الكاتب: سيف الدين موعد
إذا صح ما نقله الصحفي الإسرائيلي المقرب من الدوائر السياسية والأمنية في "إسرائيل"، نحوم برنياع، عن استعداد الإدارة الأميركية لتجاوز شرط نزع سلاح المقاومة كمدخل سابق لإعادة إعمار غزة، وهو ما يتقاطع مع معلومات من مصادر فلسطينية حول تعليق بعض بنود الاتفاق، بما فيها البند الثامن الخاص بالسلاح، فإننا أمام بداية ظهور مسافة عملية بين ما تريده "إسرائيل" من الحرب، وما تستطيع واشنطن أن تتحمله من نتائجها في بيئة إقليمية تتسم بالسيولة والتوتر.
مطلب نزع سلاح المقاومة في غزة كان يهدف إلى منح "إسرائيل" قدرة على إبقاء القطاع في زمن مفتوح، بحيث يمنع الانتقال إلى المرحلة الثانية وتنفيذ التزاماتها وفي مقدمتها الانسحاب والإعمار، بينما يشير التحول الأميركي المحتمل، الى إدراك واشنطن أن المسار الإسرائيلي وصل إلى مأزق، فالقوة الإسرائيلية ألحقت دمارا هائلا بغزة ولبنان وإيران، لكنها عجزت عن تحويل ذلك كله إلى نهاية سياسية نظيفة.
وبصرف النظر عن هشاشة الاتفاق الأميركي-الإيراني، لكن مجرد المضي به، يؤشر إلى أن واشنطن اختارت احتواء النتائج بدل توسيع الحرب إلى نهايتها الإسرائيلية القصوى، على الأقل في هذه المرحلة. لذلك بدأت واشنطن تتعامل مع السقوف الإسرائيلية القصوى كمعرقل للمسار الإقليمي، ومصدر احراج للوسطاء يمكن ان يهدد الاتفاق.
طبعا، الثابت الذي لا يحتاج الى نقاش، ان هذا التحول لا يؤشر إلى تبدل في طبيعة التحالف العضوي مع "إسرائيل"، ولا إلى تراجع الالتزام الأميركي بأمنها، وإنما يتصل بتباين الأولويات بين ما تراه أميركا في صالح أمنها ومصالحها الإقليمية، وبين طموح الحكومة الإسرائيلية وتطلعها إلى نصر كامل. هذا الفصل يربك نتنياهو والتيار اليميني، الذي يتجهز لخوض الانتخابات المقبلة، لأن صورة النصر التي جرى تسويقها للجمهور الإسرائيلي قامت على وعد بالحسم، وهو ما لم يتحقق.
ولا يعني ذلك أن واشنطن ستكف عن محاولة نزع سلاح المقاومة في غزة، او ان تفاصيل أي اتفاق محتمل لن تكون مفخخة بمحاولة لنزع وظيفته السياسية. فالسلاح قد يبقى موجودا في جزء من غزة، لكن ستحاول الإدارة الامريكية و"إسرائيل" عزل بيئة المقاومة عن الإدارة والمعابر والمال والشرطة والإعمار، أو ستسعى الى تقسيم غزة إلى مناطق قابلة للتمويل وأخرى مؤجلة، على امل ان يفضي ذلك الى تقسيم غزة الى جزر سكانية مفصولة عن بعضها جغرافيا واجتماعياً وادارياً. هذا المسار أكثر تعقيدا من الصدام المباشر، وقد يكون أكثر خطورة على المدى البعيد، لكنه قد يكون مناسبا لواشنطن لتقطيع المرحلة الحرجة.
إذا تم تمرير هذا الترتيب، قد تستمر "إسرائيل" في القصف والاغتيال والحصار، وقد توسع معركتها إلى مساحة جديدة مثل خرائط الإعمار ونوعية المواد المسموح إدخالها وأسماء الموظفين وصلاحيات اللجنة الإدارية وطريقة إدارة المعابر.. بحيث تستخدم هذه الإجراءات لإعادة إنتاج الشرط الأمني نفسه، فـ"إسرائيل" قد تقبل الحديث عن مرحلة ثانية ثم تترك المرحلة معلقة على تفسير أمني جديد، او تنقل الصراع من العنوان الكبير إلى التفاصيل التي تسكنها الشياطين.
فلسطينياً، أي فصل بين حق الناس في وقف الإبادة وإعادة شروط الحياة المسروقة منهم، والبدء في إعادة الإعمار، وبين شرط نزع السلاح، يعني تجاوزا لمنطق الابتزاز الجماعي الذي يخير الناس بين العيش بين الركام والقبول بتسوية مذلة.
يبقى التحدي الحقيقي في إعادة الإعمار وشروطه، وهي معركة لا تقل خطورة عن معارك الميدان.
هل سيرافق ذلك وقف القصف والاغتيالات والانسحاب من غزة؟ أم أن "إسرائيل" ستحاول توظيفه لإعادة تشكيل غزة سياسيا من دون أفق وطني أو سياسي واضح، وبما يخدم أمن "إسرائيل" واستقرار الخطة الأميركية؟!
