Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v

محور سني ومحور شيعي أم أمة في مواجهة "إسرائيل"؟

فلسطين اليوم

الكاتب: سيف الدين موعد 

الحديث عن ثنائية تحكم المنطقة بين "محور شيعي" و"محور سني" اختلاق جديد صار يتردد في الإعلام العربي كما لو أنه قدر سياسي. 

من يريد أن يعرف خطورة هذا التصنيف فلينظر أولاً إلى الجهة التي أطلقته وروجت له. نتنياهو تحدث عن تفكيك محور شيعي قائم ومواجهة محور سني يتشكل، كأن الرجل الذي يمثل رأس المشروع الصهيوني في المنطقة صار هو المرجع الذي يحدد لنا أسماءنا وأعداءنا، ثم يأتي بعض أبناء هذه المنطقة، من أصحاب الشاشات والمقالات ومراكز الدراسات، فيرددون الكلام نفسه ويضيفون إليه شيئا من الزخرفة التحليلية.

هل أصبح نتنياهو فقيها ومتخصصا بمباحث العقيدة وتاريخ المذاهب؟ أم أن الأمر توظيف خبيث لتصنيفات تعزل إيران وحلفاءها في الوعي العربي والإسلامي، وتخلق منذ الآن لافتة جاهزة لأي محاولة عربية وتركية أو إسلامية لترتيب الإقليم بعيداً عن السقف الأمريكي والإسرائيلي؟

كل قوة ترفض أن تكون جزءا من الحديقة الأمنية الإسرائيلية ستجد لها اسما جاهزا ينتظرها، شيعية راديكالية أو سنية راديكالية أو إسلامية متشددة أو أي شيء آخر، المهم أن تبقى "إسرائيل" في موقع القاضي الذي يوزع شهادات الاعتدال والتطرف.

بعض النخب العربية لا تسأل لماذا يستعمل نتنياهو هذه التصنيفات الآن؟ ولماذا تأتي بعد حرب الإبادة على غزة، وبعد العدوان على لبنان وإيران وتهديد استقرار المنطقة كلها؟ وما علاقة كل ذلك بالمحاولات الإسرائيلية المعلنة لبناء محور سداسي يضم "إسرائيل" مع الهند واليونان وقبرص ودول عربية وأفريقية وآسيوية، في مواجهة ما سماه "المحور الشيعي الراديكالي" و"المحور السني الراديكالي الناشئ".

في هذه الثنائية شيء من رائحة الاستشراق والاستعمار القديم الجديد، الذي يرى المنطقة طوائف وقبائل وأقليات وهويات متشاكسة تخاف من بعضها بعضا. وهذا المنطق لا يزال يعمل وإن اختلفت المسميات، مرة باسم حماية الأقليات، وقبلها مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، وأحيانا من خلال فرز المنطقة بين دول معتدلة وشريرة، واليوم يأتينا في صيغة "محور شيعي" و"محور سني". 

كأن قرنين من الهجمة الغربية واستعمار منطقتنا وزرع إسرائيل فيها وتمزيق الدول العربية ونهب الثروات وبناء القواعد الأجنبية يمكن دفنها كلها تحت هذا الفرز المذهبي البارد.

هل إيران، بكل تاريخها وحسابات أمنها وصراعها مع أمريكا و"إسرائيل" مجرد عنوان شيعي؟ وهل تركيا بتاريخها ومصالحها في المتوسط والقوقاز وسوريا والعالم الإسلامي، مجرد عنوان سني؟ وهل السعودية ومصر وقطر والإمارات وعمان والأردن وباكستان وماليزيا وإندونيسيا كتلة سنية تتحرك بإرادة مذهبية واحدة؟ وأين نضع فلسطين وغزة التي قاتلت وحوصرت وجاعت وقصفت؟ وكيف يمكن التعامل مع المقاومة الفلسطينية وفق هذا التصنيف؟ وكيف يمكن لهذا التبسيط أن يتعامل مع سنة يتحالفون مع إيران، وسنة يطبعون مع "إسرائيل"؟ وهل كل الشيعة يتفقون مع إيران؟ أليست هناك دول سنية تتصارع فيما بينها؟ فكيف يستقيم هذا الفرز الأعمى؟

لا انكر أننا أمة لا يزال يسكنها التاريخ أكثر مما تسكن هي في الحاضر، وهو أمر محمود ومذموم بحسب زاوية النظر، ولا مجال للاستطراد في هذه المسألة هنا، لكن الواقع يقول إن التوظيف المذهبي موجود فعلاً، والجراح بين السنة والشيعة في أكثر من بلد حقيقية ومؤلمة، وهذا يجب أن يقال بوضوح، لأن الوعي التحرري الذي يخاف من النقد سيبقى وعياً أعرج. لكن تحويل هذا العنوان إلى أداة لتبرئة "إسرائيل" وتلميعها، فليس من الوعي في شيء.

الأخطر من ذلك أن هذه الثنائية تطرد فلسطين من مركز التفكير، وتغيّب حقيقة "إسرائيل" بوصفها مشروعا مزروعا في قلب المنطقة، والأداة الكبرى التي منعتها من الاستقرار والنهوض والاستقلال الحقيقي. 

لا أقول إن كل خرابنا بسبب :إسرائيل" وحدها، فهذا تبسيط يريح العقول الكسولة ويعفينا من تحمل المسؤولية، لكنني أقول إن أي قراءة للمنطقة تجعل إسرائيل تفصيلا بين تفاصيل أخرى، أو تجعلها طرفا طبيعيا في نظام أمن إقليمي، هي قراءة فقدت بوصلتها، وتريد منا أن نبتلع ثنائية "المحور الشيعي" و"المحور السني" كما ابتلعنا من قبل أوهام السلام والتسوية والاتفاقات "الإبراهامية" والشرق الأوسط الجديد.