بقلم الكاتب/ هيثم أبو الغزلان:
يبدو أنّ الطريق الطويل الذي تحدّث عنه تقرير "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، بشأن التطبيع المحتمل بين "إسرائيل" والسعودية، قد بدأ بمخالفة توقّعات المعهد، إذ بدأت الخطوات الفعلية بزيارات قام بها مسؤولون "إسرائيليون" إلى السعودية، ما يُقصّر الطريق فعليًّا في هذا الإطار، وقد يفتح المجال لتوقيع اتفاقية رسمية بين البلدين، ويأمل قادة البلدين أن يكون ذلك قريبًا! فيما الشعب الفلسطيني يواصل المقاومة.
اقتراب
كشفت تصريحاتٌ أدلى بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى شبكة "فوكس نيوز" (20_9)، أنّ بلاده باتت أقرب إلى التطبيع مع "إسرائيل"، وكذلك أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (22_9)، أنّ "إسرائيل" على عتبة التطبيع مع السعودية. وعكست هذه التصريحات رغبة البلدين، مدفوعة برغبة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، للاستعجال، ضمن مصالح ورؤى وأهداف كل طرف، لإنجاز توقيع اتفاقية تطبيع رسمية. يأمل بايدن أن يخدمه إنجازها في حملته الانتخابية القادمة.
حدّد محمد بن سلمان شروط بلاده لإنجاز اتفاقية التطبيع، لخّصها في الحصول على مفاعل نووي سلمي، وعقد معاهدة دفاعية مشتركة مع الولايات المتحدة، والسماح لها بشراء أسلحة أمريكية متقدمة. وشرط مغمغم "بتوفير حياةٍ كريمة للفلسطينيين"، ما يعني إبداء "المرونة"، وفي الحقيقة التنازل، تجاه مسألة إقامة دولة فلسطينية مقابل التطبيع، كما تنص "المبادرة العربية"، التي أعلنتها القمة العربية في العام 2002، والتي صَاغَت بنودها السّعودية آنذاك.
مسارٌ عمليّ
ويبدو أنّ المسار العمليّ والعلنيّ للتطبيع بين السعودية و"إسرائيل"، قد بدأ فعليًا، بأوّل زيارة علنية، لوزير السياحة "الإسرائيلي"، حاييم كاتس، للسعودية، للمشاركة في حضور مؤتمر للسياحة تعقده الأمم المتحدة في الرياض، وعبّر كاتس عن شعوره "بالأمن والترحاب الحار" هناك! أما الأخطر فهو وصف وزارة السياحة "الإسرائيلية" للزيارة "بالتاريخية"، والكتابة على موقع الفيسبوك الخاص بالوزارة، ".. إنّها أجنحة التطبيع في الشرق الأوسط"! وقد سلّط الإعلام العبري الضوء على الزيارة، معتبرًا أنّها "تطور كبير.. ودليل آخر على أنّ التطبيع موجود بالفعل بطريقة ما"، بينما أشار بنيامين نتنياهو، إلى أنّ الزيارة ستتبعها "زيارات إضافية قريبا". وهذا ما أكّد عليه نتنياهو، في خطابه، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين قال إنّ "إسرائيل" على "عتبة" إقامة علاقات مع السعودية!
مراحل
تعاطت القيادة السعودية، مع موضوع التطبيع، على أنه قضية سرية، لا يجوز الخوض فيها. ومرّرت تعاطيها معه على دفعات، في البداية، لم يتم التعليق على مصادر الأخبار "الإسرائيلية"، التي تحدّثت عن لقاء سري جَمَع محمد بن سلمان، ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، في العام 2017. كما لم تتعاط مع لقاءات أخرى جمعت مسؤولين من البلدين، وكشفت عنها "إسرائيل"، ولم تعلّق في حينها السعودية عليها.. ووصلنا إلى مرحلة جديدة من اللقاءات العلنية، التي يبدو أنّها ستستمر، فبعد زيارة وزير السياحة "الإسرائيلي" الرياض، أعلنت «القناة 12» العبرية أنّ وزير الاتصالات "الإسرائيلي"، شلومو كارعي، يزور السعودية الأسبوع المقبل. وكذلك سيزورها رئيس لجنة الاقتصاد في الكنيست، دافيد بيتان.
يأتي ذلك في وقتٍ، تسعى فيه السعودية إلى "طمأنة" قيادة السلطة في رام الله، على "أهمية القضية الفلسطينية" بالنسبة للمملكة، وأولى هذه الرسائل، وصول السفير السعوديّ غير المقيم لدى السلطة الفلسطينية، نايف السديري، إلى رام الله، وتقديمه أوراق اعتماده لرئيس السلطة، ومحاولته تسويق وعود بإقامة "دولة فلسطينية"، ثبت الملموس، أنّ "إسرائيل" لا تسمح بإقامتها، وواقعيًا لا يمكن ذلك! وتبقى الوعود السعودية للسلطة، مقتصرة على تقديمها دعمًا اقتصاديًا سخيًا، مقابل موقف "إيجابي"، من السلطة. وقد عبّر أمين سرّ اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير"، حسين الشيخ، عن موقف السلطة خلال زيارته على رأس وفد إلى الرياض (5_9)، بقوله إنّ "السلطة الفلسطينية، متمسّكة بالمبادرة العربية للسلام، لكنّها لن تقف في وجه الاتفاق، ولن تعارض الموقف السعودي في حال توافرت لها مقوّمات مالية كبيرة تمنع انهيارها".
وتناول تقرير لـ "معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي"، احتمالات التطبيع بين "إسرائيل" والسعودية، وأشار إلى أنّه "لا يزال هناك طريق طويل أمام إسرائيل والسعودية"، بسبب المطالب السعودية، التي تتعلّق بالمسألة النووية، والحصول على أسلحة متطورة، ومعاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة، واتخاذ الجانب" الإسرائيلي"، خطوات تجاه السلطة. هذه الخطوات التي تتعلق بجوانب حياتية، وتسهيلات اقتصادية، وليس لها علاقة بموقف مبدئي من التطبيع، فقد باركت الرياض
ضمنيًا، اتفاقيات التطبيع حين وقّعتها: الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب، والسودان، مع "إسرائيل"، ضمن الصفقة الإبراهيمية.
وبناء عليه، فإن التقدّم في مسار التوقيع على اتفاقية التطبيع بشكل رسمي، بين السعودية و"إسرائيل"، مرهون بتحقيق مطالب السعودية، إن أصرّت عليها. وكذلك مرهون بما يحصل داخل الساحة "الإسرائيلية"، والتحفظات التي أبداها "الإسرائيليون"، ومنهم بيني غانتس حول شرط تخصيب اليورانيوم في السعودية. هذا الشرط الذي قد يُسبّب قلقًا للأمريكيين الخائفين من انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وقد يرفض الكونغرس الأمريكي المصادقة على معاهدة دفاع مشترك مع السعودية، لعدم رغبة الجمهوريين في مساعدة بايدن بتحقيق إنجاز عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ويبقى العامل الفلسطيني المقاوم، أحد العوامل المُهمّة والأساسيّة التي ستُفشل كل المشاريع الهادفة إلى إنهاء القضية الفلسطينية. وسيبقى الفلسطينيُّ يخلق من "جزمة أفقا".

