كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن وزيرة المواصلات في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ميري ريغيف، قامت بزيارة سرية لدولة الإمارات، عقدت خلالها اجتماعات مطولة مع مسؤولين كبار في هيئة السكك الحديدية الإماراتية، في محاولة لإعادة إحياء مشروع "سكة السلام" الذي يربط أبوظبي بميناء حيفا عبر السعودية والأردن.
وبحسب الصحيفة، فإن الزيارة جرت بعيداً عن الإعلام ومن دون أي إعلان رسمي، خلافاً للزيارات السابقة التي كانت تُنشر صورها فوراً على حسابات الوزيرة، ما أثار أسئلة واسعة عن طبيعة الملف الذي يجري نقاشه وسبب التعامل معه بسرية بهذا الحجم.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاجتماعات التي عقدت جاءت في وقت حساس يشهد تنافساً دولياً على السيطرة على ممرات التجارة الجديدة بين آسيا وأوروبا، وفي ظل محاولات عدة دول، أبرزها تركيا وفرنسا، للدفع باتجاه مسار بديل يتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكدة أن المشروع الذي توقف تنفيذه قبل عامين بفعل الحرب على غزة، لم يتجمد اقتصادياً، رغم تجمده سياسياً.
فالإمارات، بحسب الصحيفة، واصلت مباحثاتها المستمرة مع الهند والسعودية والأردن بشأن مستقبل الربط البري - البحري.
وتقوم الفكرة الأساسية للمشروع على نقل البضائع القادمة من الهند إلى ميناء أبوظبي، ثم تحميلها على قطار سريع يمر عبر دبي والسعودية والأردن، وصولاً إلى ميناء حيفا، ومن هناك تشحن بحراً إلى أوروبا والولايات المتحدة.
أي إن المشروع يدمج بين النقل البحري والربط البري، ويعيد تنظيم حركة التجارة بين جنوب آسيا وأوروبا عبر مسار جديد يقلل الاعتماد على المسارات التقليدية. وتتقاطع هذه الرؤية مع مشروع "الممر الاقتصادي الهندي - الشرق أوسطي - الأوروبي"، الذي أُعلن في قمة العشرين عام 2023، والذي يشمل شبكات سكك حديدية، وموانئ، وكابلات اتصالات، وخطوط طاقة.
وتعتبر "سكة السلام"، وفق "يديعوت أحرونوت"، جزءاً رئيسياً من هذا الممرّ، ولا سيما أن المرور عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة يعد أقصر طريق بين الخليج والبحر المتوسط. لكن المشروع واجه عقبة كبيرة بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما ترتب عنها من تغير في علاقات المنطقة بعد حرب الإبادة الجماعية التي شنّتها "إسرائيل" على قطاع غزّة لنحو عامين متواصلين، وتباطؤ مسارات التطبيع، وارتفاع كلفة المخاطر، وتململ بعض العواصم من تحويل "إسرائيل" إلى عقدة لوجستية لا يمكن تجاوزها.
تقول "يديعوت أحرونوت" إن "إسرائيل" تنظر إلى المشروع باعتباره "فرصة استراتيجية"، لإعادة تشكيل موقعها داخل شبكات التجارة العالمية. فالمسار يمنح ميناء حيفا دوراً لوجستياً متقدماً، ويعزز قدرته على جذب شركات الشحن، ويزيد من قيمة الاستثمارات في الموانئ، ويرسخ حضور "إسرائيل" في سلاسل الإمداد الإقليمية، مع تقليص أثر الاضطرابات المتكررة في البحر الأحمر على حركة البضائع. وهذه المكاسب، وفق الصحيفة، لا تقاس بالعائدات المالية وحدها، بل بما تخلقه من ترابط اقتصادي مع دول الخليج يجعل من التعاون التجاري واقعاً يصعب التراجع عنه، حتى لو تغيرت الظروف السياسية.
لكن هذا التفوق المحتمل ليس مضموناً، إذ تشير الصحيفة إلى قلق متصاعد داخل الدوائر الإسرائيلية من احتمال تجاوز "تل أبيب" في المسار لصالح خطوط بديلة تدفع بها تركيا وفرنسا، تعتمد على مرور الممر التجاري عبر سورية ولبنان بدلاً من حيفا.
وترى الصحيفة أن تحقق هذا السيناريو سيكون بمثابة ضربة استراتيجية لكيان الاحتلال، لأنه يضعف مكانة حيفا ميناءً محورياً بديلاً، ويقلل من أهمية البنى التحتية البحرية والبرية التي عملت "تل أبيب" على تطويرها خلال العقد الأخير، فضلاً عن تقليص وزنها في ممرات التجارة بين آسيا وأوروبا.

