بعد أسابيع من انشغال العالم بتداعيات الحرب بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، عاد ملف غزة تدريجيًا إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي، عقب الإعلان عن وقف إطلاق نار مؤقت بين الجانبين، وما تداولته بعض وسائل الإعلام عن منح ما يسمى بـ"مجلس السلام" حركة حماس مهلة 90 يومًا لتسليم سلاحها.
تهدئة على المحك
يرى متابعون أن التهدئة المؤقتة بين طهران وواشنطن لم تُنهِ حالة التوتر في المنطقة، خاصة وأن "تل أبيب" أعلنت عدم شمول لبنان في الاتفاق فيما أكدت الجمهورية الإسلامية أن استثناء لبنان سيؤدي إلى تجدد القتال.
وما لبث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أعلن عن التوصل لاتفاق مع طهران، حتى بدأت الغارات الإسرائيلية المكثفة على مناطق عدة في لبنان، ما وصفه محللون بأنها محاولات إسرائيلية لتخريب اتفاق التهدئة ومحاولة نتنياهو التغطية على فشله في الحرب على إيران بعد اتهامات واجهها من مسؤولين إسرائيليين كبار بأن الحرب لم تحقق أيًا من أهدافها.
غزة خلال الحرب على إيران
منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، تواصلت الخروقات الإسرائيلية بشكل متكرر، ومع بدء الحرب على إيران كثّف الاحتلال الإسرائيلي من عمليات القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع مستغلًا انشغال العالم بملفات أخرى، ما أدى ذلك إلى ارتقاء عدد من الشهداء بشكل شبه يومي. وبحسب آخر إحصائية منسوبة إلى وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفع عدد الشهداء نتيجة هذه الخروقات إلى 72,312 شهيدًا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع.
عودة بعروض جديدة
عودة غزة إلى الواجهة لا تبدو هذه المرة عودة إنسانية فقط، بل عودة سياسية وأمنية بامتياز. فبدل أن يقتصر الحديث على وقف العدوان، أو فتح المعابر، أو إدخال المساعدات، بات النقاش يتمحور حول مستقبل السلاح، وهوية السلطة الحاكمة، وشكل الترتيب الأمني داخل القطاع.
وفي هذا السياق، قدّم ما يسمى بـ"مجلس السلام" عرضًا جديدًا للفصائل الفلسطينية يتم بموجبه نزع سلاح المقاومة مقابل انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي إلى محيط القطاع وتأمين غزة بشكل ملائم ضد أي "تهديد" وإعادة الإعمار بمشاريع تبلغ 70 مليار دولار للمناطق المنزوعة السلاح وتهيئة الظروف اللازمة لمسار موثوق يفضي إلى حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
بين الضغوط الدولية والحسابات الإقليمية
يرتبط هذا التطور أيضًا بجملة من التفاهمات غير المعلنة التي قد تكون بدأت تتشكل بعد التهدئة الإيرانية–الأميركية. إذ تشير تقديرات سياسية إلى أن خفض التصعيد الإقليمي يفتح المجال أمام القوى الكبرى للانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة النتائج، وهو ما ينعكس مباشرة على ملف غزة.
في المقابل، لا يبدو أن مسألة سلاح المقاومة تُطرح في فراغ، بل تأتي ضمن ضغوط مركبة تمارسها أطراف عدة، بعضها يسعى إلى تحييد غزة أمنيًا، وبعضها الآخر يربط أي انفراج سياسي أو اقتصادي داخل القطاع بإعادة هندسة الوضع العسكري فيه.
غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع شديد التعقيد، يتمثل في أن سلاح الفصائل ليس مجرد ملف أمني، بل قضية ذات أبعاد وطنية وسياسية وشعبية، ترتبط بطبيعة الصراع مع الاحتلال، وبالانقسام الفلسطيني الداخلي، وبسؤال الشرعية والتمثيل في مرحلة ما بعد الحرب.
اللجنة الوطنية لإعادة إعمار غزة… وعود متراكمة وآمال معلقة
ورغم ما تتحدث به وسائل الإعلام المختلفة عن جهود مبذولة لإعادة الإعمار وتحسين الوضع المعيشي لسكان القطاع إلا أنه على أرض الواقع لم يشهد الغزيين أي تحسنٍ على أوضاعهم الصعبة بل وأنها ازدادت سوءًا، فما تعهدت به اللجنة الوطنية لإعادة إعمار غزة من توفير 3500 كرفان (بيوت جاهزة متنقلة مجهزة للسكن) لسكان القطاع وتوزيع ما يتراوح بين 300 إلى 500 دولار لمئتي ألف عائلة غزاوية إلا أن الكثير من الأسر التي دُمّرت منازلها أو تضررت ممتلكاتها ما تزال تنتظر تعويضات أو حلولًا دائمة، وبين تكرار التعهدات وتباطؤ التنفيذ، تحوّل ملف الإعمار بالنسبة لآلاف الغزيين من وعد بالاستقرار إلى حالة انتظار طويلة وآمال معلّقة
الشارع الفلسطيني… بين القلق والترقب
على المستوى الفلسطيني، يراقب الشارع هذه التطورات بحذر شديد، في ظل مخاوف من أن تتحول قضية السلاح إلى مدخل لفرض حلول سياسية أو أمنية لا تعكس الأولويات الوطنية، ولا تأخذ بعين الاعتبار حجم الدمار والمعاناة الإنسانية في القطاع.
كما أن توقيت إثارة هذا الملف، في ظل استمرار آثار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المجتمع الدولي يسعى فعلًا إلى إنهاء المأساة في غزة، أم إلى إعادة إنتاجها ضمن صيغة أكثر ضبطًا وتحكمًا.
ومع الحديث عن مهلة 90 يومًا لتسليم السلاح، تدخل غزة مرحلة سياسية شديدة الحساسية، قد تحمل معها محاولات لإعادة رسم المشهد الفلسطيني بالكامل، وسط أسئلة مفتوحة حول مدى إمكانية فرض مثل هذه الشروط، وحول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى تسوية حقيقية أم إلى جولة جديدة من الصراع بصيغة مختلفة.

