الكاتب: سيف الدين موعد
اختبرت مديرية الدفاع الإسرائيلية، بالتعاون مع وكالة الدفاع الصاروخي الأميركية وشركة رافائيل، منظومة الدفاع الجوي "مقلاع داود"، وذلك بعد التحديث العملياتي للمنظومة وتجربتها خلال الحرب على غزة. المتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية التي عممها للاستعمال الحر لوسائل الإعلام.
وصلنا إلى القول إن أخطر ما ينبغي الانتباه إليه في المشهد الراهن هو أن الصهيونية لم تعد تُتداول فقط عبر ناطقين بالعبرية أو صناع قرار في تل أبيب وواشنطن، بل أيضا عبر بعض الناطقين بالعربية، ممن يتبنون مقدماتها المعرفية والأخلاقية والسياسية، حتى وإن لم يعلنوا ذلك بهذه الصراحة. وأوضحنا كم هي مفارقة شديدة القسوة أن يقال إن الحرب على لبنان هي فرصة "لتحرير لبنان من حزب الله".
نأتي إلى ما يخص إيران، فنجد أن الخطاب الإعلامي المهيمن لا يخطئ فقط حين يختزل الصراع معها في بعد مذهبي أو قومي أو أمني محض، بل يخطئ، قبل ذلك، في طبيعة موقعه نفسه؛ فبدلا من بناء نقد عربي مستقل لإيران، ينطلق من مصالح الأمة ووحدة المصير ورفض الهيمنة والتوظيف السياسي، يتم تبني نقد جاهز مستورد من المراكز الفكرية والسياسية ومطابخ الدعاية الغربية.
هذا النقد لا يرى في إيران إلا خطرا فارسيا أو مشروعا مذهبيا أو أداة تخريب وزعزعة للاستقرار، ومن ثم يفتح الطريق آليا أمام اعتبار أي عدوان أمريكي-إسرائيلي عليها نوعا من "تصحيح المسار". وهنا يبلغ الاستلاب مداه؛ لأن هذا الخطاب لا يعود معبرا عن الخلاف مع إيران، بل يصبح جزءا من الدعاية التي أنتجتها "إسرائيل" والولايات المتحدة لتبرير العدوان عليها، بحيث يفقد بذلك استقلاله حتى في معارضته لإيران.
لا يعني هذا الدعوة لعدم نقد إيران أو الاعتراض على سياساتها؛ فإيران دولة لها مشروعها ورؤيتها الخاصة في المنطقة، وتعمل وفق ما تراه يصب في خدمة هذه الرؤية. لكن، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، فإن نقدها من موقع عربي تحرري شيء، والارتماء داخل خرائط الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية شيء آخر مختلف تماما.
النقد الأول يسأل: كيف تُبنى علاقة إقليمية عادلة لا تقوم على هيمنة طرف على آخر، وتؤسس لتفهم مصالح الآخرين وهواجسهم؟ أما الثاني فيسأل فقط: كيف نُضعف إيران ولو كان الثمن إطلاق يد "إسرائيل" في المنطقة كلها؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين وعي مقاوم ووعي مستلب وتابع.
ومن هنا ينبغي مد النظر إلى ما هو أبعد من إيران ولبنان؛ لأن الحرب -إذا قرئت بمنطق التاريخ والجغرافيا والسياسة- ليست إلا حلقة ضمن استهداف أكبر للمجال الممتد من الخليج إلى آسيا الوسطى، مع استعجال لاحق نحو الحواضر الكبرى الأخرى، مثل تركيا ومصر وباكستان.
ليس المقصود هنا أن هذه الدول ستتعرض جميعها صباح غد للعدوان العسكري نفسه، بل إن مشروع الهيمنة يعمل على منع أي تبلور إستراتيجي بينها، أو بينها وبين ما حولها؛ فالخليج ممنوع عليه أن يكون مركزا مستقلا بأمنه وثرواته، وآسيا الوسطى يجب أن تبقى موزعة النفوذ ومنسلخة عن إيران لمنع تشكل شبكة أوراسية أكثر استقلالا، وتركيا يجب أن تُضبط كلما اقتربت من بناء كتلة صناعية-عسكرية مستقلة وعمق إقليمي فعال.
أما مصر، فممنوع أن تستعيد ثقلها التاريخي، بحيث تبقى منشغلة بأزماتها الداخلية ومكبلة اقتصاديا وسياسيا، ومحاطة باضطرابات مجاورة تضعفها وتعطل اتصالها بعمقها الإستراتيجي، والأمر كذلك ينسحب على باكستان كقوة نووية وجسر بين جنوب آسيا والعالم الإسلامي.
وحتى الجهود الدبلوماسية الجارية نفسها تكشف وعيا بعمق الأزمة وخطورتها؛ إذ تتحرك تركيا وباكستان والسعودية ومصر في محاولات لاحتواء التصعيد وتداعياته، ما يدل على أن الحرب تمس توازنا إقليميا أعمق بكثير من السردية الإعلامية المختزلة.
هنا تحديدا يتكشف قصور العقل السياسي لهذه النخب؛ فهو ينظر إلى كل واحدة من هذه الحواضر كأنها ملف منفصل، بينما خصوم المنطقة يدركون أنها في مجموعها تكون إمكانا جيوسياسيا هائلا إذا تحركت بحد أدنى من التماسك. وهذا هو السبب في أن إسرائيل لا يجب التعامل معها كدولة تبحث عن الأمن، بل كرأس حربة لمشروع يريد أن يُبقي كل ما حوله في حالة استنزاف وتفتت وضعف.
والأخطر أن بعض الإعلام العربي لا يكتفي بالتعامي عن رؤية هذه الصورة، بل يشارك في محوها وتشويهها؛ إذ يطلب من المتلقي العربي أن يفكر في كل ساحة على حدة.
بهذه اللغة، يُدفن المجال الإستراتيجي الواحد، ويُنتج وعي قطري ممزق ومقطوع عن الأمن القومي العربي والمجال الإسلامي الأوسع، بل إن هذا الإعلام يذهب، في أحيان كثيرة، إلى ما هو أخطر، من خلال شيطنة أي حديث عن وحدة المصير، باعتباره أيديولوجيا أو شعارات خشبية أو نزعة أممية تقوض الدولة الوطنية. وهنا تُرتكب أكبر عملية قلب للمفاهيم؛ لأن الدفاع عن العمق الإستراتيجي لا يتناقض مع الوطنية ولا يبتلع الخصوصيات، بل يحميها ويمنع تحويلها إلى جزر معزولة سهلة الافتراس.
وما يسمى "الواقعية" في خطاب هذه النخب ليس، في كثير من الأحيان، إلا اسما مهذبا للخضوع لميزان القوى القائم كما هو، من دون أي محاولة لفهم شروط تغييره.
ومن المدهش أن هذا كله يحدث في لحظة تاريخية تتآكل فيها الشرعية الأخلاقية للغرب نفسه أمام أعين العالم؛ فحرب الإبادة على غزة أحدثت صدمة أخلاقية عميقة في قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية نفسها، وكشفت بصورة فاضحة انهيار الخطاب الحضاري والإنساني المزدوج، الذي طالما تسترت خلفه منظومة الهيمنة، كما أن صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة و"إسرائيل" وأجزاء من أوروبا أسقط كثيرا من الأقنعة؛ لأن المشروع الغربي لم يعد مضطرا حتى إلى تمثيل الأخلاق التي كان يدعيها.
ومع ذلك، تصر نخب عربية مستلبة على التعلق بهذه البنية الأخلاقية المتداعية، وكأنها ما زالت تمتلك القدرة على منح الشرعية أو سحبها. هنا تبلغ المأساة ذروتها؛ فبينما يكشف الغرب عن وجهه الحقيقي، لا تزال بعض النخب العربية تحاول التستر عليه أو استعارة لغته لتأديب مجتمعاتها.
وعليه، فإن نقد خطاب هذه النخب تجاه العدوان على إيران ولبنان يجب أن يذهب أبعد من كشف تناقضاته اليومية؛ فهذا الخطاب تورط في الكذب الفج، وفي الانتقائية التي تشوه مركز الرؤية.
صحيح أن هذا الخطاب لا يقول مباشرة إن "إسرائيل" بريئة، لكنه يجعلها خارج الصورة التفسيرية ويفصلها عن إطار فهم الأحداث، كما يعامل الولايات المتحدة كفاعل في الوساطة أو ضابط للتصعيد. وهذا الخطاب نفسه يجعل المقاومة أول سؤال وآخر سؤال، وكأنها هي المسؤولة عن العدوان، وهو المنطق ذاته الذي يُستخدم مع إيران، وبدلا من أن يصرح بأن إيران هي العدو المركزي، يتلاعب في ترتيب الأولويات بحيث تصبح كذلك في وعي المتلقي.
هذه البنية الخطابية خطيرة، لأنها تعيد تربية الوعي على قبول الهزيمة والضعف وتجميلهما بمساحيق ليبدوا كأنهما حكمة وتعقل، بحيث يصبح الاستسلام للإملاء الخارجي شكلا من أشكال الوطنية الرشيدة.
وعليه، فالسيطرة لا تمارس فقط بحاملات الطائرات والعقوبات الاقتصادية، بل أيضا بإنتاج الاستعداد لتقبلها عبر إعادة تشكيل اللغة، وتزييف هوية العدو، وتحويل المجتمعات من فاعل تاريخي إلى جمهور خائف يطلب الحماية من جلاده. لذلك، فإن أخطر ما في المشهد العربي الراهن هو نجاح العدو نسبيا في زرع مخيلته داخل عقول بعض نخب المنطقة؛ بحيث باتت تتكلم لغته حتى وهي تظن نفسها تدافع عن أوطانها.
والنتيجة أن الحرب الجارية، على قسوتها، كشفت أزمة أعمق من أزمة السلاح والتحالفات والدبلوماسية؛ لقد كشفت عن أزمة وعي تاريخي لدى جزء كبير من النخب العربية، أزمة فهم لمعنى الأمة كوحدة مصير تتحرك داخل فضاء جيوسياسي واحد، وقصور في فهم منطق الاستعمار كحقيقة مستمرة، تتحرك داخلها "إسرائيل" بوصفها وظيفة متقدمة ورأس حربة لا فكاك إلا بمواجهتها.
كذلك، كشفت هذه الحرب أن الصهيونية لم تعد تدار من خارج فضاء المجال العربي، وإنما من داخله بلسان عربي يعيد تعريف الهزيمة باعتبارها سياسة وعقلانية، ويضع الضحية في قفص الاتهام، بينما يصور المقاوم كمغامر يورط المنطقة في أكلاف وأعباء يجب التخلص منها.
هذه السردية الإعلامية النكدة لا يمكن تجاوزها من خلال تعديل نبرة الخطاب؛ لأن العطب الحقيقي في البنية التفسيرية وفي المنطلقات الفكرية الفاسدة التي تتحكم بها. التجاوز يبدأ عندما نتخلى عن اللغة التي ترى في الحرب على أي بلد في المنطقة العربية، ومجالها الإسلامي الأوسع، ملفا معزولا أو شأنا داخليا؛ فأمن المنطقة لا ينفصل عن منع احتكار "إسرائيل" للقوة، والقانون الدولي ليس إلا أداة محدودة التأثير داخل ميزان القوى الذي يجب بناؤه والتعويل عليه والعض عليه بالنواجذ.
ومن دون هذا التحول سنبقى نتلقى كل حرب جديدة كأنها مفاجأة، ونستهلكها بخطاب مجزأ، ثم نخرج منها أكثر تفككا، بينما يواصل أعداؤنا قراءة المنطقة، كما هي، مجالا واحدا ينبغي إخضاعه وتفكيكه بالتدرج، أو تحويل بعض ناطقيه بالعربية إلى وسطاء محليين في عملية إعادة إنتاج خرائط الهيمنة.

