الكاتب: سيف الدين موعد
لا يمكن قراءة اتفاق الإطار بين إيران والولايات المتحدة بمعزل عن الفرضية التي حكمت الحرب منذ بدايتها. فالعدوان الأمريكي- الإسرائيلي قام على إسقاط النظام وتفكيك الدولة والجغرافيا الإيرانية أو تغيير موقعها الاستراتيجي، ثم إسقاط الجبهات المتصلة بها وفق نظرية "قطع رأس الأفعى".
من هنا، فإن نتائج الحرب لا تقاس بحجم الضربات ولا بالقدرة على التدمير، بل بمدى نجاح القوة العسكرية في إنتاج نتيجة سياسية حاسمة، وهذا بالضبط ما لم يتحقق.
كانت المعادلة مختلة بوضوح. أمريكا و"إسرائيل" دخلتا الحرب بتفوق عسكري وتكنولوجي واقتصادي واستخباري كاسح، وبقدرة كبيرة على الضرب الدقيق، واستهداف المقدرات المدنية والعسكرية واغتيال القيادات، والضغط المالي والسياسي. لكن إيران لم تتعامل معها بمنطق مضاهاة هذا التفوق في مجاله نفسه؛ ما فعلته هو نقل المعركة من مساحة التفوق العسكري إلى مساحة الكلفة.
في نظريات القوة، ينتصر الطرف الأضعف حين يمنع الطرف الأقوى من تحويل تفوقه إلى حسم سياسي. إيران لم تكسر ميزان القوة، لكنها حيدت جزءا من اختلاله عبر القوة اللامتماثلة واستنزاف الوقت والجغرافيا والممرات والطاقة والجبهات المتعددة، فحولت الحرب من عملية خاطفة يفترض أن تحسم في أيام قليلة إلى حرب أطول نسبيا، امتدت تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية إلى ما هو أبعد من أيام القتال المباشر.
دائما ما سعت واشنطن و"تل أبيب" إلى حصر طاولة المفاوضات في النووي والبرنامج الصاروخي والحلفاء، أي في الملفات التي تستخدم عادة لتجريد إيران من مصادر قوتها الصلبة والإقليمية. لكن نتائج الحرب مكنت إيران من إعادة تعريف إطار التفاوض نفسه، حيث صار النقاش حول وقف الحرب، ومضيق هرمز، واضطراب تدفقات الطاقة، وضبط جبهة لبنان، والعقوبات والتعويضات والإعمار والأصول المجمدة.
وبذلك تكون ايران قد نجحت حتى الآن، في تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، وإخراج الصواريخ والحلفاء من قلب الإطار المباشر، كما أنها ربطت لبنان بمعادلة وقف الحرب، وأفشلت الرؤية الإسرائيلية في عزل الساحات بعضها عن بعض.
بهذا المعنى، انتقلت ايران من موقع من يفاوض لتجنب الحرب، إلى موقع من يفاوض بعد أن أثبت أن الحرب نفسها لا تمنح أعداءها نتيجة مضمونة، وهذا تحول جوهري في العملية التفاوضية نفسها.
من جهة أمريكا، كشفت الحرب حدود القوة العظمى. حتى قواعدها العسكرية في المنطقة ظهرت، في نظر كثيرين، كمظلة غير قادرة على توفير الحماية والاستقرار، وسبباً لجذب عدم الاستقرار إلى الإقليم، مع تكريس واقع جديد يربط أمن إيران بشكل عضوي بأمن المنطقة. وهذا يضعف فكرة الحماية الأمريكية كما روج لها طويلا، ويفتح الباب أمام تفكير عربي وإقليمي أوسع في تنويع التحالفات، وبناء تكتلات داخلية أو صيغ أمنية أقل ارتهانا لواشنطن.
كذلك لم تنجح الحرب في عزل إيران، إذ كان أحد أهداف الحرب هو دفع إيران إلى الخروج من تموضعها الإقليمي وإعادتها إلى المربع الأمريكي، لكن صمودها النسبي جعل كلفة هذا الهدف أعلى، وأثبت أنها عقدة صلبة في خرائط الطاقة والممرات والصراع العالمي على النفوذ، وجعلها أكثر أهمية في حسابات القوى المناوئة للنفوذ الأمريكي، خصوصا روسيا والصين.
أما "إسرائيل"، فهي الطرف الذي تبدو خسارته الاستراتيجية الأعمق على الإطلاق
"إسرائيل" جعلت من فكرة اسقاط ايران او تغيير نظامها احد اهم أعمدة امنها القومي على الأقل خلال العقود الثلاث الماضية، كما انها دخلت مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر وهي تتوعد بتغيير الشرق الأوسط، لكن البيئة الاستراتيجية التي تشكلت بعد الحرب لا تبدو أنها تغيرت لصالحها، ومشروع التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية فقد كثيرا من جاذبيته السياسية في المنطقة، بينما تضررت بشدة صورة إسرائيل كقوة أمنية قادرة على توفير الاستقرار في المنطقة كما كانت تروج، لأنها ظهرت في نظر قطاعات واسعة من المنطقة والعالم كطرف مولد للحروب ومهدد للممرات والطاقة والاقتصاد العالمي.
بل إن الحرب أعادت طرح السؤال داخل السياسة الأمريكية نفسها حول حدود العلاقة مع "إسرائيل"، وهل يجب أن تظل مصالحها فوق حسابات أمريكا الأوسع.
"إسرائيل" أيضا لم تكن طرفا يشارك في صياغة الاتفاق، ومع ذلك قد تجد نفسها مطالبة بتحمل جزء من التزاماته، سواء تجاه إيران أو لبنان أو حتى في النقاشات غير المباشرة حول غزة والجنوب السوري المحتل. وهذا يضعها في موقع معقد، فهي قادرة على التصعيد، لكنها لم تعد حرة تماما في تحديد سقفه.
في الداخل الإيراني، لم تؤد الحرب إلى النتيجة التي راهن عليها أعداؤها. كان يمكن للحرب، نظرياً، أن تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو صراع قيادة أو تفكك في البنية السياسية. لكن لحظة الخطر الخارجي ساعدت على تحييد كثير من التناقضات، ومنحت النظام قدرة على إعادة تجميع الداخل حول معادلة البقاء.
لا يعني ذلك أن أزمات إيران الداخلية انتهت؛ لكن الحرب حيدت جزءا كبيرا من نقاط الضعف، إذ بدت البنية الداخلية أكثر تماسكا خلال الحرب، وأكثر قدرة على إنتاج بدائل قيادية من داخلها، خصوصا إزاء ملف خلافة المرشد والالتفاف السياسي والشعبي حول القوات المسلحة ومؤسسات صنع القرار.
كذلك لم تستخدم إيران كل أوراق قوتها، ومن ضمنها الحلفاء. فاليمن وباب المندب، ومعهما البحر الأحمر، كانت حاضرة كإمكان لم يستنفذ بالكامل. والجمع بين هرمز وباب المندب كان يمكن أن يرفع الحرب إلى مستوى أزمة ممرات عالمية مزدوجة. احتفاظ إيران بهذه الأوراق قد يكون نابعا من تقدير سياسي يرى أن التهديد المستقبلي لم ينته بعد، وأن أي انهيار لاتفاق الإطار قد يعيد فتح طبقات أوسع من الحرب.
الخلاصة أن مشروع الحسم فشل حتى الآن، وإيران خرجت متضررة لكنها لم تهزم، بينما خرجت أمريكا عاجزة عن فرض نهاية سياسية كانت تخطط لها. أما "إسرائيل" فقد خرجت أكثر قلقا لأنها عجزت عن تحقيق أهدافها، وفقدت جزءا من قدرتها على تسويق الحرب كطريق قادر على حسم الصراع في المنطقة.
لكن المشهد يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات. فنحن أمام مسار طويل ومن المبكر الحديث عن تسوية نهائية. يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى تهدئة ممتدة إذا نجحت المفاوضات في إنتاج ضمانات متبادلة، أو أن يبقى هدنة مؤقتة لإدارة الصراع دون عتبة الحرب، ويمكن أيضا أن ينهار كل ذلك إذا حاول أحد الأطراف خلط الأوراق والعودة الى الحرب.
لكن ما ثبت حتى الآن أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة قيد التشكل، وإن لم تتضح ملامحها بعد، وأن خيار الحسم العسكري لم يعد يحظى بذات الجاذبية كما كان من قبل، إذ لم يعد طريقا مضمونا لهندسة السياسة في المنطقة.
