الكاتب: يسري الغول
كان من الواضح لصاحب كل بصيرة، أن يبصر انهيار الاستعمار النيوليبرالي رغم استعراض القوة الذي يمارسه ورغم البلطجة التي ظهرت بشكل فج مع وصول ترامب إلى السلطة.
ولقد كتبنا كثيرًا للأنظمة العربية والنخب التي توالي تلك الأنظمة من أن المتغطي بأميركا عريان، وأن بقاء القواعد الأميركية في المنطقة لن يجر سوى الوبال على الجميع، حيث إن تلك القواعد تشكل مستعمرات صغيرة، لأجل المزيد من السيطرة جيوبوليتيكيًا على كل الموارد الطبيعية العربية، وليس لحماية الأنظمة أو البلدان العربية كما توهم البعض، وللأسف دفعت المنطقة العربية وما زالت أثمانًا لمعارك بين خصوم مختلفين على أرضها، رغم أنه كان بإمكانها العمل على تصفير المشكلات مع دول الجوار والبناء معهم، بدلًا من صناعة أعداء وهميين نتيجة اختلاف فكري أو مذهبي، والتخندق خلف القضية الفلسطينية، فهي البوصلة الحقيقية للحرية والإنسان.
وكثيرًا ما أتساءل: ماذا لو كان هناك محور خليجي مصري تركي إيراني؟
ماذا لو كان هناك جسم حقيقي يتمثل بمنظمة المؤتمر الإسلامي، ودمج باكستان وأفغانستان وغيرها من بلدان العالم الإسلامي في محور ينافس الغرب؟ ثم ماذا عن جامعة الدول العربية التي لم تتحرك لأجل غزة كما يجب؟ لماذا هذا التهاوي والخذلان؟ نساق إلى المجزرة والحروب الداخلية بحماسة، بينما نقف عاجزين عن محاربة العدو الحقيقي المتمثل في "إسرائيل".
وها نحن اليوم نجدد الكتابة حول تهاوي الولايات المتحدة الأميركية، كمركز وحيد وقادر على فرض الشرعية على النظام الدولي لا كدولة قوية، خصوصًا مع ظهور العديد من الأعراض التي برزت خلال الحرب على إيران وتداعياتها على العالم، والأفول هنا يظهِر مدى اختفاء القوة لتلك الولايات في فتح مضيق، ثم العجز في انسياب التجارة بسبب صلابة الموقف الإيراني، وتهاوي الأحلاف وشرعية النظام الدولي، حيث إن الجمهورية الإسلامية في إيران باتت قادرة على تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز ورفع الكلفة فيه، وترامب يحاول استفزاز العالم لمشاركته الحرب على إيران بعد إداركه لحجم الورطة التي أوقعه فيها نتنياهو، إلا أن الحلفاء خرجوا بتصريحات علنية من أن هذه الحرب ليست حربهم، كما أن أحدًا لم يقم باستشارتهم لارتكابها، ولعل تصريحات رئيس الوزراء الإسباني وكذلك المستشار الألماني واليابان واضحة، كما أن مهاجمة ترامب للناتو دليل على بشائر الأفول.
ربما يعرف معظم الكتاب والمحللين السياسيين أن الإمبراطورية الرأسمالية تقوم على الأسواق المفتوحة والممرات الآمنة أكثر من الغزو المباشر لشعوب وبلدان العالم، وقد كانت إيران تفهم ذلك جيدًا، حيث عمدت إلى ضرب الشحن والطاقة وسلاسل الإمداد كي يُطعن قلب النظام المتبجح بسيطرته على مناطق صناعة القرار، وها هو الحوثي اليوم يتمم خارطة القوة بإعلانه دخول الحرب، حيث إن باب المندب لم يعد ممرًا آمنًا يمكن المرور فيه، لإظهار وحدة محور المقاومة وإعادة إنتاج حضوره الإقليمي، لا كما أشاعت دولة الاحتلال من انهيار تلك الأجسام الفاعلة في الإقليم، خصوصًا مع عودة حزب الله إلى الصدارة مشاركًا في الحرب ضد دولة الاحتلال التي بالأصل لم تلتزم بأي اتفاق مع لبنان أو غزة.
وبعيدًا من الحرب الدائرة في لبنان، وكذلك مواطن القوة التي برزت مع قدرة إيران في التصدي لكثير من الطائرات، وكذلك قوة الرصد الاستخباري لحرس الثورة، إلا أن الفكرة المركزية التي يذهب إليها هذا المقال تتمثل في عجز النظام العالمي عن حماية نفسه، من توفير الطاقة، وعجزه عن حماية السفن في المضائق والبحار والمحيطات، ولهذا يجب الإيمان أن تلك الامبراطوريات تبدأ بفقدان وظيفتها التاريخية عند العجز، فالمسألة إذًا ليست في السلاح، بل في من يستطيع تأمين السيطرة وحماية التجارة العالمية في أحلك الظروف.
ولعل وجود ترامب عجل في انكشاف البعد التحالفي الهش للإمبراطورية النيوليبرالية، وفي الوقت نفسه أيضًا يكشف تفكك الإطار الغربي نفسه، وقد قالت مديرة مركز التجارة العالمي مؤخرًا إن النظام العالمي قد يتغير بشكل لا رجعة فيه، والاتحاد الأوروبي يتحدث عن خطط بديلة، إذا ما تعطل الإصلاح متعدد الأطراف، ما يؤكد أن هناك أزمة في القواعد العميقة والمؤسسات ذات الثقل في الولايات المتحدة وأوروبا، وليس فقط في القضايا العسكرية فقط.
فالحلفاء بدأوا بشكل واضح يتحوطون من الولايات المتحدة الأميركية حين وقع مع أستراليا اتفاق تجارة ودفاع مع ترتيبات أوسع في التجارة الرقمية، وهي بالمعنى الحقيقي ليست قطيعة مع أميركا، ولكنها بالتأكيد بداية خروج تدريجي من الاعتماد على مركز واحد.
باختصار، لا تتهاوى الولايات المتحدة اليوم كدولة قوية، وإنما كنظام أصابه العجز بعد عقود من السيطرة على العالم، لانقياده خلف "إسرائيل" التي باتت تشكل عبئًا على حلفائها، حيث لم يعد قادرًا على فرض المعنى والشرعية والانضباط على النظام الدولي، بل بات أداة تعطيل وإعاقة، في الوقت الذي ستخرج فيه قوى أخرى، أكثر اتزانًا في التعامل مع الشرق الأوسط، وربما أكثر كراهية لدولة الاحتلال.
المصدر: موقع الميادين

