كشفت شهادات أربعة جنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي، خدموا في وحدات الاستخبارات ومنظومة الطائرات المسيّرة، عن تفاصيل تتعلق بسياسة إطلاق النار خلال الحرب على قطاع غزة، بما في ذلك تخفيف القيود على استهداف الأشخاص، والتوسع في استخدام الذخائر الثقيلة، والسماح بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين تحت مسمى “الأضرار الجانبية.
ونقلت صحيفة “هآرتس” العبرية عن الجنود أن هذه التغييرات بدأت عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما سعت المؤسسة العسكرية إلى توسيع قائمة الأهداف، في أعقاب إخفاق استخباراتي سبق الحرب، إذ توقفت شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” قبل نحو عام من اندلاعها عن جمع المعلومات المتعلقة بعناصر حركة حماس دون مستوى قائد لواء، على خلفية استبعاد القيادة العسكرية احتمال وقوع هجوم واسع.
وبحسب الشهادات، استعان الجيش بجنود احتياط لا يمتلك بعضهم خبرة كافية في العمل الاستخباراتي لتحديد الأهداف، ووصل الأمر إلى تصنيف أشخاص أهدافًا عسكرية لمجرد نشرهم رموزًا لحركة حماس على مواقع التواصل الاجتماعي أو إعلان انتمائهم إليها. كما شملت الاستهدافات عناصر من المستويات التنظيمية الدنيا، بينهم سائقون يعملون لدى الحركة، مع استخدام كميات كبيرة من الذخائر.
ومن أبرز الوقائع التي تناولتها الشهادات الغارة التي شنها جيش الاحتلال على مخيم جباليا في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي استهدفت إبراهيم البياري، قائد كتيبة وسط جباليا في حركة حماس.
وقال أحد الجنود المشاركين في المهمة إن الاستخبارات كانت تعلم بوجود البياري داخل نفق أسفل مبانٍ سكنية، لكنها لم تتمكن من تحديد موقعه بدقة، الأمر الذي دفع القيادة إلى اتخاذ قرار بقصف عدة مبانٍ مأهولة بالسكان دون إخلائها، خشية فراره.
وأضاف أن التقديرات الاستخباراتية أشارت إلى احتمال سقوط ما بين 250 و300 مدني، وهو ما استدعى إحالة قرار الهجوم إلى رئيس هيئة الأركان للموافقة عليه. وأوضح أن تقييم نتائج الغارة أظهر وصول عدد القتلى إلى نحو 250 شخصًا.
قواعد إطلاق النار
لم تقتصر الشهادات على الغارات الجوية، بل كشفت عن مستويات متعددة اعتمدتها منظومة الطائرات المسيّرة في تحديد الأهداف، بدأت باستهداف من يشكلون تهديدًا مباشرًا للقوات، وصولًا إلى السماح باستهداف أشخاص ارتبطوا بحركة حماس في الماضي أو الحاضر.
وتحدث الجنود عن قواعد سمحت بتنفيذ غارات يُتوقع أن تؤدي إلى سقوط 20 مدنيًا دون الحاجة إلى موافقة مسؤول رفيع خارج غرفة الاستهداف، فيما تطلبت الهجمات التي قد توقع 40 مدنيًا موافقات أعلى، وأُحيلت العمليات التي تتجاوز هذه الحدود إلى قيادات عسكرية رفيعة.
كما أشاروا إلى تعليمات ميدانية اعتبرت اقتراب أي شخص لمسافة 300 متر من القوات “الإسرائيلية” تهديدًا يستدعي استهدافه، رغم صعوبة التمييز بين المدنيين والمسلحين من الجو. ووفقًا للشهادات، صُنّف فلسطينيون دخلوا منازل مهجورة لجمع الطعام والأثاث باعتبارهم تهديدًا محتملًا، فيما واجه جنود شككوا في هذه التصنيفات تهديدات بالإقصاء من مهامهم.
وتطرقت الشهادات أيضًا إلى محاولة اغتيال علي قاضي، قائد سرية في وحدة النخبة التابعة لحركة حماس، إذ قال أحد الجنود إن الجيش قصف منزله أثناء وجوده مع عائلته، وأعلن مقتله رغم نجاته من الغارة، التي أسفرت عن مقتل أشخاص لا صلة لهم بالهدف، قبل أن يُقتل في هجوم لاحق.
مطالبات بمحاسبة المسؤولين
وفي تعليقه على ما ورد في الشهادات، اعتبر المدير العام لمنظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية، نداف فايمان، أن السماح باحتمال مقتل 300 مدني مقابل اغتيال قائد كتيبة، أو سقوط 20 مدنيًا مقابل استهداف سائق شاحنة يعمل لدى حركة حماس، يتناقض مع ادعاءات الجيش بأنه بذل كل ما في وسعه لتجنب إيذاء الأبرياء.
وطالب فايمان بمحاسبة المسؤولين عن صياغة التعليمات التي تحكم عمليات الاستهداف، بدلًا من ملاحقة الجنود الذين كشفوا تفاصيل تنفيذها.
