الكاتب: خالد بركات
ما أنْ يسمع البعض "تصريح إيجابي" يصدر عن وزير غربي، أو دولة كُبرى تأسَّست على الاستعمار والعبودية، حتى يبدأ الحديث عن "التحوّل" في الموقف الأوروبي! وينسى هؤلاء السياق الذي تقال فيها العبارات وتصاغ في إطاره المواقف السياسية. يكشف هذا المشهد عن عجز وقصور في فهم الغرب من جهة، وعقدة الدونية التي تلازم بعض النخب المستعمَرة من جهة أخرى.
أكثر من ذلك: يمكن أن يتحمس بعضهم أكثر، فيقدم الشكر والعرفان لفرنسا مثلاً، لأنها "تفكر" بالاعتراف في دولة فلسطينية"! نعم، إنها عقدة الخواجا التاريخية. محمود عباس نموذجاً.
وفي الأيام الأخيرة، أعلنتْ بعض الدول الغربيّة عن فرض عقوبات على "وزراء متطرفين في الحكومة الإسرائيلية"، بسبب تورطهم في "دعم العنف ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفّة الغربية". وبرزتْ أسماء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، كأهداف لهذه الإجراءات. ورغم ما قد يبدو على السطح من أن هذه العقوبات تمثل "تحوّلًا" في الموقف الغربي، كما يراد لها أن تظهر، فإنّها في جوهرها خطوات رمزيّة تسوّقها هذه الدول بالتحديد، ليس لنا، بل للرأي العام الغاضب في الداخل. فما صدر عن هذه الدول، حتى الآن، مجرد لغو، مواقف من ورق، وبلا أسنان، لا تتجاوز حدود الاستعراض الإعلامي، ولا تحمل في طياتها أي قيمة فعلية أو تأثير حقيقي على الأرض.
جوهر هذه السياسات الغربية يكمُن في التناقضِ الفاضح بين الموقف المعلن والممارسة الفعليّة. أول من يعرف هذه الحقيقة هو العدوّ الصهيوني نفسه. فالدولُ ذاتُها التي فرضتْ هذه العقوبات، هي التي تزوّد الكيان الصهيوني بأحدث أنواع الأسلحة، وتبرم معه اتفاقيات تجاريّةً بمليارات الدولارات وتغض الطرف عن جرائم الحرب المتواصلة التي تُرتكَبُ بحق الشعب الفلسطيني، سواء في غزّةَ أو الضفّة أو في الأرض المحتلّة عام 48، ناهيك عن دورها المباشر في اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه وتأسيس الكيان الصهيوني كمستعمرة (لها) في قلب الوطن العربي.
والمفارقة الصارخة أن رد وزراء الكيان على هذه العقوبات لم يكنْ سوى المزيد من العدوان والتصعيد. فخلال ساعات من إعلان العقوبات، أعلنتْ حكومة الاحتلال عن مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الضفّة الغربيّة، وتسريع بناء المستوطنات، و"شرعنه" مواقع استيطانيّة جديدة. لم تُحرّكْ هذه الدول ساكنًا، ولم نسمعْ سوى عبارة "نشعر بالقلق العميق"! في دلالة واضحة على أن العقوبات جزء من لعبة إعلاميّة لا تغيّر في جوهر المعادلة شيئًا. هكذا يدفع الشعب الفلسطيني الثمن مرتين. إذ يأخذ مواقف فارغة من الغرب، يرد عليها العدو بمواقف حقيقية والمزيد من الجرائم!
وما يزيد هذا التناقض عُمقًا هو أنّ هذه الدول التي تدعي الدفاع عن "حقوق الإنسان" و"القانون الدوليِّ"، ليستْ سوى أنظمة استعماريّة واستيطانيّة نشأتْ على أنقاض شعوب أصليّة أُبيدتْ أو شُرّدتْ. فكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، والولاياتِ المتّحدةِ، وبريطانيا، كلُّها دول ذات تاريخ دموي طويل في الإبادة الجماعيّة والاستيطان والعنصريّة، ولا تزال إلى اليوم تحرم الشعوب الأصليّةَ من حقوقها، وتتمسّك بإرثها الإمبريالي في تعاملها مع شعوب الجنوب العالمي. ومن هذا المنظور، فإنّ تحالفها العميقَ مع الكيانِ الصهيوني ليس انحرافًا عن "قيمِها" بل امتداد طبيعي لتلك القيم ولتاريخها الاستعماري وتحالفٌ بينَ مشاريع استيطانيّة متشابكة في الأهداف والوسائل. وفي كل مرة يرتكب فيها العدو مجزرة ويعاتبه الغرب المجرم يقول نتنياهو: نفعل في غزة ما فعلتم في اليابان، والعراق، وأفغانستان، وغيرها!
وما يزيد هذا التناقض فجاجة، هو تصاعُد العنصريّة والقمع داخل هذه الدول نفسها ضد العرب والمسلمين في تلك البلدان، وضد أيّ نشاط حقيقي مناصر للقضيّة. فقد شهدنا في السنوات الأخيرة، وبشكل متسارع بعد اندلاع المجازرِ في غزّةَ، موجة من التشريعات والإجراءاتِ التي تستهدف الحركاتِ الطلابية، والمنظّمات التضامنية، والمظاهرات المطالبة بوقف الإبادة الجماعية ودعم المقاومة. تُغلَق الحساباتُ المصرفية، وتمنَع الفعاليّات، ويُلاحَق الناشطون تحت ذرائعَ "معاداةِ الساميّة" أو "دعم الإرهاب" في حينِ يُتركُ أنصارُ الاحتلالِ المتورّطين في تمويل جرائمه أحرارًا دون محاسبة. هذه السياسة لا تعبّرُ فقط عن نفاق سياسي، بل تكشف عن بنية استعماريّة عنصريّة ترى في أيِّ فعل فلسطيني وأممي جاد تهديدًا ينبغي كتمه، بينما تحتضن المشروع الصهيوني كجزء من منظومة الهيمنة الغربيّة.
لا يمكنُ النظر إلى هذهِ "العقوبات" كخطوة جادة نحو محاسبة الكيان الصهيوني أو الحدِّ من فاشيته المتصاعدة، طالما أنّ الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لا يزال يتدفق إلى تل أبيب دون انقطاع. بل على العكس، فإنّ هذه الإجراءاتِ تعكس محاولة مكشوفة لإعادة ترميم صورة الغرب أمام الرأيِ العامِّ العالمي، بعد أن تحطمت مقولاته الكاذبة عن "الديمقراطية" و"الحرية" و"حقوق الانسان" نتيجةَ الدعم غير المشروط للعدوان الغربي الإسرائيلي الوحشي على غزّةَ منذُ أكثر من عشرين شهرًا.
التركيزَ على وزراء في الحكومة الصهيونيّة، سياسة مخادعة، كأن المشكلةَ تكمن في شخص "بن غفير" أو "سموتريتش" فقط، وهذا تجاهل متعمَّد لطبيعة النظام الاستعماري الاستيطاني الذي تمثّلُه "إسرائيل". فهذه الشخصيّات ليستْ سوى إفراز طبيعي لمنظومة قائمة على الإقصاء والعنصريّة والتطهير العرقي، مدعومة ومحمية من الغرب نفسه. وعليه، فإن أي عقوبة لا تمس البنية الكاملة لهذا الكيان، وتعمل على قلع جذوره، وتكشف طبيعته العنصرية، لا تُعيد النظر في العلاقة معه، وهي مجرّد خداع وتضليل للشعوب.
وعلاوةً على ذلك، فإنّ هذه العقوبات لا تغيّر من الواقع شيئًا: لا توقف التعذيب اليومي ضد الأسرى والأسيرات في السجون، ولا توقف الاستيطان، ولا توقف المجزرة أو ترفع الحصار عن غزّةَ، ولا تحمي الأطفال من الجوع، ولا تمنع تهويدَ القدس أو اقتحامات الأقصى. ما نراهُ هو مسرحيّة سياسيّة تفتقد إلى أدنى درجات المصداقيّة، خاصّة حين تصدر عن دول لها تاريخ دموي في منطقتنا العربية وفي افريقيا وآسيا، تعتدي على اليمن ولبنان يومياً، ولا تزال تلعب دورًا مركزيًّا في إدامة منظومة الاستعمار والهيمنة في المنطقة والعالم. فكيف نصدقها؟
الخلاصةُ أنّ العقوبات الغربيّة على وزراء متطرفين في حكومة العدوّ لا تعدو كونها محاولةً للتجميل الأخلاقي، لا تقطعُ مع جوهر الدعم الاستعماري لهذا الكيان.
المطلوب ليس "عقوباتٍ رمزيّةً"، بل قطيعةً شاملةً مع دول الاحتلال، ومحاسبتَها على جرائمها، ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني بكل أشكالها، وشطب ما يسمى "قوائم الإرهاب". وبدون ذلك، تبقى هذه المواقف "الجديدة" مجرّد رماد يُذرُّ في العيون، لا أكثر ولا أقل!

