Menu
فلسطين - غزة °26 °17
تردد القناة 10873 v

حين يقتحم شعبٌ مجرى التاريخ

فلسطين اليوم

الكاتب :خالدية ابو بكرة

هناك أحداث لا يمكن قياس أهميتها بما جرى في اليوم الذي وقعت فيه فحسب، فحجمها الحقيقي يظهر لاحقًا، حين نكتشف أنها زعزعت مسلّمات بدت راسخة، وأجبرت أطرافًا مختلفة على تغيير استراتيجياتها، وفتحت مسارات لا نعرف حتى الآن إلى أين ستقود.

كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدثًا تاريخيًا أحدث قطيعة داخل مسار أطول بكثير. لم يكن طوفان الأقصى بداية نضال الشعب الفلسطيني، ولا يمثل ذروته أو نهايته، فقد قاومت فلسطين الاستعمار والاقتلاع والاحتلال على مدى أجيال. لكن إدراك هذه الاستمرارية التاريخية لا ينبغي أن يحجب عنا حجم التحول الذي أحدثه ذلك اليوم.

بعد نحو ثلاث سنوات، لم يعد العالم إلى المكان الذي كان فيه.

تحدى الطوفان نظامًا قائمًا كان يسمح لـ«إسرائيل» بمواصلة الاستعمار فيما تعمّق اندماجها الإقليمي، وللحكومات العربية بالمضي في مسار التطبيع، وللولايات المتحدة ببناء هندسة جديدة لغرب آسيا تحتل فيها «إسرائيل» موقعًا أكثر مركزية، بينما تبقى فلسطين مجزأة وخاضعة ويجري دفعها تدريجيًا إلى هامش الأجندة الدولية.

لم يكن ذلك حلًا للقضية الفلسطينية، بل محاولة لبناء نظام قادر على الاستمرار من دون حلها.

أثبت الطوفان أن هذا النظام قابل للتحدي. لم يسقطه ولم يبنِ تلقائيًا نظامًا بديلًا مكانه، لكنه أعاد إثبات قدرة الشعب الفلسطيني — بإرادته ومقاومته وفعله المنظم — على التدخل في مجرى التاريخ وتغيير موازين قوى بدت عصية على التحريك.

فموازين القوى لا تُقاس فقط بعدد الجنود والطائرات والصواريخ والحلفاء. ما زالت «إسرائيل» تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا وتحظى بدعم القوى الغربية الكبرى، لكن التفوق المادي لا يعني امتلاك قدرة مطلقة على تحديد مسار الأحداث.

أظهر السابع من أكتوبر أن شعبًا يواجه اختلالًا هائلًا في موازين القوى لا يزال قادرًا على استعادة زمام المبادرة.

عادت فلسطين إلى مركز السياسة العالمية على نحو لم نشهده منذ عقود. لكن التحول الأعمق لم يكن مجرد عودتها إلى عناوين الأخبار. فقد بدأ ملايين البشر يطرحون سؤالًا بسيطًا: "اذا حدث قبل السابع من أكتوبر؟"

الإجابة فرضت الحديث عن حصار غزة، ثم العودة إلى ما هو أبعد: أوسلو، واحتلال عام 1967، ونكبة عام 1948، واللاجئين، والانتداب البريطاني، ووعد بلفور، وتطور المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.

بالنسبة إلى جزء من جيل جديد، لم يعد التاريخ يبدأ في اللحظة التي يرد فيها الفلسطيني.

وتغيرت اللغة أيضًا. دخلت مفاهيم مثل النكبة والفصل العنصري والاستعمار وحق العودة والصهيونية — التي ظلت طويلًا غائبة أو هامشية في جزء واسع من النقاش العام الغربي — إلى الجامعات ووسائل الإعلام والنقابات والحركات الاجتماعية والفضاءات الثقافية.

على مدى عقود، نجحت الصهيونية في فرض ليس فقط واقع سياسي معين في جزء واسع من الغرب، بل أيضًا قدرًا كبيرًا من المفردات التي ينبغي من خلالها قراءة فلسطين. كانت «إسرائيل» تُقدَّم باعتبارها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وفلسطين باعتبارها «صراعًا»، والاستعمار باعتباره «نزاعًا على الأرض»، فيما اختُزلت المقاومة في «الإرهاب».

جاء الطوفان، ثم الإبادة الجماعية التي أعقبته في غزة، ليزعزعا هذا السرد، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما حدث في السابع من أكتوبر، بل أصبح أيضًا: كيف تشكّل أصلًا ذلك النظام الذي ثار عليه الفلسطينيون؟

فالهيمنة الاستعمارية لا تُمارس على الأرض وحدها، بل تسعى أيضًا إلى فرض تفسير معين للماضي وتحديد ما يُسمح للمستعمَر بأن يتخيله لمستقبله.

ومثّلت أوسلو جزءًا من هذا التقليص للأفق، إذ جرى تدريجيًا حصر قضية تحرر وطني في إدارة أجزاء مجزأة من الأرض تحت الاحتلال، فيما أُبعد ملايين اللاجئين وفلسطينيو 1948 وحق العودة عن مركز المشروع السياسي.

لم يأتِ الطوفان ليعيدنا إلى المشروع الوطني الذي سبق أوسلو، بل فتح إمكانية التفكير فيما يتجاوز أوسلو والحدود السياسية التي قادت إليها: استعادة فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني لشعب كامل في مواجهة مشروع استعماري، وتجاوز وهم إمكانية إنهاء الاستعمار من خلال دولة فلسطينية مجزأة على حدود عام 1967 بينما يبقى النظام الذي أنتج الاقتلاع والاحتلال والاستعمار قائمًا.

تولد التنظيمات والاستراتيجيات والمراحل التاريخية وتتغير وتنتهي، أما الفاعل التاريخي فيبقى: "الشعب الفلسطيني ونضاله في مواجهة مشروع استعماري".

ولم تظل هذه القطيعة محصورة في فلسطين. فقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان مشروع لإعادة تشكيل المنطقة يتقدم على أساس إمكانية دمج «إسرائيل» بالكامل من دون حل القضية الفلسطينية. وكانت اتفاقيات التطبيع والمفاوضات الرامية إلى توسيعها توحي بأن فلسطين يمكن أن تتحول نهائيًا إلى قضية ثانوية.

قطع الطوفان ذلك المسار.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد غزة ساحة معزولة. دخل لبنان واليمن والعراق وإيران والبحر الأحمر، بأشكال ومصالح مختلفة، في مواجهة اكتسبت أبعادًا إقليمية. وانتقلت «إسرائيل» وإيران من المواجهة غير المباشرة إلى الصدام العسكري المفتوح، فيما تدخلت الولايات المتحدة مباشرة دفاعًا عن مصالحها ومصالح حليفها.

لم تعد الخريطة الاستراتيجية لغرب آسيا كما كانت قبل السابع من أكتوبر.

لم يختفِ النظام الإقليمي القديم، وما زالت مسارات التطبيع مستمرة، لكن إمكانية إعادة تشكيل المنطقة مع تجاهل فلسطين أصبحت موضع شك عميق. وفي الوقت نفسه، برزت مجددًا المسافة بين مجتمعات عربية تحركت على نطاق واسع من أجل فلسطين وحكومات اختارت التطبيع أو احتواء المواجهة. "فلسطين التي كان يُراد تهميشها عادت لتخترق سياسة المنطقة بأكملها".

أما الرد الإسرائيلي، فقد فتح واحدًا من أكثر الفصول تدميرًا في التاريخ الفلسطيني. ولا تزال الإبادة الجماعية في غزة مستمرة، مصحوبة بالدمار الهائل والتجويع والتهجير واستهداف مقومات الحياة نفسها. وفي الوقت ذاته، تشهد الضفة الغربية هجمة استعمارية متصاعدة تشمل التهجير القسري والاقتحامات العسكرية والقتل والاعتقال.

لا يمكن تحويل كل ذلك إلى حسابات تهدف إلى تقرير ما إذا كانت المقاومة «تستحق الثمن». فحياة الفلسطينيين ليست أرقامًا في معادلة للربح والخسارة، ولا يمكن مطالبة شعب مستعمَر بتبرير حقه في المقاومة بناءً على حجم العنف الذي يقرر المستعمِر ممارسته ضده.

لكن الرد على الطوفان كشف بوضوح استثنائي البنية الدولية التي يستند إليها التفوق الإسرائيلي. فالسلاح والتمويل والتعاون العسكري والحماية الدبلوماسية واستخدام حق النقض أثبتت أن القضية الفلسطينية لم تكن يومًا مواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم. وحين جرى تحدي النظام القائم، ظهرت القوى المستعدة للدفاع عنه.

وفي المقابل، ظهرت أيضًا قوى بدأت تتحداه.

رفعت جنوب أفريقيا دعواها ضد «إسرائيل» أمام محكمة العدل الدولية، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت. وقطعت بعض الحكومات علاقاتها الدبلوماسية أو خفّضت مستواها، فيما تصاعدت المبادرات الرامية إلى عزل «إسرائيل» دوليًا.

لم يوقف شيء من ذلك الإبادة الجماعية، وكشفت المؤسسات الدولية مرة أخرى حدودها الهائلة. لكن الاستنتاج بأن شيئًا لم يتغير سيكون خلطًا بين التاريخ وصورة ثابتة للحظة الراهنة.

وربما لا يمكن حتى الآن قياس إحدى أعمق نتائج الطوفان بالحدود أو الاتفاقيات أو موازين القوى العسكرية. فقد خرج الملايين إلى الشوارع في مدن حول العالم، واحتل الطلاب جامعاتهم وطالبوا بمراجعة الاستثمارات والاتفاقيات مع المؤسسات الإسرائيلية. وبدأت النقابات والتنظيمات الشعبية والحركات الاجتماعية والفنانون والأكاديميون والعمال يناقشون علاقتهم بـ«إسرائيل» وبالبنى التي تسمح باستمرار الاستعمار.

جيل كان بالكاد يعرف فلسطين بدأ يتعرف إلى النكبة. وأشخاص تربوا لعقود داخل خطاب ما يسمى «الحرب على الإرهاب» بدأوا يطرحون أسئلة عن الاستعمار. ومؤسسات اعتادت إقامة علاقات مع «إسرائيل» من دون أن تدفع ثمنًا اجتماعيًا أو سياسيًا يُذكر بدأت تواجه المساءلة.

وجاء الرد أيضًا: المنع والرقابة والملاحقات القضائية والأمنية والفصل من العمل والعقوبات الجامعية وتجريم التضامن مع فلسطين.

بعد الطوفان، استمرت أشياء كثيرة. "لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار وهي تحمل المعنى نفسه تمامًا".

فالقطيعة التاريخية تفتح إمكانيات جديدة، لكنها لا تحدد نتائجها مسبقًا.

لا نعرف حتى الآن إلى أين ستقود المسارات التي انطلقت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. والاعتراف بالأهمية التاريخية للطوفان لا يقتضي تحويله بأثر رجعي إلى انتصار عسكري، ولا إنكار تناقضاته. فالأحداث التاريخية لا تُقاس فقط بالسؤال عن الطرف الذي احتل أرضًا أو خرج متفوقًا عسكريًا، بل أيضًا بما جعلته من المستحيل أن يُفكَّر فيه بالطريقة نفسها مرة أخرى.

لهذا يمكن للطوفان أن يكون في الوقت نفسه *استمرارية وقطيعة*: استمرارية لنضال لم يبدأ عام 2023، وقطيعة لأنه غيّر الظروف الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية التي سيستمر فيها هذا النضال.

وهنا يبرز سؤال رافق التاريخ الفلسطيني كله: من يحدد مساره، ومن ينجح في فرض الرواية التي يُفهم من خلالها؟

يقال إن المنتصرين هم من يكتبون التاريخ. وفي فلسطين، لم تكن هذه العبارة يومًا مجرد فكرة نظرية. فقد أمكن تقديم الاستعمار باعتباره استقلالًا، واقتلاع شعب باعتباره مشكلة لاجئين، والاحتلال باعتباره نزاعًا على الأرض، ومقاومة من سُلبت منهم أرضهم باعتبارها تهديدًا للنظام.

لكن قوة المنتصر الاستعماري لا تكمن فقط في فرض روايته للماضي. سيكون انتصاره أعمق بكثير إذا نجح في إقناع المستعمَر بأنه لا يوجد مستقبل آخر ممكن.

وهذا لم يحدث بالكامل في فلسطين يومًا.

لم يكتب السابع من أكتوبر الصفحة الأولى من المقاومة الفلسطينية، ولن يكتب صفحتها الأخيرة. لقد كان حدثًا تاريخيًا أحدث قطيعة داخل مسار أطول بكثير، وأثبت من جديد أن شعبًا منظمًا يستطيع، حتى في ظل اختلال هائل في موازين القوى، أن يستعيد زمام المبادرة ويتدخل في أحداث اعتقد آخرون أن مسارها قد حُسم.

لم يحسم الطوفان الصراع الفلسطيني، كما أن القطيعة التاريخية لا تضمن التحرير بذاتها.

لكنه أثبت شيئًا عمل النظام القائم لعقود على جعله غير قابل للتصور: "فلسطين ليست تاريخًا انتهى، والشعب الفلسطيني ما زال فاعلًا قادرًا على التدخل في مجراه".