يواصل رئيس حزب «أزرق أبيض»، عضو الكنيست الإسرائيلي بيني غانتس، النأي بنفسه عن المعارضة والتميّز عنها، ورفع شعار الوحدة، إلى جانب الإدلاء بتصريحات عنصرية ضد الأحزاب العربية، في محاولة لإنقاذ نفسه سياسيًا، في ظل استطلاعات رأي متتالية تتنبأ له بسقوط مدوٍّ.
وفي حديث للقناة 12 العبرية، قال غانتس ليلة الأربعاء إنه يفضّل التخلّص من بنيامين نتنياهو، لكن في حال أفرزت الانتخابات المقبلة نتائج مغايرة، فإنه يؤيد تشكيل حكومة وحدة من دون حزب "القوة اليهودية" برئاسة إيتمار بن غفير، ومن دون مشاركة الأحزاب العربية.
وحمل غانتس على المعارضة برئاسة يائير لابيد، وقال إنه لا يرى نفسه جزءًا منها، كما هاجم شريكه حتى وقت قريب عضو الكنيست غادي آيزنكوت، متهمًا إياه بالبحث عن الحسم والتغلّب على المعسكر الآخر بدل السعي إلى ما يوحّد الإسرائيليين.
وقال غانتس إن عدم مشاركته في حكومة نتنياهو الحالية ينطوي على خطأ سياسي، كما أن انسحابه منها بعد انضمامه إليها غداة الحرب شكّل هو الآخر خطأً، زاعمًا أن عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين أول/ أكتوبر ما كانت لتحدث لو كان شريكًا في الحكومة.
وفي ما يتعلق بإيران، قال: «على إسرائيل أن تقدّم مساهمتها في إسقاط النظام في إيران».
وقبل ذلك، أطلق غانتس حملة دعائية شملت شريط فيديو عنصريًا يعتمد لغة التحريض على المواطنين العرب في الكيان الإسرائيلي، والترهيب المبطّن منهم، ضمن مساعٍ لشيطنتهم والتماهي مع موجات العنصرية المتصاعدة في البلاد.
وفي شريط الفيديو، دعا إلى تشكيل حكومة من الأحزاب اليهودية فقط، وقال إنه لا يمكن الاعتماد على الأحزاب العربية، مدّعيًا أن "حكومة التغيير" برئاسة لابيد ونفتالي بينيت امتنعت عن اتخاذ قرارات مهمة بسبب مشاركة "القائمة العربية الموحدة" برئاسة منصور عباس في الائتلاف من خلال دعمه من الخارج.
وكان المعلّق السياسي في القناة 12 العبرية بن كاسبيت، الذي حاور غانتس، قد هاجمه، وقال في مقاله المنشور في صحيفة معاريف، الخميس، إن غانتس لا يفقه في السياسة شيئًا، ولا يفهم أن الصراع القائم في "إسرائيل" اليوم ليس بين يمين ويسار، بل بين ديموقراطية ودكتاتورية.
وحمل رئيس المعارضة يائير لابيد على غانتس، شريكه الحزبي السابق وزميله في المعارضة، وقال إن تصريحات غانتس حول جاهزيته لمشاركة نتنياهو في حكومة جديدة من دون بن غفير ومن دون العرب "لا تعكس الواقع السياسي والأمني في البلاد"، متهمًا إياه بالعمل على خدمة نتنياهو.
ومن جهته، رد حزب "أزرق أبيض" على تصريحات لابيد، متهمًا إياه بتضليل الرأي العام، مشيرًا إلى أن حكومة التغيير التي ترأسها لم تنجح في تمرير منح دراسية للجنود بسبب الشراكة مع حزب "الموحدة".
ودفع هذا التراشق عددًا كبيرًا من المراقبين والمحللين السياسيين المحليين إلى القول إن المعارضة تظهر مجددًا في حالة تفكك، وإن ذلك يساعد نتنياهو على الفوز في الانتخابات المقبلة بعد أشهر، من دون التعلّم من تجارب وأخطاء الماضي، ولا سيما التورط في حروب "الأنا" المتضخمة.
وكان رئيس "القائمة الموحدة"، النائب منصور عباس، قد سُئل من قبل القناة 12 العبرية حول تصريح غانتس الداعي إلى استثناء "الموحدة" وبقية الأحزاب العربية، فقال: "لم آخذ تصريحات غانتس إلى القلب".
وردًا على سؤال حول رأيه في غانتس، قال: "هو رجل طيب".
واعتبر مراقبون أن عباس قدّم ردًا أنيقًا وذا بعد تكتيكي، كونه تحاشى الصدام مع غانتس، بهدف حرمانه من تسجيل نقاط لدى أوساط إسرائيلية يمينية تهتم بالتوترات بين اليهود والعرب.
غير أن زميله في "الموحدة"، النائب وليد طه، تحفّظ على هذا الرد، وقال إن ما قاله غانتس عنصري وخطير، وموجّه للإسرائيليين طمعًا في رفع منسوب الشعبوية على أكتاف العرب وحسابهم.
كما تحفّظ طه على مقولة زميله منصور عباس، مشيرًا إلى أن تصريحات غانتس وأشرطة الفيديو التي نشرها ليست رسالة شخصية لعباس حتى يُقابلها بهذا الرد اللطيف.
وقال رئيس تحالف الجبهة/التغيير، النائب أيمن عودة، تعليقًا على عنصرية غانتس، إن المواطنين العرب في الكيان الإسرائيلي، الذين يشكّلون 20 في المئة من السكان، سيخرجون إلى صناديق الاقتراع ويشاركون في يوم الانتخابات، رغم التحريض، والعنصرية المنفلتة والكراهية والإهمال.
وأكد عودة أن فلسطينيي الداخل لا يستمدون شرعيتهم من غانتس أو لابيد أو أي سياسي آخر يشارك في إقصائهم، مشددًا على أن هذه الشرعية تنبع من كونهم مواطنين بحق، وليس بهبة من أحد.
وأضاف: "من دوننا لا يمكن بناء بديل حقيقي لحكومة بن غفير وسموتريتش ونتنياهو. بالشراكة العربية اليهودية سنحسم، ونبني ديمقراطية حقيقية تقوم على مواطنة متساوية بين اليهود والعرب، ومستقبل من السلام بين الشعبين، ومستقبل أفضل وأكثر عدلًا للجميع".
وقال عودة إن منصور عباس يتصرّف وكأنه حمامة سلام، ويسعى إلى تطويع كل شيء من أجل الدخول في الائتلاف المقبل، وإن كانت مقولته لا تخلو من لدغة موجهة إلى غانتس.
وشنت صحيفة هآرتس العبرية حملة واسعة على غانتس، وقالت في افتتاحيتها اليوم إن منصور عباس ردّ برد نبيل على فيديو غانتس الذي يفيض بالفوقية اليهودية، مؤكدة أن غانتس لا يستحق هذا الرد النبيل، وأن عليه أن يأخذ الفيديو إلى القلب، لأنه موجّه إليه مباشرة.
وأضافت الصحيفة أن غانتس عزف على وتر الخوف، واستبدل الخوف بكراهية للعرب، ويعمل وفق مطبخ الحاخام العنصري الراحل مئير كهانا.
وتحت عنوان "191 سم من الكاهانية"، عبّرت هآرتس عن خيبة الأمل من غانتس، طويل القامة وقصير القامة السياسية، وخلصت إلى القول إنه لا خيار لليمين المتطرف في الكيان الإسرائيلي من دون المواطنين العرب، ولا مستقبل للكيان من دون شراكة حقيقية بين اليهود والعرب، معتبرة أن من لا يرى ذلك ليس معارضة، ولا يستحق استبدال الحكومة.
وقال المعلّق البارز في الصحيفة أوري مسغاف في تحليله اليوم إن الحملة الانتخابية التي أطلقها غانتس غير أخلاقية وغبية، وغير مجدية انتخابيًا، معتبرًا أنه حفر قبره السياسي بيده.
وذكّر بجحود غانتس، إذ سبق أن أوصت عليه الأحزاب العربية لدى رئيس الكيان الإسرائيلي لتشكيل حكومة عام 2020، وفشل في ذلك.

