Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الجولة الأولى من الحرب الإسرائيلية الإيرانية: في الدروس الممكن استخلاصها

فلسطين اليوم

الكاتب: د. باسم القاسم

ما إن وضعت الحرب الإسرائيلية الإيرانية أوزارها، حتى اشتعلت عدة نقاشات وبرزت تساؤلات وملاحظات حول هذه الجولة من الحرب. من المبكر الإحاطة بالنتائج والتداعيات الشاملة لهذه الحرب، لكن نستطيع القول أن هناك العديد من الدورس التي من الممكن استخلاصها، أبرزها:

أولاً: ما زال مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي يقوم على مبدأ "الضربة الاستباقية"، والذي يرتبط بانعدام العمق الاستراتيجي (الجغرافي) لـ"إسرئيل"؛ وقد جاءت الضرب الاستباقية لإيران ضمن مبدأ "الحرب الوقائية"، حيث رأت "إسرائيل" أن طهران باتت على مسافة قريبة من امتلاك قدرة تصنيع القنبلة النووية بعد أن رفعت تخصيب اليورانيوم إلى درجة 60%؛ وبالتالي فإن الحرب مع طهران أصبحت وفق المفهوم الأمني الإسرائيلي حرب "اللاخيار" ضد تهديد وجودي.

ثانياً: سعت "إسرائيل" من خلال هذه المواجهة إلى ترسيخ مبدأ "الردع بالمنع"، وهذا المبدأ يقوم على إفهام الخصم أن ما يقوم به من مراكمة القوة والقدرة العسكرية بهدف استخدامها ضد "الكيان"، لن يجلب له منفعة، وإنما عوائد تزيد في الضرر والخسائر التي ستلحق به، ومن جهة أخرى فإن موقف الردع الإسرائيلي المحدد، قد تمحور حول مفهوم وضع "خطوط حمر" واضحة المعالم، سيؤدي تجاوزها إلى رد فعل عسكري حازم، وهذا المبدأ تحقق من وجهة نظرة إسرائيلية من خلال استخدام القوة وعدم الاكتفاء بالتحويح بها. ووفق العقيدة الأمنية الإسرائيلية، القائم على مبدأ التفوق العسكري لتحقيق الإنتصار العسكري؛ فإن "الجيش القادر على الانتصار تكون لديه قابلية الردع، ولكي يُفلح الردع؛ فإن القوة العسكرية لن تفي وحدها، بل ينبغي أن يلازمها مصداقية استخدامها دون تردد، وفي الوقت الملائم، وبطريقة حاسمة" وفي هذا السياق يشير القائد العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي يسرائيل طال إلى أنه "إذا لم يكن الردع كافيا-عليه أن يحسم. لن نضع القدرة على الردع في مقابل القدرة القتالية، بل اعتبرنا الردع والحسم وجهين للعملة نفسها، فالردع ليس قضية تضليل بل هو سند مع تغطية".

من هنا برزت استراتيجية الردع القائمة على استخدام القتال لتدعيم الردع بدلا من استخدام الردع لتفادي القتال، ولكن نجاح هذه الاستراتيجية قائم ومروهون بشرطين؛ الأول، قدرة "إسرائيل" الفعلية، والثاني، تصور أعدائها لتقدرتها هذه.

ثالثاً: حاولت "إسرائيل" تعويض ضعف "العمق الاستراتيجي" الذي تعاني منه بسبب صغر مساحتها الجغرافية، من خلال تدعيم مبدأ الإنذار الاستخباراتي المبكر أي "العمق الاستخباري" عن طريق زرع شبكات تجسس، واستقطاب عملاء لها داخل الأراضي الإيرانية، كان لها الدور الأكبر في إنجاز الضربة الاستباقية الأولى، من خلال رصد مواقع الدفاعات الجوية الإيرانية والقيام باستهدافها بواسطة المسيرات الهجومية؛ ما أحدث حالة من الفوضى والاضطراب داخل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية في بداية الحرب، كما ساعدت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة برصد وتتبع الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي استهدفت العمق الإسرائيلي؛ ما أسهم في التصدي لها والحد من فاعلية الهجمات الإيرانية.

رابعاً: كان للحرب السيبرانية والدفاع السيبراني حضوراً وازناً في هذه الحرب؛ حيث شنت "إسرائيل" كما إيران عدة هجمات متبادلة استهدفت الجبهة الداخلية والدفاعات الجوية لدى الطرفين؛ كما كان لافتاً للنظر توظيف الذكاء الصناعي في العمليات العسكرية الإسرائيلية؛ خصوصاً عمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات في الحرس الثوري الإيراني وعلماء نوويين إيرانيين.

خامساً: أظهرت هذه الحرب مدى تفوق سلاح الجو الإسرائيلي في ضرب العمق الإيراني، كما أظهرت قدرة الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية في تخطيها الدفاعات الجوية الإسرائيلية وضرب العمق الإسرائيلي، بالإضافة إلى تحسن دقة إصابتها للأهداف بشكل ملفت للنظر.

سادساً: بالرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي، إلا أن هذه المواجهة رسخت مبدأ الاعتماد الإسرائيلي على الحليف الأمريكي كركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الإسرائيلي؛ فبدون الدعم الأمريكي ما كان لـ"إسرائيل" أن تقدر على خوض هذه الحرب، كما يصح الأمر نفسه في حالة الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة؛ لكن هنا لا بد أن نشير إلى أن التطور الصناعي الإسرائيلي واستمرار التفوق العسكري في المنطقة مرهونان بعلاقتها مع الإدارات الأمريكية وحجم المساعدات الأمريكية الكبيرة لها، فعلى الرغم من مردوداتها الإيجابية يشكل هذا الأمر في الوقت نفسه، نقطة سلبية داخل القوة العسكرية الإسرائيلية باعتبارها قوة غير مستقرة ذاتياً عن العون الخارجي (قوة مستعارة)، الأمر الذي دفع بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين للدعوة إلى التقليل من اعتماد الكيان على الولايات المتحدة، أو تنويع مصادرها العسكرية، لقد تزعم هذا الاتجاه الجنرال يسرائيل طال سابقاً والعديد من الاستراتجيين الإسرائيليين حالياً.

سابعاً: كشفت الحرب أن الخطابات الدبلوماسية، والمفاوضات، والجلسات الأممية، قد لا تعني بالضرورة منهجا إستراتيجيا يتبناه الغرب للاحتواء، بل قد تعني مرحلة تكتيكية تنتظر الظروف المناسبة لشن الهجمات المباغتة. وعلى هذا ينبغي لإيران وقوى المقاومة أن تستعد دائماً للحرب بغض النظر عن الخطاب السياسي الأمريكي والغربي، فالغرب دائماً ما يتحين الفرص لاستعمال الوسائل الخشنة ولا يلجأ للوسائل الناعمة أو الشروع في تسويات إلا إذا تيقن أن الطرف الآخر استعد جيدا للحرب، وهنا يتأكد المنطق الذي يقول "إذا أردت أن تمنع الحرب فعليك أن تستعد لها وتلوّح بالشروع بها".

ثامناً: على ضوء ما سبق (سابعاً)، فعلى إيران والقوى المقاومة أن تعيد قراءة المشهد الاستراتيجي من جديد، فإن عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر 2023، أحدثت فرص تجلت من خلال ضعف الاستعداد الإسرائلي للحروب المباغتة، لم تستطع أن تستغلها باقي قوى محور المقاومة زمنياً، فإن التردد في الانخراط المباشر والوازن (أي الحرب الشاملة المتزامنة)، بغض النظر عن مسألة عدم التنسيق المسبق للعملية، ساعد على الاستفراد الإسرائيلي بقطاع غزة، ثم بحزب الله في لبنان، أتبعها بحرب على إيران. إن الأثمان التي كان من الممكن أن تدفعها هذه الأطراف لو انخرطت بالمعركة منذ البداية من المؤكد أنها ستكون أقل بكثير مما تم دفعه حتى الآن، ومن المرجح أن الحرب لو أخذت طابع الشمولية منذ البداية، فإنها لن تستمر لمدة طويلة بسب عدم قدرة "إسرائيل" على خوض حرب استنزاف طويلة على عدة جبهات؛ فإشغال مقدرات الجيش الإسرائيلي واستهداف الجبهة الداخلية بصورة متزامنة ومكثفة من عدة جبهات واستنزاف قدراته الاقتصادية، لا شك أنه سيضعف قدرة "إسرائيل" على الاستمرار بالحرب، وإن أي تسويات سياسية لا بد أن تراعي شروط محور المقاومة في هذه الحالة.

أخيراً، إن انحسار هذه المواجهة في هذه المرحلة، لا يعني بالضرورة عدم نشوب مواجهات أخرى في المستقبل القريب أو البعيد، فـ"إسرائيل" عازمة على تحديد خطوطها الحمر، ومستمرة على مبدأ الحرب الوقائية والضربة الاستباقية، فالجانب الإسرائيلي سوف يعيد تقييم نتائج هذه المواجهة، وسوف يعمل على سد الثغرات التي تجلت، خصوصاً: قصور منظومة الدفاع الجوي في مواجهة الصواريخ الإيرانية المتطورة، وضعف الجبهة الداخلية في مواجهة حرب استنزاف طويلة، وهو عازم على السير في مخطط بناء شرق أوسط جديد وفق المعايير والمصالح الإسرائيلية.

 

*مختص بالشأن الإسرائيلي وباحث في "مركز الزيتونة للدراسات"