مع إشراقة السابع من تشرين الأول أكتوبر 2026، طوت ملحمة "طوفان الأقصى" وحرب الإبادة الصهيونية المفتوحة على قطاع غزة عامها الثالث ودخلت عامها الرابع، في محطة مفصلية من تاريخ الصراع العربي الصهيوني. ثلاثة أعوام متواصلة من القصف والتهجير والتدمير الشامل، لم تزد الشعب الفلسطيني إلا ثباتاً وتجذراً في أرضه، فيما بقيت آلة العدوان الصهيونية، رغم الدعم الأمريكي والأوروبي غير المحدود، عاجزة عن فرض هيمنتها أو تحقيق أهدافها المعلنة بإسقاط المقاومة أو كسر إرادة الشعب الصامد.
تفاصيل الحصاد الميداني والإنساني تعكس أبعاد الجريمة غير المسبوقة التي ارتكبها الاحتلال على مدى ألف وثمانية وتسعين يوماً متواصلة. فعلى صعيد الخسائر البشرية الموثقة لدى وزارة الصحة والمؤسسات الحكومية، ارتفعت حصيلة الشهداء ممن وصلت جثامينهم المستشفيات إلى أكثر من أربعة وسبعين ألفاً ومائتي شهيد، يضاف إليهم ما يزيد على تسعة آلاف وخمسمائة مفقود ما زالوا تحت الأنقاض وفي عداد المجهولين بسبب منع الاحتلال إدخال معدات الإنقاذ واستهدافه المتكرر لطواقم الدفاع المدني. وأظهرت البيانات الإحصائية أن الاحتلال ركّز ضرباته على النسيج الديموغرافي، حيث بلغت أعداد الشهداء من الأطفال نحو اثنين وعشرين ألف طفل، من بينهم أكثر من ألف وربعمائة رضيع ولدوا وقضوا تحت القصف خلال سنوات الحرب، بينما تجاوز عدد الشهيدات من النساء والأمهات اثني عشر ألفاً وخمسمائة شهيدة.
واستُشهد نتيجة القصف المباشر واستهداف مقرات العمل الميداني أكثر من ألف وسبعمائة وثلاثين طبيباً وممرضاً وكادراً صحياً، إلى جانب مائة وتسعة وأربعين من فرسان الدفاع المدني، ومائتين واثنين وستين صحفياً وإعلامياً قضوا وهم يوثقون معالم الجريمة للعالم. وترافقت هذه الأرقام المفجعة مع إصابة أكثر من مائة وسبعة وخمسين ألف مواطن بجروح مختلفة، من بينهم آلاف الحالات التي تعرضت لبتر كامل في الأطراف أو لإعاقات دائمة وشلل وفقدان للبصر، في حين تسببت حرب الجوع والحصار و القطاع الصحي في وفاة مئات المواطنين والأطفال نتيجة سوء التغذية ونقص الأدوية والبرد القارس داخل الخيام.
أمّا على صعيد القطاع الصحي والخدماتي، فقد نفّذ الاحتلال استراتيجية ممنهجة لتدمير شريان الحياة في القطاع، ممّا أدّى إلى خروج تسعة عشر مستشفى عن الخدمة بالكامل من أصل ثمانية وثلاثين مستشفى، وتوقف العشرات من المراكز الصحية وعيادات الرعاية الأولية، إضافة إلى تدمير مئات سيارات الإسعاف واستهداف المنظومة المائية بدك أكثر من سبعمائة بئر مياه مركزي وتدمير مئات الكيلومترات من شبكات المياه والصرف الصحي، مما حول القطاع إلى منطقة منكوبة صحياً وبيئياً.
وفاقمت سياسات التهجير القسري والنزوح الممتد من حجم الكارثة الإنسانية، حيث أجبر الاحتلال أكثر من مليوني مواطن على النزوح التكراري تحت التهديد والقصف، يقطنون حالياً في مراكز إيواء متهالكة وفي مئات الآلاف من الخيام التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة وتتعرض للغرق والتمزق مع كل موسم شتاء. وتسبب العدوان في إنتاج أزمات اجتماعية غير مسبوقة إذ سجلت البيانات وجود أكثر من واحد وسبعين ألف طفل يتيم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وأكثر من أربعة وستين ألف أرملة، فيما أصبحت ربع الأسر في قطاع غزة تعيلها نساء بعد استشهاد أو اعتقال المعيل.
وعلى مستوى العمران والبنية التحتية، أحالت آلة الدمار الصهيونية أكثر من ثمانين بالمائة من المنشآت في القطاع إلى ركام، حيث دُمرت أكثر من أربعمائة وعشرة آلاف وحدة سكنية كلياً وأصبحت غير صالحة للسكن، وتضررت مائة ألف وحدة سكنية جزئياً. كما طال الدمار تسعة وتسعين بالمائة من المباني والمدارس التعليمية والجامعات، ممّا حرم مئات الآلاف من الطلبة من حقهم في التعليم للسنة الرابعة على التوالي، فضلاً عن استهداف المعالم التاريخية والتراثية وهدم أكثر من ألف مسجد وثلاث كنائس وتدمير عشرات المقابر، في محاولة لمحو الهوية الوطنية والحضارية لقطاع غزة، وبخسائر مادية مباشرة تجاوزت ثمانين مليار دولار.
وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، واصل الاحتلال تصعيده الشامل عبر شن حملات اقتحام يومية وتوسع استيطاني ومصادرة للأراضي، بالتوازي مع شن حملات اعتقال طالت آلاف المواطنين. ورافق ذلك تشديد العقوبات الجماعية داخل السجون والمعتقلات، حيث فُرضت عزلة مطبقة على المعتقلين من خلال الإلغاء المفاجئ والمتكرر لزيارات الطواقم القانونية والمحامين، والمنع التام لزيارات الأهالي، وممارسة التنكيل والتعذيب الممنهج، فضلاً عن استمرار سياسة تفجير وهدم منازل عائلات الأسرى والمعتقلين.
وفي الذكرى الثالثة للملحمة، تتأكد الحقائق الميدانية والسياسية التي أفرزها طوفان الأقصى إذ أجمعت بيانات القوى وفصائل المقاومة وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي وحماس وجناحها العسكري كتائب القسام وحزب الله على أن معركة السابع من أكتوبر كسرَت الهيبة الأمنية والعسكرية للاحتلال وأسقطت نظريات الردع والتفوق، وأربكت كافة مسارات التطبيع المذلة في المنطقة. وأكدت البيانات أن حجم التوحش الصهيوني والدعم الغربي المفتوح لم ولن ينجح في ترجمة "النجاحات التكتيكية" والدمار العمراني إلى واقع استراتيجي يمنح الاحتلال الأمن والأمان، مشددة على أن خيار المقاومة وثبات الشعب الفلسطيني يظلان الصخرة التي تتحطم عليها كافة مخططات التصفية والتهجير.
