الكاتب: ليساندرو بروسكو
بعد 59 عامًا على نشر «رسالة إلى القارات الثلاث»، يظل إرث تشي غيفارا حاضرًا في نضالات الشعوب ضد الإمبريالية، وفي فهم التضامن الأممي بوصفه مسؤولية مشتركة وأفقًا للتحرر.
في الثامن من أكتوبر الجاري، أُحييت ذكرى أخرى لسقوط إرنستو «تشي» غيفارا في المعركة في وادي يورو في بوليفيا؛ وهي مناسبة تعيد إحياء النقاش حول شخصيته وإرثه.
للأسف، باتت شخصية إرنستو «تشي» غيفارا اليوم أسيرة سجالات سطحية ومؤسسية؛ من النقاشات حول إزالة تماثيله أو نصبها، إلى إطلاق اسمه على شارع أو نزعه عنه، وصولًا إلى تحويل صورته الفوتوغرافية إلى سلعة. غير أن النظر إلى تشي من خلال تقديس النصب التذكاري يحجب أهم أبعاد شخصيته: المثقف العضوي، والاستراتيجي السياسي والعسكري، والمناضل الثوري. ولإدراك المدى الحقيقي لإرثه، لا بد من تجاوز الجدل حول التمثال البرونزي والتعمق في تجربته بوصفه مناضلًا أمميًا، تجسدت ممارسته الثورية في «رسالته إلى القارات الثلاث» الشهيرة.
في هذه الرسالة، التي نُشرت في أبريل 1967، وكتبها في كوبا في نوفمبر 1966 أثناء استعداده للتوجه إلى بوليفيا، يقطع غيفارا بصورة حاسمة مع خطابات «التعايش السلمي» المهيمنة التي دافعت عنها القوى العظمى آنذاك. وبينما كانت دبلوماسية الشمال العالمي تتغنى بسلام دولي مستقر، كان تشي يفضح نفاق ذلك التوازن، موضحًا أن القارات الثلاث المتأخرة اقتصاديًا — أمريكا وأفريقيا وآسيا — ظلت الميدان الأساسي للاستغلال والعنف الإمبرياليين.
ومن هذا التشخيص تنبثق إحدى أطروحاته المركزية: لا يمكن أن يكون التضامن الأممي عملًا خيريًا سلبيًا، بل واجبًا متبادلًا يُترجم إلى فعل. فلم يكن شعاره الشهير «لنخلق اثنتين، ثلاثًا… العديد من فيتنام» مجرد نداء حماسي، بل طرحًا محكمًا لخوض حرب استنزاف عالمية. وإذ رأى كيف كان الشعب الفيتنامي يقاوم وحده التدخل العسكري الأمريكي، أكد تشي أن السبيل الوحيد لهزيمة قوة إمبريالية هو إجبارها على تشتيت جيوشها ومواردها المالية وإمداداتها اللوجستية بين بؤر ثورية متعددة في مختلف أنحاء الجنوب العالمي.
«إن تضامن العالم التقدمي مع الشعب الفيتنامي يشبه المفارقة المريرة التي كان يمثلها تشجيع الجماهير للمصارعين في حلبات روما. فالمسألة ليست أن نتمنى النجاح للمعتدى عليه، بل أن نتقاسم مصيره؛ أن نرافقه إلى الموت أو النصر… كم سيبدو لنا المستقبل مشرقًا وقريبًا لو ازدهرت على سطح الكرة الأرضية اثنتان، ثلاث، العديد من فيتنام، بما تحمله من موت ومآسٍ هائلة، وببطولاتها اليومية، وبضرباتها المتكررة للإمبريالية…!»
تشي غيفارا، «لنخلق اثنتين، ثلاثًا، العديد من فيتنام. رسالة إلى القارات الثلاث»، 1967.
وعليه، تتجاوز الأممية الغيفارية الحدود الوطنية، مثلما عبرت سيرة تشي أراضي الأرجنتين وكوبا والكونغو وبوليفيا. وفي زمن كانت فيه شعوب العالم الثالث تسعى إلى التحرر النهائي من الاستعمار، طالبت رسالة القارات الثلاث بتنسيق الكفاح المسلح بين القارات، انطلاقًا من قناعة بأن على الثوري أن يشعر بكل ظلم يقع في أي بقعة من العالم كما لو أنه يصيبه شخصيًا.
إن اختزال تشي في جمود تمثال يعني تجاهل ارتباط فكره وممارسته بالحركة الحية للتاريخ وبالسعي إلى تحطيم البنية الرأسمالية وبنيتها الفوقية. وبعد 59 عامًا على نشرها، تدعونا «رسالة إلى القارات الثلاث» إلى دراسة القرن الحادي والعشرين من منظور الأطراف المتمردة التي لا تزال تطالب بحقها في أن تصبح فاعلًا يصنع مصيره التاريخي، بعيدًا عن منظور العواصم الغربية.
وفي زمننا الراهن، تكتسب هذه الرسالة راهنية أكبر من أي وقت مضى. فبينما نشهد تصاعد الهمجية الإمبريالية، التي تتجلى بأبشع صورها في الإبادة الجماعية الصهيونية في فلسطين والهجوم الاستعماري اليائس في آسيا الغربية، أثبت لنا الشعب الفلسطيني في السابع من أكتوبر 2023 — كما فعل الشعب الفيتنامي في زمانه — أن الإمبريالية ليست عصية على الهزيمة، وأن الخضوع لها ليس المصير الوحيد المتاح للشعوب.
إن «رسالة إلى القارات الثلاث» تحيا اليوم في جغرافيا أنفاق غزة، وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي تلال جنوب لبنان، وفي مضيق باب المندب، متجاوزة النقاشات الجمالية حول الفضاء العام. وفي مواقع المواجهة هذه، تواصل الأطراف المتمردة إثبات أن التضامن الأممي يظل، بالنسبة إلى محرومي الأرض، قبل كل شيء، ضرورة مشتركة للبقاء وأفقًا للتحرر.
ملاحظة تحريرية: يُقصد بـ«البرونز» في العنوان تماثيل تشي غيفارا والنصب التذكارية التي تُخلّد ذكراه، وما يثار حول نصبها أو إزالتها من سجالات قد تحجب فكره وإرثه الثوري.
*المنسق العام لحركة المسار الثوري الفلسطيني البديل - الأرجنتين
