Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الإمبراطورية تتراجع وشعوب تقاتل وتصنع التاريخ

فلسطين اليوم

الكاتب: خالد بركات

لم يعد الحديث عن تراجع الإمبراطورية الأمريكية مجرد تحليل أكاديمي يخضع لعلم المستقبليات كما كان الحال قبل عقدين، بل أصبح واقعًا تفرضه التحولات الميدانية وصمود الشعوب في مواجهة الهيمنة. وإذا كان ثمة درس للتاريخ فإنه درس صعود وأفول الدول الكبرى التي تولد وتهرم وتموت، مثل البشر، فالإمبراطوريات ليست قدراً أبدياً. وقد سعت الولايات المتحدة بعد انتهاء "الحرب الباردة" إلى محاولات فرض نظام أحادي القطب يقوم على التدخل العسكري المباشر والهيمنة الاقتصادية والإخضاع السياسي، بل خرج من يقول لنا إننا وصلنا إلى "نهاية التاريخ" إلا أن الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات كبرى وأزمة عميقة وحروب في الداخل والخارج تهزّ أركانها وتؤسس لمقدمات انهيارها كقطب أوحد. فالثابت الوحيد في مجتمعات البشر تظل ديمومة الحركة، أي التدافع – الصراع -التطور.

لقد كشفت الحروب التي خاضتها واشنطن وأداتها "إسرائيل"، من حرب العراق إلى الحرب في أفغانستان، حدود القوة العسكرية، حيث تحولت هذه الحروب إلى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق الأهداف المعلنة والسرية، بل أسهمت في تعزيز قوى المقاومة وتقويض صورة "القوة التي لا تُهزم". وبرغم "انتصار" الرأسمالية على المعسكر السوفياتي لم تهدأ عجلة العدوان، بل تضاعفت حروب أمريكا ضد الشعوب بعد تسيدها على العالم. 

في المقابل، يتشكل عالم جديد على أنقاض الأحادية القطبية، مع صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، وعودة روسيا كلاعب دولي مؤثر، وتحفز قوى إقليمية كبرى مثل إيران والهند وتركيا والبرازيل وجنوب افريقيا وغيرها ما يعكس تحوّلًا في موازين القوة نحو نظام أكثر تعددية وأقل خضوعًا للإملاءات الأمريكية. فضلاً عن نتائج الحرب العدوانية على إيران التي لم تأت رياحها وفق ما تشتهيه السفن الأمريكية، بل ستخرج الجمهورية الإسلامية من هذه الحرب مصابة بالجروح، ولكن كقوة أساسية مركزية في غرب آسيا والعالم. 

إن الوقائع أكثر حدة ووضوحًا. فاستمرار حرب الإبادة في غزة، والدعم الأمريكي المفتوح للعدو الصهيوني، كشفا للعالم الوجه العنيف الوحشي للهيمنة حين تفقد قدرتها على فرض السيطرة ولو عبر التدمير الشامل. في الوقت ذاته، سقطت مقولات الديمقراطية وحقوق الانسان والقيم الغربية، وكشفت حقيقة أن المواجهة مع إيران وحلفائها لا تحسم الصراع، وأن للقوة حدودًا، والتفوق العسكري لا يعني القدرة على تحقيق أوهام "الانتصار الساحق" و"النصر الحاسم".

إن صورة "إسرائيل" وفي القلب منها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أصبحت مؤشراً على تراجع الإمبراطورية ومحط تشكيك في الداخل الأمريكي، بعد أن كانت من مسلمات السياسة الأمريكية والأوروبية. هذه العلاقة أصبحت في أسوأ أوضاعها، ولن يكون سهلاً ترميم صورة أمريكا، ولا صورة الأنظمة العميلة التابعة للمركز الامبريالي والتي أصبحت هي الأخرى مكشوفة أمام شعوبها، كما لم يعد في وسع الدول الصغيرة الرهان على حماية أمريكية أو التلطي خلف مشاريع التطبيع مع كيان العدو. 

فما يجرى من صراع مع إيران شكّل لحظة كاشفة لانكسار وهم السيطرة المطلقة. فالقوة لا تُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل باتت ترتبط بعوامل أعمق، في مقدمتها حقائق الجغرافيا ومجرى التاريخ والجبهة الثقافية وتوافر الإرادة السياسية والتنظيم. تجلّى ذلك بوضوح في "أزمة مضيق هرمز" الذي يشكل شريانًا حيويًا لنحو 20% من الطاقة العالمية، حيث تحوّل إلى عنصر ضغط استراتيجي قادر على إرباك الحسابات الدولية دون إطلاق رصاصة واحدة. الأمر الذي يذكر بحرب فيتنام ومعركة السويس 1956 ونتائجها الاستراتيجية بالنسبة لمصر. إذ يمكن للقوى الاستعمارية أن تربح كل معركة عسكرية غير أنها في نهاية الأمر ستخسر الحرب. 

إلى جانب ذلك، برز عامل لا يقل أهمية: تعميق الوحدة الشعبية والمشاعر القومية والثقافية والدينية في مواجهة الغزو، وهذه كلها أسلحة تضاف إلى ميادين القتال، فعلى الرغم من التباينات السياسية تجاه النظام الإيراني، أظهر الرأي العام تماسك جبهة الداخل وكذلك على مستوى العديد من الشعوب والبلدان الإسلامية حيث ظهر تعاطفًا واسعاً مع إيران في مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية، ما يعكس أن الصراع لم يعد محصورًا بين دول وجيوش، بل بات يمتد إلى وعي الشعوب واصطفافها. فالأمم التي تبحث عن حماية مقدراتها واستقلالها الناجز تستعيد أسلحة الجغرافية والتاريخ وتدرك أن عليها الصمود والصبر إن أرادت أن تبقى وتنتصر.

وفي موازاة ذلك، تتسع التناقضات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم، حيث لم تعد القوى الغربية، وخاصة في أوروبا، قادرة على الانخراط الكامل في السياسات الأمريكية دون حسابات متعارضة، ما يكشف تصدعات داخل المنظومة الغربية التي قادت النظام الدولي لعقود. لم تدخل هذه الدول "الحرب المباشرة" ضد إيران، ليس لأنها انحازت للعدالة، وما يسمى القانون الدولي بقدر ما انحازت لمصالحها أولاً، لم يعد من مصلحة أوروبا وكندا وضع كل بيضها في السلة الأمريكية. 

داخليًا، تتآكل الولايات المتحدة بفعل أزماتها البنيوية: استقطاب سياسي حاد، أزمات اقتصادية واحتقان اجتماعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات. وهذه ليست مجرد أزمات عابرة، أو مشكلة إدارة وحسب، بل تعبير عن خلل أعمق في النظام الرأسمالي ذاته. فالولايات المتحدة اليوم تعاني من تفاقم الدين العام الذي وصل إلى 39 ترليون دولار. وما الحديث عن قوة الاقتصاد الأمريكي سوى وهم يحاول البعض تسويقه. إن الهوة بين طبقة الـ 1 % الحاكمة وبين عموم المجتمع تتسع وتكبر في وتيرة غير مسبوقة، وتتعرض "الطبقة الوسطى" إلى سقوط في قاع السلم الطبقي الاجتماعي دون توفر شبكة حماية. 

ورغم استمرار تفوقها العسكري والمالي، تعجز الولايات المتحدة في فرض إرادتها. معايير القوة لا تقاس فقط بالسلاح، بل بقدرة المشروع السياسي على إنتاج وتجديد شرعيته وقواه ومؤسساته، وهي شرعية زائفة تتآكل تحت وقع الحروب والمجازر وسطوة البنوك والشركات الكبرى العابرة للحدود ومنظومة التقنية الجديدة التي تدفع بملايين العمال إلى الفقر والشارع والعراء. 

إن ما يجعل قوى مثل حزب الله وحماس وأنصار الله، وغيرها من القوى العربية والإسلامية التي تواجه المشروع الأمريكي–الصهيوني، تحظى بحضور دولي متزايد وتكتسب حاضنة شعبية أممية، هو قدرتها على تقديم نماذج ثورية حيّة تؤكد أن الشعوب قادرة على المواجهة والصمود، رغم اختلال موازين القوة.

إن ما نشهده من تراجع لقوى الاستعمار ليس سقوطًا مفاجئًا، بل نتيجة حتمية لتراكمات مسار التآكل التاريخي لإمبراطورية المال التي قامت على أنقاض السكان الأصليين والشعوب، وتواجه مقاومة وصعود قوى جديدة. وبينما تحاول واشنطن إبطاء هذا التراجع عبر التصعيد والمزيد من التوحش في الداخل والخارج، فإن ملامح عالم جديد تتشكل، وفي هذا السياق، لا يعود السؤال: هل تتراجع الإمبراطورية الأمريكية؟ بل: كيف تعيد الأمم صياغة موازين القوة والنظام العالمي الجديد ما بعد الإمبراطورية الأمريكية.