الكاتب: سيف الدين موعد
الواقعية الهجومية نظرية في العلاقات الدولية صاغها الباحث الامريكي جون ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسات القوى العظمى" الصادر عام 2001. يرى ميرشايمر أن القوة الطامحة إلى السيطرة تسعى إلى تعظيم تفوقها ومنع ظهور منافسين إقليميين قادرين على تقييدها.
هذه النظرية تساعد على فهم سلوك "إسرائيل" كقوة مهيمنة في الاقليم تعمل تحت مظلة أميركية تكفل تفوقها العسكري، وتبني أمنها على إخضاع المجال المحيط بفلسطين وإبقائه عاجزاً عن إنتاج ردع مستقل أو نهضة سياسية وعسكرية متماسكة.
لذلك تقرأ حروب "إسرائيل" واتفاقاتها وتحالفاتها كمسار تراكمي متصل،يستهدف إخراج مراكز القوة العربية والإسلامية من معادلة المواجهة، وضرب اي قدرة صاعدة قبل اكتمالها، مع الاستثمار في التفكك الداخلي لتوسيع النفوذ والهيمنة.
في المقابل، تتصرف دول المنطقة بقدر خطير من التشتت وقصر النظر والتبسيط، فتتعامل مع كل ساحة تُستهدف كما لو أن سقوطها لا يتصل بأمن الساحات الأخرى..
فما فعلته "إسرائيل" منذ قيامها، وما تقوم به حالياً لا يبتعد عن إطار هذه النظرية، اي منع أي منافس إقليمي من بناء تفوق دائم، وضرب أي قوة صاعدة قبل اكتمالها، وهو أمر يفيد في توقع ما سيكون عليه شكل الصراع في السنوات والعقود القادمة ما لم تتغير الذهنية التي تتعامل معه.
وبدلاً من إبقاء الحديث في مستوى التوصيف العام، لا بد من استعادة الصراع العربي–الإسرائيلي في مساره التاريخي المتصل، لأن تفكيك هذا المسار إلى وقائع منفصلة يحجب وحدة المشروع الذي يحركه، ويخفي الصورة التي لا يراد لنا ان نراها كما هي؛ حلقات متتابعة في مسار واحد. فكيف تحرك هذا المسار وما الذي حققته "إسرائيل"؟
− احتلال فلسطين عام 1948 بعد الحاق الهزيمة بالدول العربية، واقتلاع الكتلة السكانية الفلسطينية وتشريد معظمها خارج أرضها، وتحويل القضية الفلسطينية إلى مأساة موزعة على دول الجوار ومجتمعات اللجوء.
− المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، بعد تأميم قناة السويس، لمواجهة مشروع ناصري كان يربط الاستقلال السياسي بالسيطرة على الموارد وبناء قوة عربية جامعة، وذلك لمنع نشوء مركز إقليمي قادر على تعبئة المجال العربي ضد "إسرائيل" والاستعمار الغربي.
− بناء تحالفات في الخمسينيات مع إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا، بهدف تطويق الحواضر العربية، وكسر عزلة إسرائيل الإقليمية.
− تطوير البرنامج النووي تحت غطاء الغموض الاستراتيجي، بما أتاح لـ"إسرائيل" امتلاك مظلة ردع نهائية وإفشال أي محاولة عربية أو إقليمية لبناء توازن استراتيجي.
− احتلال الضفة الغربية والقدس وغزة وسيناء والجولان عام 1967، بما منحها عمقا عسكريا وجغرافيا جديدا، ووضع الشعب الفلسطيني بكامله تقريبا تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر.
− تحويل الجولان المحتل إلى مرتكز استراتيجي دائم، وضمه لاحقا لمنع سوريا من استعادة حدودها الطبيعية وموقعها العسكري في مواجهة "إسرائيل".
− إخراج مصر من معادلة الصراع العربي - الإسرائيلي عبر كامب ديفيد عام 1978، وتحييد الجبهة العسكرية العربية الأثقل، ما أتاح لها توجيه كامل قوتها إلى الفلسطينيين والتفرغ للبنان وسوريا ولاحقاً إيران من دون احتمال قيام حرب عربية تقليدية شاملة تقودها القاهرة.
− ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، في تطبيق مبكر لعقيدة منع أي دولة عربية معادية من امتلاك قدرة استراتيجية يمكنها مستقبلا موازنة الاحتكار النووي الإسرائيلي.
− غزو لبنان عام 1982، وإخراج المقاومة الفلسطينية منه وفرض بيئة سياسية وأمنية ملائمة لـ"إسرائيل"، ثم إنشاء منطقة احتلال في جنوبه تشكل حاجزاً أمنياً تديره "إسرائيل" من الداخل بواسطة حلفاء محليين.
− مواصلة استهداف لبنان بعد تحرير جنوبه عام 2000 ومحاولة نزع قدرة المقاومة فيه، لمنع وجود قوة ردع لبنانية تقيد حرية "إسرائيل" في إعادة فرض المنطقة العازلة في الجنوب.
− الاستفادة الاستراتيجية القصوى من حصار العراق ولاحقاً تدمير دولته وجيشه بعد الغزو الأميركي عام 2003، إذ خرجت من المعادلة قوة عربية كبيرة كانت تملك الموارد البشرية والنفطية والعسكرية والموقع الجغرافي الذي يسمح لها بأن تتحول إلى ركيزة توازن مشرقي في مواجهة "إسرائيل".
− تحويل مسار أوسلو إلى إدارة فلسطينية مقيدة تحت سقف الاحتلال، وتوسيع الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة والسيطرة على القدس والحدود والموارد، وتحويل الزمن التفاوضي إلى وسيلة لتثبيت وقائع تمنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
− فرض الحصار على غزة وتدميرها عبر جولات عدوانية متتابعة، ثم الانتقال إلى حرب الابادة التي تستهدف تصفية مقاومتها ودفع سكانها نحو التهجير لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية ووضع مصر أمام تهديد مباشر في سيناء.
− توسيع الاستيطان والضم العملي في الضفة الغربية، بما يهدد الوجود الفلسطيني نفسه ويضع الأردن أمام خطر التهجير وإحياء التصورات التي تجعل الأردن ساحة لمعالجة نتائج المشروع الصهيوني في فلسطين (الوطن البديل).
− ضرب المنشأة النووية السورية عام 2007، ضمن القاعدة نفسها التي طبقت في العراق.
− استثمار الحرب الداخلية السورية وتفكك الدولة في ضرب البنية العسكرية السورية ومنع استعادتها، ثم التوسع في الجنوب السوري والمطالبة بمجال منزوع السلاح يمتد عميقا داخل سوريا.
− التدخل في البيئة الدرزية داخل سوريا تحت عنوان الحماية، ودعم قوى محلية في الجنوب السوري بما يتيح لـ"إسرائيل" بناء نفوذ محلي يعوق عودة الدولة السورية إلى حدودها الجنوبية، ويمنحها مبررا دائما للاحتلال والتدخل وفرض الوقائع الأمنية.
− دعم الانفصال الكردي في العراق علناً، والاستثمار في بعض القوى الكردية على تخوم العراق وسوريا وإيران وتركيا بما يوفر أداة ضغط على أربع دول يمكن أن تشكل، منفردة أو مجتمعة، تهديدا على المشروع الإسرائيلي.
− استهداف إيران بوصفها مركز الردع الإقليمي الأهم الذي بقي قادرا على إلحاق كلفة مباشرة بـ"إسرائيل"، عبر العمليات السرية والاغتيالات والتخريب والضربات العسكرية ثم الحروب المباشرة وتدمير منشآتها النووية، بهدف تقويض قدراتها وتفكيك خطوط الدعم في فلسطين ولبنان وسوريا، وترك "إسرائيل" أمام إقليم أشد انكشافاً لتفوقها.
− التربص بتركيا بوصفها قوة إقليمية صاعدة قد تتحول إلى منافس مباشر مستقبلاً، ولا سيما مع اتساع صناعتها العسكرية وحضورها في سوريا واهتمامها بفلسطين وشرق المتوسط، والعمل على تقييد نفوذها من خلال المجال السوري وتعميق الشراكات الأمنية والعسكرية مع اليونان وقبرص.
− إعادة إدخال مصر في التقديرات الأمنية الإسرائيلية بوصفها مصدر خطر محتمل رغم اتفاقية السلام، بسبب تعاظم قوة جيشها وحضورها في سيناء وأهميتها في البحر الأحمر.
− دعم الحركة الانفصالية في جنوب السودان والإسهام في تحويل الانقسام الداخلي السوداني إلى مكسب استراتيجي انتهى بقيام دولة في الجنوب متحالفة معها.
− استثمار العلاقة الاستراتيجية مع إثيوبيا ودعم سد النهضة المهدد للأمن المائي المصري، الذي تقوم عليه حياة مصر واقتصادها واستقرارها الداخلي، بما يخدم في إنهاك مصر وتقييد قرارها في القرن الأفريقي ومنع استعادة موقعها كمركز القوة العربية الأكبر.
− الإفادة من التفكك في السودان وليبيا وصعود القوى المحلية المسلحة والمدعومة خارجيا، بما يضعف الدولتين ويخلق تحديات في العمق الجغرافي والأمني لمصر، ويفتح أمام "إسرائيل" مجالا أوسع للنفوذ في حوض النيل والبحر الأحمر وشمال أفريقيا.
− الاعتراف بصوماليلاند وفتح نافذة نفوذ جديدة قرب باب المندب والبحر الأحمر، بما يخدم تطويق اليمن والتحكم بالممر البحري الحيوي المؤثر في أمن مصر والسعودية والتجارة الإقليمية.
− الاستفادة من شبكات النفوذ الإماراتية في جنوب اليمن وسقطرى والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث يؤدي دعم الكيانات الانفصالية والسيطرة على الموانئ والجزر إلى تفكيك الدول المطلة على الممرات الحيوية، وتهيئة بيئة أمنية وبحرية ملائمة لمصالح "إسرائيل".
− تحويل التطبيع إلى مشروع لإعادة هندسة الإقليم، يقوم على إدخال "إسرائيل" في الاقتصاد والطاقة والأمن والتكنولوجيا والممرات، بحيث تصبح "إسرائيل" مركز الشبكة الجديدة بينما تتصل بها الدول العربية بصورة منفردة ومن دون قدرة جماعية على فرض الشروط أو تحقيق التوازن.
− انتزاع ضمانة أميركية مؤسسية لحفظ التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي، وهو الإنجاز الذي يظلل كل ما سبقه ويلخص منطقه، بـ"إسرائيل" تريد أن تبقى متفوقة على كل دولة في المنطقة وعلى أي ائتلاف محتمل بينها، وأن يخضع تسليح خصومها وحلفاء واشنطن معا لهذا السقف.
لكن الحديث عما حققته "إسرائيل" منذ قيامها لا ينبغي أن يفهم وكأنه إقرار ببراعتها او تسليم بأنها قوة لا ترد ولا تهزم، فـ"إسرائيل"، مهما امتلكت من تفوق عسكري وتقني واستخباري، تقوم على جغرافيا محدودة العمق وقليلة الموارد البشرية والطبيعية إذا ما قورنت بالمجال العربي والإسلامي الذي زرعت في قلبه، وهي لم تتمكن من تحويل هذه المحدودية إلى نفوذ إقليمي واسع بدون الاندماج العميق في منظومة الهيمنة الغربية، وفي مقدمتها الدعم الأميركي.
لكن الدعم الخارجي، مهما بلغ حجمه، لا يفسر وحده القدرة الإسرائيلية، فما كان لها أن تحقق ما حققته لولا أن المنطقة نفسها قدمت لها شروط النجاح عبر عقود من التجزئة وسوء تعريف التهديد وتضارب الأولويات وإهدار الممكنات الذاتية.
قوة "إسرائيل" الإقليمية نمت داخل فراغ عربي وإسلامي راكمته سياسات تعاملت مع فلسطين على انها عبئ يمكن تحميله للفلسطينيين وحدهم، وتعاملت مع الساحات الاخرى باعتبارها مجالات منفصلة يصلح استنزافها مع توهم النجاة الفردية بمجرد تجنب الاصطدام المباشر او التقرب من الولايات المتحدة.
أنور السادات لخص العقيدة السياسية التي حكمت المنطقة لعقود، عندما اعتبر إن تسعة وتسعين في المئة من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة.
صحيح ان ثقل واشنطن واقع لا يمكن إنكاره، لكن ذلك لا يعني أن استعادة الحقوق يمر حصراً عبر الطرف الذي يسلح "إسرائيل" ويحميها ويضمن تفوقها، فالولايات المتحدة لم تكن وسيطاً، بل أدارت سياساتها ضمن قاعدة ثابتة تجعل أمن "إسرائيل" وتفوقها نقطة غير قابلة للمساومة، بينما حولت الحقوق العربية والفلسطينية إلى موضوع للتفاوض المفتوح بلا أجل ولا نهاية.
المأزق العربي والإسلامي لم يكن يوما في نقص الموارد أو انعدام الخيارات، فالمنطقة تملك كتلة بشرية وازنة وشابة وموقع جغرافي استراتيجي، وارث ثقافي وتاريخي وحضاري، ناهيك عن الثروة والطاقة والممرات والقدرات العسكرية والعلمية التي تمكنها من مواجهة مشروع الهيمنة الإسرائيلية.
المأزق كان دوماً في غياب تصور يجمع هذه الممكنات داخل مشروع واحد وتعريف مشترك للتهديد، وكان في توهم الدولة القطرية أنها تستطيع حماية نفسها بمعزل عن المجال الحيوي الذي يحميها، وفي الاعتقاد أن إضعاف المقاومة أو سقوط دولة مجاورة أو محاصرة قوة إقليمية منافسة قد يمنح الآخرين فرصة للسلام أو الازدهار.
النتيجة أن "إسرائيل" قاتلت كل ساحة وهي معزولة عن عمقها، فيما اكتفت الدول الأخرى، التي سيصلها آثار الخراب لاحقاً، بالمراقبة أو التكيّف أو البحث عن ضمانات من الجهة نفسها التي تحمي آلة الهيمنة الإسرائيلية.
إدراك ما حققته "إسرائيل" يجب أن يقود إلى استخلاص معاكس لمنطق الاستسلام، فإنجازات "إسرائيل" ليست قدرا لا يمكن رده، ولا حصيلة ميزان قوى لا يمكن تغييره، فأوراق القوة تُصنع حين تعرف الأمة عدوها المركزي، وتعيد ترتيب تناقضاتها وأولوياتها، وتحمي جبهات المقاومة بدل أن تحاربها، وتتعامل معها كخط دفاع عن أمنها القومي.
ميزان القوة يتغير عندما تبدأ الامة في بناء استقلالها الصناعي والعسكري والتقني، وعندما تبدأ في تحويل مواردها من عناصر مبعثرة إلى قوة سياسية واعية بهدفها، عندها فقط ينكشف الحجم الحقيقي لـ"إسرائيل": قوة خطرة ومدعومة وقادرة على الإيذاء، لكنها بنفس الوقت قوة طارئة لا تملك فرصة موضوعية لفرض مشروعها على المنطقة، إلا اذا سلمنا نحن بذلك.
