة عبر التهديد بشن جيش الاحتلال عدواناً جديداً على القطاع،
وتارة أخرى بربط مسألة الإعمار والتسهيل عبر المعابر بموضوع سلاح المقاومة والأنفاق. والاحتلال الذي ترتجف يداه من خوض معركة أخرى مع مقاومة لقنته دروساً لن ينساها لاسيما خلال العدوان الأخير على القطاع، يسعى لحشد نقمة دولية وتجييش المنظمات والمؤسسات الدولية ضد فصائل المقاومة كافة في القطا، بإظهار وكأنه "الضحية" والمقاومة بتواضع إمكاناتها العسكرية بأنها "الجلاد"، وهو منطق لا يمكن له أن يستقيم في ظل عدم التكافؤ العسكري أصلاً بين جيوش عربية وجيش الاحتلال فما بالنا بفصائل المقاومة.
ولكن يمكن لنا وبكل فخر التأكيد مرة أخرى على أن قلة وتواضع إمكانات المقاومة الفلسطينية لم تمنعها من صد هجمات جيش الاحتلال لاسيما خلال الحرب الأخيرة على القطاع صيف العام الماضي 2014، والتي استمرت لـ51 يوماً عجز خلالها الاحتلال عن تحقيق أي نتائج عملية، بل أنه تكبّد خسائر فادحة عند محاولته التوغل برياً على حدود القطاع، كلفته عشرات الجنود بين قتلى وجرحى، ناهيك عن أسر جنود للاحتلال خلال المعارك التي أثبت فصائل المقاومة خلالها جدارة عالية في الميدان أذهلت جيش الاحتلال وجعلته يقف مصدوماً أمام قدرات المقاومة التي أخفقت أجهزة استخبارات الاحتلال في تقدير حجمها ومدى فاعليتها، وما هو المدى الذي يمكن أن تصل إليه عمليات المقاومة من خلال شبكة من الأنفاق التي لا يعرف الاحتلال حتى الآن ـ رغم كل ادعاءاته ـ حجم انتشارها ومكامن أسرارها الكاملة.
ومن قصة (الأنفاق) ننطلق من جديد، ونشير بداية إلى بعض تصريحات قادة الاحتلال حول المقاومة وسلاحها وأنفاقها.
فقد وجّه وزير الحرب في كيان الاحتلال موشيه يعالون، قبل يومين، انتقادات شديدة إلى نفتالي بينيت زعيم حزب "البيت اليهودي"، بسبب تصريحات له حول ما أسماها "الأخطاء الأمنية" فى حرب "الجرف الصامد" الأخيرة التى شنها جيش الاحتلال على قطاع غزة.
وزعم أن التسريبات التى خرجت من "المجلس الوزارى الإسرائيلي الأمني السياسي المصغر" (الكابينيت)، ومن بينها محادثات حول الأنفاق بين قطاع غزة وكيان الاحتلال، هى التى أدت في النهاية إلى زيادة فترة عملية "الجرف الصامد" ضد غزة.
وأضاف أن بينيت ومسؤولين "إسرائيليين" آخرين يكذبون من أجل الحصول على عدد أكبر من المقاعد في انتخابات "الكنيست" القادمة.
وكان نفتالي العضو في "الكابينيت" قد حذر من عودة فصائل المقاومة لرفع قدراتها وزيادة قوتها في قطاع غزة، وبأنها تقوم بحفر أنفاق جديدة على حدود القطاع.
بدوره رأى زعيم حزب "العمل" في كيان الاحتلال يتسحاق هرتسوغ خلال جولة برفقة عدد من أعضاء "الكنيست"، للمستوطنات المجاورة لقطاع غزة، أنه يجب إعادة طرح قضية تجريد القطاع مما أسماه "الأنفاق العسكرية" على جدول أعمال المجتمع الدولي مقابل "سماح" الاحتلال بإعادة إعمار القطاع.
فيما أشار عضو "الكنيست" عومر بارليف بأن "التنظيمات المسلحة في غزة تقوم بحفر أنفاق جديدة تتجه نحو الكيبوتسات المجاورة للقطاع".
ومن هنا وفي ظل التخوف الذي يبديه قادة الاحتلال حول تطوير قدرات المقاومة وسلاح الأنفاق، أكد محللون بأن استخدام الأنفاق من قبل المقاومة الفلسطينية لتنفيذ عمليات ضد كيان الاحتلال، يعتبر مؤشراً على تطور جديد في تكتيكات المقاومة العسكرية.
كما اعتبروا أن عدم قدرة أجهزة استخبارات الاحتلال في الكشف عن تلك الأنفاق تشكل دليلاً ساطعاً على فشل تلك الأجهزة.
وفي هذا السياق أوردت مجلة "فورين بوليسي" من خلال تقرير لها كتبه شين هاريس أثناء الحرب الأخيرة على القطاع، بأن اكتشاف "الجيش الإسرائيلي" لشبكة الأنفاق المتطورة بعد هجومه البري على غزة أوائل تموز/يوليو 2014، يعتبر دليلاً ساطعاً على فشل "جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الحربي" "الذي يعد الأكثر تقدماً على مستوى العالم"، وهو ذلك الفشل الذي وصفته المجلة بأنه أكبر فشل تواجهه "إسرائيل" منذ سنوات. فيما اعتبرت - استناداً إلى أحد المحللين الأمريكيين - أن استخدام الأنفاق لشن هجمات على "إسرائيل" يعتبر مؤشراً على تطور جديد في تكتيكات فصائل المقاومة العسكرية.
كما بينت المجلة بأن العدوان الوحشي الذي شنته "إسرائيل" على غزة لوقف إطلاق صواريخ المقاومة على المدن الكبرى المحتلة مثل "تل أبيب" لم يكن يستهدف في بداية الحرب تلك الأنفاق، لكنه أصبح الهدف الوحيد لها بعد بدء هجومها البري على القطاع وسقوط أعداد كبيرة من جنودها من جراء العمليات التي نفذتها فصائل المقاومة من خلال تلك الأنفاق. واعتبرت المجلة أنه ظهر أن التحدي الأكبر أمام "إسرائيل" في تلك الحرب هو الأنفاق.
وأكدت بأن شبكة متطورة ومعقدة من الأنفاق فاجأت "ضباط الأمن الإسرائيليين" بعدما تسببت في مقتل أعداد كبيرة من الجنود وأدخلت الرعب في قلوب الكثيرين ممن أسمتهم "الإسرائيليين العاديين" (المستوطنين).
على أن الحذر في كل ما سبق يجب أن يبقى قائماً في ظل تهديد كيان الاحتلال بشن حرب جديدة على قطاع غزة، بحجة ضرب ما يسميه "البنية التحتية" ـ في إشارة واضحة إلى الأنفاق ـ لفصائل المقاومة الفلسطينية، التي أكدت بأنها ستتصدى لأي عدوان جديد بكل حزم وقوة.
إن المخاوف والهواجس التي يبديها كيان الاحتلال وحالة القلق المتجذرة لدى قادته تؤكد على مدى نجاعة سلاح الأنفاق الاستراتيجي في مقارعة الاحتلال شاء من شاء وأبى من أبى من اللاهثين وراء السراب والمشككين بقدرة المقاومة على الصمود ودحر الاحتلال وصد أي عدوان له، بل وحتى تحقيق انتصارات واضحة من خلال عمليات نوعية على غرار ما حصل في الشجاعية ورفح رغم قساوة المشهد وما حلّ بأهلها الآمنين.

