Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

أخطار محدقة بمستقبل مدينة القدس.. نبيل السهلي

أخطار محدقة بمستقبل مدينة القدس.. نبيل السهلي

  مع ارتفاع وتيرة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في القدس خلال الآونة الأخيرة، وكذلك إعتداءات المستوطنين المتكررة على المقدسيين، يبرز سؤال حول قضية القدس في الخطاب والتصورات الإسرائيلية. حيث يمكن الاستدلال عليها من خلال الأفكار التي طرحها بعض القادة والأكاديميين الإسرائيليين،

فضلاً عن أفكار وتوصيات تمّ تسجيلها في نهاية ندوات عقدت في مراكز البحث الإسرائيلية، وفي هذا السياق عبّر ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي في 24 حزيران (يونيو) 1948 بوضوح عن النوايا الإسرائيلية في القدس. وفي نقاش دار حينها في مجلس الشعب المؤقت (الكنيست لاحقاً) قال بن غوريون إن المسألة لم تكن إلحاق القدس بـ"إسرائيل"، بل كيفية تحقيق هذا الهدف في ضوء العقبات والظروف العسكرية والاقتصادية التي تواجه تحقيقه، ومنذ العام المذكور اتسم موقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه قضية القدس بالتصلب شأنها في ذلك شأن قضية اللاجئين وحق عودتهم حسب القرار 194 لعام 1948.

مع احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية بما فيها الجزء الشرقي من مدينة القدس وقطاع غزة في 5 حزيران 1967، بدأت تظهر مشاريع وأفكار إسرائيلية عدة حول مستقبل الأراضي العربية المحتلة. وتركزت الرؤى على إبقاء القدس الموحدة تحت "السيادة الإسرائيلية" باعتبارها بحسب الخطاب السياسي الإسرائيلي "العاصمة الأبدية لإسرائيل". ومن أهم المشاريع المطروحة التي تضمنت إبقاء السيطرة الكاملة على مدينة القدس:

أولاً: مشروع بن غوريون 1967: كان أول من طرح أفكاراً حول منح السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حكماً ذاتياً يديرون شؤون حياتهم في إطاره هو دايفيد بن غوريون، وذلك بعد أن وضعت حرب حزيران أوزارها بأسبوعين تقريباً. فقد وزّع بن غوريون على الصحف مشروعاً يتضمن بعض الأفكار ميّز فيها بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والفلسطينيين في الخارج، وفي الوقت نفسه ميّز أيضاً بين سكان قطاع غزة وإخوانهم في الضفة الفلسطينية، إضافة إلى الاقتراح الذي تضمنه المشروع بضم القدس إلى حدود "دولة إسرائيل".

ثانياً: مشروع ايغال آلون في تموز (يوليو) 1967: أي بعد شهر من حرب حزيران، حيث طرح آلون، وزير الخارجية آنذاك، على حكومته مشروعاً يتعلق بسيناء والجولان، استند فيه إلى أفكار بن غوريون، غير أن مشروع آلون كان أكثر تفصيلاً وتحديداً ووضوحاً. وقد حظي المشروع بشهرة كبيرة رغم أنه لم يناقش في إطار حكومي أو حزبي. وكان آلون أحد أبرز شخصيات حزب العمل وزعيم كتلة في الحزب وأحد قادة «البالماخ» البارزين سابقاً وقد صمّم مشروعه على أساس التخلص من المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية، وضم المناطق الأخرى التي تتسم بقلة ومحدودية السكان، أي التخلص من المدن والمراكز الحضرية السكانية، وإعادتها إلى الأردن والتمسك ومواصلة السيطرة على الأراضي الواسعة الخصبة في الأغوار وشمال الضفة الفلسطينية ومناطق واسعة من أرياف المدن الفلسطينية تمهيداً لضمها إلى "إسرائيل".

وتطرّق آلون في مشروعه إلى القدس من جانب الاحتواء الكامل والقسري لهذه المدينة، وهذا ما نلمسه في البند الوارد في المشروع المتعلق بالقدس، «العمل على إقامة ضواح بلدية، مأهولة بالسكان اليهود شرقي القدس، علاوة على إعادة تعمير وإسكان سريعين للحي اليهودي بالبلدة القديمة من القدس»، وهذا الأمر ترجم عملياً في السنوات الماضية حيث أصبحت المستوطنات اليهودية تحيط بمدينة القدس من كافة الاتجاهات عبر أطواق استيطانية محكمة.

ثالثاً: مشروع أبا إيبان 1968: طرح المشروع في 9 تشرين الأول (اكتوبر) 1968 وقد تضمن البند الخاص بالقدس أن "إسرائيل" مستعدة لمناقشة التوصل إلى اتفاقيات مناسبة مع من يعنيهم الأمر بشأن القدس، وقد عارض أبا إيبان فكرة إيجاد حل تعرضه الدول الكبرى ووصفها بأنها أبعد الأفكار عن الواقعية على الإطلاق.

رابعاً: مشروع غولدا مائير 1971: طرح المشروع في 9 شباط (فبراير) 1971 وجاء في البند المتعلق بالقدس من المشروع «تبقى القدس موحدة وجزءاً من إسرائيل».

خامساً: مشروع مابام للسلام 1972: وتضمن مشروع حزب مابام (27 كانون الأول/ديسمبر 1972) بنداً خاصاً عالج وضع القدس على النحو التالي «إن القدس الموحدة عاصمة دولة إسرائيل وتضمن في تسوية السلام الخاصة الإدارة الذاتية للأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين ويعترف في كل مفاوضات حول السلام مع الدول العربية المجاورة بحقوق السكان العرب كأقلية قومية، ويتم ضمان أوضاع بلدية خاصة بالسكان العرب في القدس في إطار المدينة الموحدة».

سادساً: مشروع بن غوريون 1972: ذكر بن غوريون في 8 أيلول (سبتمبر) 1972 أن هناك احتمالاً نظرياً لتوقيع معاهدة سلام بين "إسرائيل" والدول العربية في غضون السنوات الخمس القادمة، ويعتقد أنه في حال توقيع الدول العربية معاهدة سلام فإن من الصواب أن تعيد لهم "إسرائيل" جميع الأراضي، عدا القدس والجولان والمناطق التي نشأت فيها مستوطنات بما في ذلك المستوطنات في الضفة الفلسطينية.

سابعاً: مشروع موشيه دايان 1972: ذكرت "إسرائيل" في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1972 أن موشي دايان "وزير الدفاع الإسرائيلي" آنذاك يفضل أن لا يحل "السلام" بين مصر و"إسرائيل"، على أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الحدود السابقة. وقد أدلى دايان بهذه الأقوال في مقابلة أجرتها معه صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. واختتم حديثه مؤكداً أن الحدود مع هضبة الجولان ستبقى كما هي عليه اليوم تقريباً، على بعد 45 كيلومتراً من الحدود القديمة، ولم يستبعد دايان التوصل إلى تسوية حول مدينة القدس تمنح معها الأماكن المقدسة ما سمّاه الوضع الخاص ولكن المدينة - بحسب زعمه - يجب أن تظل موحدة من الناحيتين السياسية والقانونية، مع تأكيده على أن لا مجال لإقامة دولة جديدة في الضفة الفلسطينية.

وفي محاولة منها لفرض الواقع الاحتلالي للقدس، أعلنت المؤسسة الإسرائيلية ضمّ القدس الشرقية في 30 تموز (يوليو) 1980. ورغم مرور أكثر من أربعة وثلاثين عاماً على ضم الجزء الشرقي من المدينة (1980-2014)، لم يتوقف النشاط الاستيطاني في جنباتها، حيث تسعى حكومة بنيامين نتانياهو الحالية - في سباق مع الزمن - إلى تهويد مدينة القدس مستغلة انشغال الاعلام العربي والغربي بتحولات المشهد العربي منذ نهاية 2010، وعدم ارتقاء العرب والمسلمين في دعمهم السياسي والمالي للمقدسيين إلى مستوى التحدي الذي تواجهه المدينة.

وبعد قطع شوط كبير من بناء الجدار العازل حول القدس، تبنت الحكومة الإسرائيلية عدة قرارات، كان من أهمها قرار صادر منذ أكثر من ستة عقود للشروع في تطبيق قانون أملاك الغائبين الذي يشمل الممتلكات المحجوزة من قبل المؤسسات الإسرائيلية في "القدس الشرقية" المحتلة. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه تم استصدار قانون أملاك الغائب عام 1950، وكان محاولة لإضفاء الصفة القانونية على سيطرة "إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية تدريجاً، حيث يمنح القانون «الوصي الإسرائيلي» على أملاك الغائب «الحق» في الاستيلاء عليها وإدارتها والسيطرة على الأرض التي يملكها أشخاص يعرَّفون بـ«الغائبين».

ويمكن القول إن الإصرار الإسرائيلي على تطبيق قانون «الغائب» في مدينة القدس، يندرج في سياق منهجية حكومة نتانياهو للإطباق على المدينة وتهويد كل مناحي الحياة فيها بما فيها قطاع التعليم، وصولاً إلى الإخلال بالتوازن الديموغرافي لصالح اليهود في المدينة حتى عام 2020، وبالتالي نسف الحلم الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس. ويلحظ المتابع استصدار رزمة قرارات إسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وإحياء قرارات أخرى لفرض الأمر الواقع التهويدي على المدينة. واللافت أن التصورات الاسرائيلية لم تتغير إزاء مستقبل قضية القدس بعد قيام السلطة الفلسطينية في ربيع عام 1994، والداعية بمجملها إلى ابقائها "عاصمة أبدية لإسرائيل".

ويلاحظ المتابع للشأن الإسرائيلي الداخلي والخطاب السياسي للأحزاب الإسرائيلية منذ عام 1967 وحتى عام 2014 أن كافة المشاريع والتصورات الإسرائيلية التي طرحت إزاء القدس من قبل سياسيين أو أحزاب أو أكاديميين إسرائيليين في ندوات عقدت في الجامعات الإسرائيلية أو مؤتمرات هرتسيليا تمحورت حول الثوابت المشتركة بين الأطياف السياسية الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية القدس. وتبعاً لذلك يمكن تعليل ارتفاع وتيرة النشاط الاستيطاني المحموم في مدينة القدس الذي نشهد فصوله بشكل متسارع خلال الأشهر الماضية، على أنها إجراءات لترسيخ الخطاب والتصورات والرؤى الإسرائيلية على الأرض.

وتبقى الإشارة إلى أنه رغم وضوح الخطاب السياسي والتصورات الإسرائيلية إزاء مستقبل قضية القدس، لم يفلح العرب والمسلمون في وضع تصورات ومخططات محددة لمواجهة عاصفة التهويد التي تجتاح المعالم الجغرافية والتاريخية في مدينة القدس على مدار الساعة.