الكاتب: د.قسام الزعانين.
شكلت نتائج المواجهة المستمرة والأزمات المتلاحقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤها من جهة أخرى، نقطة تحول دفعت بالأطراف الإقليمية والدولية نحو إعادة تقييم المقاربات الأمنية التقليدية، ولم تعد فكرة "الأمن المستورد" قادرة على توفير استقرار مستدام، وهو ما تجلى بوضوح في تصريحات سياسية بالغة الدلالة تعكس رغبة متبادلة لبناء هندسة أمنية جديدة.
وقد جاء التصريح الأول على لسان رئيس الوزراء وزير خارجية قطر، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لصحيفة فايننشال تايمز، مؤكداً أن : "الهدف الإقليمي الآن هو بناء إطار أمني جديد بين دول المنطقة وإيران" ، بالتزامن مع تصريح رئيس البرلمان الإيراني السيد محمد باقر قاليباف، الذي شدد فيه على أن : "سياسات إيران قائمة على أن أمن المنطقة يجب أن يتم ضمانه عبر دول المنطقة نفسها".
بين هذين التصريحين، تبرز فرصة تاريخية لإنتاج أمن إقليمي ذاتي، غير أن هذا المسار يصطدم بثلاثة كوابح رئيسية وهي : عقلية الدول الخليجية، الاستراتيجية الأمريكية، والدور الإسرائيلي التعطيلي.
أولاً: عقلية الدول الخليجية.. بين الرغبة في التهدئة وعقدة "الضمانات الخارجية".
تتأرجح عقلية صانع القرار في دول الخليج بين مدرستين:
1. الواقعية البراغماتية: التي تمثلها الدبلوماسية القطرية والعمانية، وتلتحق بها السعودية بمرونة متزايدة، تنطلق هذه المدرسة من قناعة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي ومشاريع التنمية الكبرى لا يمكن أن تتحقق في بيئة مشتعلة، وأن الحوار المباشر مع طهران هو السبيل الوحيد لتجنب دفع أثمان الحروب بالوكالة أو باللجوء إلى مواجهات مباشرة غير مأمونة النتائج.
2. عقدة الهواجس البنيوية: فرغم الرغبة في التهدئة، تظل عقلية صناع القرار في دول الخليج محكومة بإرث عميق من عدم الثقة تجاه "الطموحات الإقليمية الإيرانية" وشبكة تحالفاتها في المنطقة، هذه الهواجس تجعل من الصعب على بعض العواصم الخليجية التخلي تماماً عن "المظلة الأمنية الغربية" لصالح نظام أمني مشترك تكون إيران هي الطرف الأقوى عسكرياً وديمغرافياً فيه، ما يحد من قدرة دول الخليج على الذهاب بعيداً في بناء شراكة أمنية استراتيجية متكاملة مع طهران دون غطاء دولي.
ثانياً: الرؤية الأمريكية للمنطقة .. الاستثمار في "إدارة القلق".
تتعامل واشنطن مع فكرة "الأمن الذاتي" للمنطقة بحذر شديد يحكمه محوران:
١. تخفيف العبء لا الانسحاب الكامل: ترحب الولايات المتحدة بالتهدئة وتمديد وقف إطلاق النار التي تقود إلى استقرار الملاحة في الممرات الحيوية كمضيق هرمز، لأنها السبيل الأول لخفض أسعار الطاقة والغذاء العالمية، كما تمنحها فرصة للتركيز على ملفات دولية أشد خطورة.
٢. رفض الاحتكار الإيراني: ترفض الرؤية الأمريكية المعادلة التي طرحها رئيس البرلمان الإيراني بأن يكون الأمن "عبر دول المنطقة نفسها" إذا كان هذا الشعار يعني إقصاء النفوذ الأمريكي وتفكيك القواعد العسكرية في الخليج، ولأن الهيمنة الأمريكية التاريخية على الخليج قائمة على أداء دور "الحكم والضامن"؛ وبالتالي، فإن أي إطار أمني جديد تدعمه واشنطن يجب أن يضمن بقاء خطوط الدفاع الخليجية مرتبطة بالتكنولوجيا والمنظومات الدفاعية الأمريكية، لضمان عدم انفراد إيران بالقرار الأمني الإقليمي.
ثالثاً: الاستراتيجية الإسرائيلية لإفشال المسار.. تفكيك "الوضع الراهن".
ترى الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة في أي تقارب خليجي-إيراني، أو بناء "إطار أمني مشترك"، تهديداً وجودياً لمشروعها الإقليمي، وتعمل "تل أبيب" على إفشال هذا المسار عبر مستويين أساسيين:
١. التخويف الأمني وإثارة الشكوك: تسعى "إسرائيل" باستمرار إلى إثبات أن إيران شريك غير موثوق، وذلك عبر إبراز وتضخيم الأنشطة العسكرية الإيرانية أو تحركات حلفائها في الإقليم، لإقناع العواصم الخليجية بأن مظلة الحماية الإسرائيلية-الأمريكية هي الخيار الحتمي الوحيد.
٢. الضغط لتعميق المحاور العسكرية المضادة: ستحاول "إسرائيل" دفع حلفائها في واشنطن والمنطقة نحو إحياء مشاريع "الناتو الإقليمي" أو منظومات الدفاع الجوي المشتركة التي تُقصي إيران وتصنفها كعدو دائم، وفي حال نجحت طهران والخليج في صياغة تفاهمات عملية (مثل ترتيبات الملاحة في هرمز)، فإن "إسرائيل" قد تلجأ إلى عمليات أمنية أو ضربات موضعية لإعادة خلط الأوراق، وإجبار الإدارة الأمريكية ودول الخليج على العودة إلى مربع التوتر.
إن مخرجات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وضعت المنطقة أمام حقيقة أن الأمن المستورد مكلف وغير مضمون، مما جعل "الإطار الأمني المشترك" ضرورة إستراتيجية لجميع الأطراف.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار وتحوله إلى استراتيجية مستدامة يظل رهيناً بمدى قدرة دول المنطقة على صياغة "توازن رعب ومصالح" داخلي، يصمد أمام الضغوط الأمريكية، ويقطع الطريق على محاولات التخريب الإسرائيلية المستمرة لمنع ولادة شرق أوسط يُدار بأيدي أبنائه.
