كشف مقال للكاتب الفرنسي إينياس دال عن مسار طويل ومدروس في سياسة الكيان الإسرائيلي يقوم على التلاعب بالأقليات في الشرق الأوسط واستثمارها كأدوات ضغط جيوسياسي لإضعاف الدول العربية المحيطة به، باعتبارها حليفا محتملا في مواجهة العرب "العدو المشترك".
ويرى الكاتب -في مقاله المطول بموقع أوريان 21- أن هذه السياسة ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى بدايات الحركة الصهيونية، وتستمر اليوم بوتيرة أشد في ظل الحروب الأخيرة في غزة ولبنان وسوريا.
منذ ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي، انشغل قادة الحركة الصهيونية -حسب الكاتب- بفكرة توظيف الأقليات غير العربية في المنطقة كقوة مساندة للمشروع الصهيوني، دون أن تولي اهتماما جديا للعلاقات المستقبلية مع العرب
وقد بدا هذا التوجه واضحا -حسب الكاتب- حيث احتل لبنان موقعا خاصا في التفكير الصهيوني، فقدم حاييم وايزمان، أحد أبرز مهندسي المشروع الصهيوني وأول رئيس للكيان، خريطة عام 1919، يتوسع فيها الكيان المنشود حتى نهر الأولي شمال صيدا، وفعلا أمر جيش الاحتلال سكان جنوب لبنان بالتوجه شمال النهر نفسه في الحرب الأخيرة عام 2024.
ولم يكترث وايزمان بسيادة لبنان، فزعم أمام ممثلي بريطانيا وفرنسا أن مياه نهر الليطاني "لا فائدة" منها لسكان لبنان الذين يعيشون شماله، وأن هذه المياه "لن تفيد" سوى من يعيشون جنوبه، أي ضمن حدود الكيان المستقبلية.
لكن الضغوط اللبنانية، بقيادة البطريرك الماروني إلياس الحويك، ممثل لبنان لدى عصبة الأمم والداعي إلى استقلاله، أحبطت الطموحات المبكرة، لتعود لاحقا بأشكال أكثر تعقيدا في ظل تفكك المنطقة بعد الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
ومع ذلك لم يصبح لبنان هدفا فعليا للاحتلال إلا بعد هزيمة 1967، فهو لم يشارك في حرب 1948، وكان مستوى المعيشة فيه شبيها بمستواها في الكيان آنذاك.
وفي ظل الخرائط التي رسمتها بريطانيا وفرنسا لتفتيت المنطقة على أسس طائفية وعرقية، كان من الطبيعي أن يحاول المشروع الصهيوني استثمار هذا التشرذم لصالحه.
وبعد حرب 1967، أصبح لبنان هدفا مركزيا للاحتلال، فلعبت تل أبيب دورا بارزا في إضعاف الدولة اللبنانية في بداية السبعينيات، بدعم أطراف محلية وإذكاء الانقسامات، وصولا إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
وشهد لبنان منذ ذلك الحين تدخلات واسعة من الكيان، كغزو 1978 واجتياحه عام 1982، وحصار بيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا، ودعم إنشاء جيش لبنان الجنوبي عام 1978، كقوة تابعة للاحتلال أدت دور "الوكيل العسكري" حتى انهيارها عام 2000.
وفي العقود الأخيرة تكرر المشهد، فشهد لبنان غزوا جديدا عام 2006، ثم حربا كبيرة عام 2024، خلفت دمارا واسعا وشللا سياسيا.
أما بعد انتخاب الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في مطلع 2025، فقد بقيت "إسرائيل" على موقفها المتصلب، مدعومة بغطاء أميركي وصمت فرنسي، في ظل ضغوط واشنطن على بيروت لنزع سلاح حزب الله دون مطالبة الكيان بوقف اعتداءاته.
لم يقتصر "التحرك الإسرائيلي" على لبنان -حسب الكاتب- ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، وبعد انهيار نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد ووصول الرئيس الحالي أحمد الشرع إلى السلطة، شنت "إسرائيل" أكثر من 300 غارة جوية في ساعات قليلة، مستهدفة مواقع عسكرية ومنشآت إستراتيجية سورية.
ووسع الكيان سيطرته في الجولان، ومنع الجيش السوري من الاقتراب جنوب دمشق، ليصبح واضحا أنه يستغل اللحظة السورية الأكثر ضعفا منذ عقود لفرض واقع إستراتيجي جديد دون اكتراث بالحدود أو السيادة.
ويبرز المقال دور "الدعاية الإسرائيلية" في بناء رواية موجهة للغرب، فوفقا للباحث الفرنسي كريستيان سالمون، أصبحت غزة "مختبرا للسردية الجيوسياسية"، حيث تحول المجازر إلى "نزاع معقد"، والضحايا إلى "إرهابيين"، والشهود إلى "معادين للسامية".
وقد وصف المفكر إدوارد سعيد في السبعينيات العلاقة "الإسرائيلية" العربية بأنها علاقة متجذرة في الظلم التاريخي، يقدم فيها العرب دوما كتهديد، ويصور الفلسطيني كمتطفل بلا جذور، والعربي كشبح دموي يعطل "الديمقراطية الإسرائيلية".
وبالمثل، يجري تهميش معاناة السوريين واللبنانيين وطمس سياق التدخلات الإسرائيلية، لصالح رواية تجعل الكيان "دولة دفاعية" محاط بالأعداء، كما يقول الكاتب.
ويعرض المقال ما يعرف بعقيدة الأطراف التي أسسها رئيس وزراء الاحتلال الأول ديفيد بن غوريون، التي تقوم على بناء تحالفات مع دول غير عربية في المنطقة كإيران قبل الثورة وتركيا وإثيوبيا، ومع الأقليات داخل الدول العربية مثل الأكراد والدروز والموارنة ومسيحيي جنوب السودان، من أجل تطويق العالم العربي وإرباكه.
ويرسم الكاتب صورة تاريخية للعلاقة المعقدة بين الكيان والدروز، كدعم بعض عشائرهم للدولة منذ 1948، مقابل منحهم امتيازات خاصة، ولكن التوترات عادت للواجهة أخيرا بسبب مصادرة 80% من أراضيهم في الجليل والتمييز في البنية التحتية، وقانون "الدولة القومية" الذي جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.
كما أثارت جرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية -يتابع دال- غضبا داخل المجتمع الدرزي، ومع ذلك تدخل الاحتلال عسكريا في يوليو/تموز 2025، في سوريا بذريعة "حماية الدروز" في السويداء خلال اشتباكات داخلية
ويعيد المقال التذكير باتصالات الكيان القديمة بأكراد عراقيين، ودورها في دعم تمردهم لإشغال الجيش العراقي في الجبال، ومنع بغداد من الانخراط في حروب ضد "إسرائيل".
كما يشير الكاتب إلى وجود قواعد استخبارية للاحتلال في كردستان العراق، رغم تراجع الثقة الكردية بعدما اختار الكيان التطبيع مع دول عربية بدل دعم طموحات بعض الأكراد، على حد تعبيره.
يرى محللون أن "عقيدة الأطراف" لم تختف، بل أعادت تشكيل نفسها بانفتاح "إسرائيلي" على جنوب السودان وإثيوبيا وليبيا، إضافة إلى التركيز المتواصل على الأقليات في المنطقة.
ويعكس تصريح وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 هذا التوجه حين قال، إن "إسرائيل" ستظل دائما أقلية في الشرق الأوسط، مما يجعل التحالف مع الأقليات خيارا إستراتيجيا مستمرا.
وخلص إينياس دال إلى أن السياسة الإسرائيلية تهدف في جوهرها إلى منع أي دولة عربية مجاورة من التعافي سياسيا أو اقتصاديا، وإلى استغلال الانقسامات الطائفية والعرقية، ثم استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل التوازنات، لإظهار الكيان كقوة إقليمية يخشى جانبه.
وانتهى المقال بتسجيل تاريخ طويل من تدخلات الكيان في لبنان وسوريا وفي قضايا الدروز والأكراد، من منطلق عقيدة إستراتيجية ثابتة، تقوم على إضعاف المحيط العربي بتفكيك مجتمعاته، ودعم أقلياته وتوظيفها كأدوات نفوذ، بهدف ضمان "تفوق إسرائيلي" دائم في الشرق الأوسط.

