Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الصراع على رسم ملامح الوضع في غزة بعد الحرب

فلسطين اليوم

الكاتب: إبراهيم نوار

تسعى حكومة نتنياهو بكل الطرق، إلى إعاقة دور مركز التنسيق المدني العسكري الذي يتم تشكيله حاليا للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والمساعدة على استقرار الإدارة في القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وإقامة وضع جديد يسمح بالبدء في إعادة البناء وإعمار ما خربته حرب الإبادة، وفق شروط تسمح بعودة أهالي غزة إلى ممارسة الحياة الإنسانية التي يستحقونها بعد طول عناء وتضحيات، لم يقدم مثلها شعب في سبيل حريته في تاريخ البشرية. ولأسباب كثيرة منها وجود مركز التنسيق المدني – العسكري في داخل إسرائيل، وطبيعة العلاقات العضوية بين القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط CENTCOM والجيش الإسرائيلي، ترى الحكومة الإسرائيلية أن لديها فرصة كبيرة لتشكيل الدور الذي يقوم به المركز وفق ما تهوى، ويتضح ذلك في عدة مجالات منها، تحديد الأولويات، بتقديم مهمة نزع سلاح حماس، وجعل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح، والتدخل في تحديد جنسية القوات، التي يمكن أن تشارك في قوة تحقيق الاستقرار في القطاع، وتحديد ما يتم السماح بإدخاله من المساعدات الإنسانية إلى غزة كما وكيفا.

في حقيقة الأمر تسعى "إسرائيل" إلى مصادرة الدور الذي يجب أن يقوم به مركز التنسيق، كما حدده اتفاق شرم الشيخ. هذا الموقف الإسرائيلي يجب على الدول العربية المعنية، تحييده بالطرق كافة، من خلال آليات التفاوض والاتصالات والتنسيق مع الولايات المتحدة والمنظمات المدنية والدولية، التي لا تزال تعمل في غزة، ونقصد بتلك الدول تحديدا مصر وقطر والسعودية إضافة إلى تركيا.

وحتى يتسنى للطرف العربي – الإسلامي القيام بدور إيجابي في تشكيل ملامح واقع ما بعد الحرب في غزة، يتعين الحرص على التنسيق مع الولايات المتحدة عن قرب، مهما كانت الصعوبات، من أجل ضمان تحييد تأثير الدور الإسرائيلي، والمشاركة بقوة في وضع جدول أعمال مركز التنسيق، وتحديد أولوياته، بما يرفع أهمية دوره في ضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والتأكيد على تقديم الاحتياجات العاجلة للفلسطينيين في السنة الدراسية الجديدة، وفي فصل الشتاء المقبل، إضافة إلى المشاركة الجادة في جهود الإعمار، ووضع جدول زمني لإعادة بناء الأحياء السكنية المدمرة وتيسير عملية الانتقال السياسي في غزة.

وعلى الرغم من الدور البناء الذي تقوم به الدول العربية والإسلامية حتى الآن، فإن القدرة على صنع ملامح الحياة في مرحلة ما بعد الحرب في غزة يمكن تعزيزها بالمزيد من التنسيق بين تلك الدول، وحماس والمجتمع المدني في قطاع غزة، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى المعنية بتقديم المساعدات والمساهمة في خطة للإعمار في غزة. وهناك قضايا تحتاج إلى المزيد من العمل، من أجل وضع حد للتدخل الإسرائيلي في تدفق المساعدات، وإعادة بناء الوضع الإنساني.

ولا تزال "إسرائيل" تحاول من وقت لآخر التدخل من خلال إغلاق المعابر، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى السماح لجيش الاحتلال الإسرائيلي بشن هجمات عسكرية مميتة على الفلسطينيين، تسببت في استشهاد العشرات، وتجديد المخاوف من احتمال سقوط وقف إطلاق النار واستئناف الحرب والتهديد بتوسيع نطاق المنطقة، التي لا تزال خاضعة لسلطة جيش الاحتلال، والتي تزيد مساحتها عن نصف المساحة الكلية للقطاع، وتمثل حصارا كاملا مفروضا على ما تبقى من المساحة.

وفي مقال كتبه الدكتور زكي شالوم (27 من الشهر الماضي) دعا إلى ضرورة الوقوف في مواجهة واشنطن، التي يرى من وجهة نظره أنها تحاول وضع تل أبيب تحت سيطرتها. وأعاد شالوم في مقاله ما ذكره نتنياهو في خطابه أمام الكنيست من أن «إسرائيل ليست محمية أمريكية، وأنها وحدها من يقرر كيفية تحقيق أهدافها الأمنية».

وكان نتنياهو قد قال في خطابه الافتتاحي للدورة الشتوية للكنيست: «لم يتخلَّ أعداؤنا عن طموحهم في تدميرنا. لقد تلقوا ضربات موجعة، وهم يلعقون جراحهم ويستعدون للمواجهة المقبلة. يجب أن نكون مستعدين لذلك، بقوة وحكمة، لضمان بقاء الشعب اليهودي آمناً في وطنه». وتعليقا على ذلك قال شالوم إن هذه الكلمات لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد أكثر من عامين من الحرب، يعترف بأن «إسرائيل لم تنجح في بناء رادع موثوق ضد أعدائها»، ويلمح من وراء ذلك إلى ضرورة أن تستعد "إسرائيل" للمواجهة المقبلة، وأنها يجب أن لا تسمح باستمرار وجود سلاح حماس، أو التغاضي عن البنية العسكرية الفلسطينية.

ويجب أن يكون واضحا لنا كذلك، أن "إسرائيل" اعتادت في كل حروبها على الدول المجاورة ألا تنسحب من الأراضي كافة التي وقعت تحت سيطرتها. وهذا هو حال الوضع في لبنان وسوريا والضفة الغربية على سبيل المثال.

وفي هذا السياق من الضروري عدم إفساح المجال أمام الاحتلال الإسرائيلي للاستمرار في احتلال مناطق يريدها أن تصبح «حزاما أمنيا»، على حساب سيادة قطاع غزة ومصالح الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق فإن الدول العربية والإسلامية يجب أن تشجع أطرافا دولية أخرى منها، الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والصين وروسيا على بلورة مشروع قرار يتم تقديمه لمجلس الأمن الدولي بخصوص تحديد ملامح الوضع النهائي في غزة بعد الحرب، مع ضمان تأييد الولايات المتحدة لمشروع القرار حتى لا يسقط ضحية للفيتو الأمريكي.

مشروع القرار المقترح، يجب تأسيسه على ما جاء في اتفاق وقف إطلاق النار، وتأكيد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ووضع خطة زمنية لتحقيق ذلك، وأن تتضمن ديباجة مشروع القرار ما يمكن اعتباره إطارا سياسيا للوضع في غزة بعد الحرب، من حيث تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والحصول على حريته وسيادته. ولا تخفي "إسرائيل" معارضتها لقرار من هذا النوع، يجعل الأمم المتحدة طرفا لاتفاقية سلام في غزة.

إن أي اتفاق للسلام في غزة يجب أن يستوفي شروط إنهاء الاحتلال والحصار، وتأكيد سيادة الشعب الفلسطيني على أرضه وتوفير مقومات الحياة الكريمة، وتأكيد مسؤولية إعادة الإعمار، ومن الضروري عدم التردد في تحميل إسرائيل مسؤولية التعويضات الواجبة للشعب الفلسطيني، عما تعرض له من المآسي خلال حرب الإبادة. وأظن أن دورا تلعبه الأمم المتحدة في رسم ملامح الحياة في غزة بعد الحرب، مهما كان رمزيا أو معنويا، من شأنه أن يساعد الأطراف الأخرى على مواجهة ما تحاول إسرائيل فرضه من ضغوط على مركز التنسيق المدني والعسكري في غزة. كما أن دور الأمم المتحدة من شأنه أن يعيد الاعتبار للدور الذي يمكن أن يلعبه الرأي العام العالمي في السياسة الدولية.

وقد انطلق عدد من صناع الرأي العام الإسرائيلي، منهم مئير شبات رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، والبروفيسور زكي شالوم الأستاذ في جامعة بن غوريون، والدبلوماسي الأمريكي ديفيد شينكر، في طرح أفكار تتعلق بالدور الإسرائيلي في مواجهة دور مركز التنسيق. بن شبات دعا صراحة (27 من الشهر الماضي) إلى أن تبادر "إسرائيل" بإعادة رسم الواقع على الأرض «بدلا من انتظار الاتفاقيات والآليات» وتضمنت مقترحاته «اقتحام أنفاق حماس هجوما، لا ردا على الأذى الذي يُلحق بنا فحسب»، حسب تعبيره. وقال «إذا أردنا تجنّب الخسائر (يقصد البشرية)، يُمكننا إعلان تحذير مُسبق. وقال «يجب أن نستغلّ ضعف موقف حماس، ووجود جميع الرهائن الأحياء في "إسرائيل". من شأن هذا النهج أن يُعزز موقف "إسرائيل" والوسطاء التفاوضي بشأن نزع السلاح». ويعتبر بن شبات أن مسألتي نزع سلاح حماس وجعل غزة منطقة منزوعة السلاح هما الشرط الأولى لإعادة تشكيل الحياة في غزة، قبل أي شروط أخرى.

وفي جانب آخر من السياق نفسه كتب الدبلوماسي الأمريكي ديفيد شينكر (24 من الشهر الماضي) صاحب الخبرة الطويلة في الشرق الأوسط، مؤكدا ضرورة نزع السلاح في غزة ولبنان، لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، بل إنه أصدر حكما قاطعا بقوله: «لن يكون هناك سلام، ولا سيادة، ولا إعادة إعمار في لبنان ما بعد الحرب دون مصادرة أسلحة حزب الله». ووصف شينكر الوضع في غزة بقوله «لا تسير الهدنة بين إسرائيل وحماس على ما يرام» في إشارة إلى ضرورة تقديم أولوية نزع سلاح حماس وجعل غزة منزوعة السلاح على ما عداها. وبالنسبة للفلسطينيين والدول العربية المعنية، فإنه من الضروري عدم تنشيط سياسة «طرق الحديد وهو ساخن» في مواجهة الرؤية الإسرائيلية للوضع في غزة بعد الحرب، وعدم السماح لها بأن تعيق دور مركز التنسيق المدني – العسكري.

*كاتب مصري