Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v

لماذا لا تنتهي الحرب على إيران؟

فلسطين اليوم

الكاتب: سيف الدين موعد 

تؤشر الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة إلى أن ورقة تفاهم حزيران لم تعد كافية لإنتاج نتيجة سياسية ترضي الأطراف الموقعة عليها. فقد توقفت الحرب الشاملة بسبب كلفتها العالية، بعدما اقتربت من حدود يصعب على الجميع تحملها.

سعت واشنطن إلى قطع حبل التصعيد كي تتجنب التورط في المستنقع الإيراني، وكي تهدئ الأسواق وتتجاوز الانتقادات الداخلية، بينما احتاجت طهران إلى وقت تستعيد فيه تماسكها وترمم قدراتها بعد الضربات. 

كذلك ضغطت قوى عدة، تأثرت بالحرب مباشرة أو عبر ارتداداتها الاقتصادية، في اتجاه وقف التصعيد وتجنب تداعياته. وحدها "إسرائيل" تعاملت مع وقف الحرب كخسارة لفرصة عسكرية لم تكتمل. لذلك تبدو مذكرة التفاهم ورقة صالحة لتعليق الانفجار الشامل أو تأجيله، لكنها عاجزة حتى الآن عن إخراج ترتيب يقود إلى نهاية قريبة للمواجهة.

صحيح أن مضيق هرمز حاضر بقوة في الحسابات الإيرانية والأمريكية، لكن العودة إلى أصل الصراع تظل ضرورية، لأن هرمز صورة من صور الأزمة، ولا يفسر وحده كل ما يجرى. فالحرب، في عمقها، كانت منذ يومها الأول محاولة لتغيير موقع إيران، أو لاستردادها بتعبير بعض الصقور الحالمين في واشنطن و"تل أبيب". 

وهذا لا يجعل العناوين المعلنة، مثل النووي والصواريخ وأمن "إسرائيل" والحلفاء والملاحة، عناوين غير مهمة، لكنها تظل عاجزة وحدها عن تفسير طبيعة الحرب ودوافعها. المقصود الأعمق هو تقويض الدور الذي بنته إيران خلال عقود، خصوصاً ما يتصل منه بالاستقلال عن النفوذ الامريكي بل ومنافسة نفوذها في المنطقة، إضافة الى وزنها الطاقوي ومجالها الجغرافي والسياسي، وما يتصل بتموضعها تجاه الصين وشبكة الردع التي تهدد "إسرائيل".

العلاقة مع الصين في هذه القراءة، قد يكون ملفا مفتاحيا، او لنقل انه الفيل في الغرفة الذي غالبا ما يبقى خارج المعالجة الجدية للحرب وتفاعلاتها. فبقاء إيران خارج القبضة الأمريكية يمنح بكين ورقة ثمينة في غرب آسيا، قادرة على امتصاص الضغط الأمريكي ومنع واشنطن من عزل المنطقة عنها أو إعادة هندستها بما يتعارض مع مصالحها.

من هذه الزاوية تبدو إيران أكبر من خصم إقليمي لواشنطن، لأنها عقدة او ممر إجباري في الصراع المتصاعد بين أمريكا والصين على مستقبل الاقتصاد والطاقة والممرات والتحالفات المستقبلية. لذلك فإن المواجهة مع ايران لا تنفصل عن محاولة ضبط هذا التموضع، أو منعه من التحول إلى رافعة صينية في قلب الخليج والمشرق.

وهذا ما يفسر تردد ترامب، فهو ما زال يفتش عن الجائزة، أي عن موقع إيران وتموضعها في اللعبة الدولية، لكنه لا يريد استئناف حرب واسعة في هذه المرحلة. وتصعيده الأخير، وهو يتحرك داخل أجواء اجتماع الناتو في أنقرة، حمل رسالة إلى الحلفاء والخصوم معا، مفادها ان أمريكا ما زالت قادرة على حماية الملاحة والتجارة الدولية، ورئيسها قادر على الضرب والتفاوض في الوقت نفسه. 

غير أن هذه الصورة تصطدم بحقيقة راسخة، فإيران لا تستطيع أن تمنحه استسلاما سياسيا، وأي تنازل كبير من دون مقابل اقتصادي ملموس سيصيب بنية النظام في الصميم، خصوصا بعد مشهد التشييع المهيب والمليوني للمرشد الراحل. فقد شكلت الحشود التي شيعت قائدها في إيران ثم في العراق استفتاء على الدم والكرامة وتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الأعداء، وهو مشهد لا يستطيع أي مفاوض إيراني تجاوزه، لأن أي تراجع سيضع القيادة في موقف بالغ الحرج أمام جمهورها.

من جهة أخرى، يمثل لبنان عقدة إضافية داخل هذا المسار. فإدراج إيران لبنان في مقدمة التفاهم يعني أن مستقبل "حزب الله" يقع في صلب أولوياتها، وأنها لن تقبل باتفاق ينتزع ترتيبات تضعف دورها أو تعزل حليفها الرئيسي.

في المقابل تحاول واشنطن اجتراح ترتيبات أمنية تنعكس على دور لبنان وتموضعه، بحيث يعاد تعريف الدولة ودورها وملف سلاح المقاومة والانسحاب الإسرائيلي، وهذا الامر يتقاطع مع رغبة نتنياهو في إبقاء الأزمة اللبنانية مفتوحة، ومنع "حزب الله" من الحصول على فرصة ترميم تجعل نتائج الحرب أقل قابلية للتسويق أمام جمهوره.

في الاتجاه نفسه، يضغط نتنياهو لإبقاء إيران خطرا حاضرا، إذ يخشى أن يؤدي الاتفاق إلى منح إيران وقتاً ومالاً يصب في عكس الأهداف التي وعد بها جمهوره، لذلك يحاول دفع واشنطن إلى العودة إلى الحرب أو عرقلة أي اتفاق لا يحقق السقف الإسرائيلي، ففي حساباته، يبقى الفراغ أفضل من اتفاق يمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها، حتى لو تضمن مكاسب أمريكية.

من جهة أخرى ستبقى الصين حاضرة في الخلفية، تراقب حدود التورط الأمريكي وتحرص على بقاء إيران خارج الاسترداد الكامل، من غير أن تتورط مباشرة في مستنقع الخليج، لذلك لن يكون السؤال العملي عن تجدد الحرب من عدمه، بل عن شكل هذه الحرب في المرحلة المقبلة. قد تبقى في حدود الضربات المحدودة والاشتباك البحري حول هرمز، وقد يمتد الضغط إلى لبنان، وقد تتسع الأحداث من دون أن تبلغ مستوى الحرب الشاملة.

في كل الأحوال سيبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة ما دام السؤال الأصلي بلا جواب، هل تنجح واشنطن في استرداد إيران كوظيفة مضبوطة داخل هندسة المنطقة، أم تسلم بإيران الجديدة كقوة صمدت وفرضت موقعها عند تخوم الصين والخليج والبحر المتوسط؟