حماد صبح
يكثر الحديث هذه الأيام عن احتمال انهيار السلطة الفلسطينية أو بقائها، والمآل الذي ستمضي إليه الأحوال في الضفة وغزة إذا رجحت كفة الانهيار. ومن دواعي الانهيار أزمتها المالية والطريق المسدود الذي انتهت إليه سياسيا.
في الأزمة المالية، يرتفع منسوب عجزها الذي ينسب إلى ضآلة ما تتلقاه من المانحين الدوليين، وإلى اقتطاع إسرائيل 32 مليون دولار شهريا من أموال المقاصة التي تجمعها للسلطة ضرائبَ على البضائع المستوردة للضفة وغزة، والاقتطاع الإسرائيلي من تلك الأموال يعادل ما تدفعه السلطة للأسرى وأسر الشهداء عقوبة لها على هذا الدفع. ومن علل الأزمة المالية التي يكاد الحديث ينعدم عنها أن السلطة لم تؤسس لأي نشاط اقتصادي منتج يصمد في وجه الأزمات، واعتمدت اقتصادا استهلاكيا، اقتصاد موظفين، ومن ثم كثر عدد موظفيها كثرة مفرطة فوق الحاجة المهنية إليهم، ومن هذه العلل كبر رواتب بعض موظفي السلطة كبرا لا يراعي ظروف الشعب الاقتصادية والمعيشية الشاقة، ويخلق طبقية تفسد النفوس والعلاقات بين فئاته، وللفساد دوره في الأزمة المالية، وللهدر نصيبه مجسدا في سفريات مسئولين لا قيمة لها في خدمة القضية الوطنية، وفي سفارات وممثليات لدولة فلسطين الخيالية، ومكاتب إقليمية عالمية لفتح تفوق في عددها ما لدول كبيرة وغنية، وكلها محدودة الفاعلية، بل معدومتها في خدمة تلك القضية.
والداعي الأكبر في كل أزمات السلطة ومعها الشعب الفلسطيني هو موت البعد السياسي في ما يتصل بمجمل القضية الفلسطينية.ومهدت إسرائيل لهذا الموت منذ إقامة السلطة في 1994 بحصر مهمتها في التنسيق الأمني، والمقصود به عمليا الأمن الإسرائيلي، وفي تولي شئون الفلسطينيين المعيشية في الضفة وغزة تخلصا من المسئولية الإسرائيلية عنهم التي يلزمها بها القانون الدولي بصفتها دولة احتلال، ومن يقرأ تلك الالتزامات يعلم أنها تخلق حياة فندق خمس نجوم لمواطني البلد المحتل.
قصدت إسرائيل هنا أن تكون السلطة أونروا ثانية، وفي الوقت ذاته، يا لهول شرها وخبثها، سعت جادة بالتعاون مع أميركا للقضاء على الأونروا الأممية الاولى التي أنشئت في 1949 لغوث وتشغيل اللاجئين الذين سرقت إسرائيل وطنهم وشردتهم منه، وغايتها من القضاء عليها ( الأونروا ) إزالة قضية اللاجئين وما فيها من تذكير ملح صارخ بوطنهم المسروق ووجوب عودتهم إليه.
ولم تتوقف إسرائيل عن إبادة البعد السياسي في القضية الفلسطينية لعلمها أن موداه النهائي السيادة الفلسطينية على الأرض بما تستوجبه هذه السيادة من الحق في دولة للفلسطينيين، فواصلت الاستيطان المكثف في الضفة والقدس، وفي موازاته واصلت هدم بيوت الفلسطينيين فيهما.هدمت منذ بداية العام الحالي 381 منزلا، ووافقت على بناء 13 ألف وحدة استيطانية. وفي 2018 أصدرت قانون القومية الذي يخص اليهود وحدهم بحق تقرير المصير في فلسطين، ويحرم منه الفلسطينيين أهلها الأصليين الشرعيين.
وبعد هذه المقدمات من الأزمة الاقتصادية المتنوعة العلل، والموت السياسي، من الطبيعي أن تنحدر الأحوال إلى السؤال عن احتمال انهيار السلطة أو بقائها. وزاد هذه الأحوال اتساعَ سوءٍ احتدامُ الاعتداءات الإسرائيلية من الجيش والمستوطنين على المدن والقرى الفلسطينية مصحوبة بعجز السلطة الفلسطينية الشامل عن توفير أي حماية لهذه المدن القرى، وفي خلفية هذا العجز اقتناع الفلسطينيين أن يد السلطة الأمنية عليهم لا معهم، ويسير في هذا الاتجاه المرعب أي تدخل عربي.كلهم يدعون إلى التهدئة توافقا مع أميركا وإسرائيل، والتهدئة المقصود بها هنا توقف الفلسطينيين عن مقاومة إسرائيل، وفتح الطريق لتوسعها الاستيطاني في سلام وأمان بما يؤدي في الختام إلى تغطية أكثر مساحة الضفة بالمستوطنات والمستوطنين، وحصر الفلسطينيين في جيوب سكانية معزولة مخنوقة تهيئة للتخلص النهائي منهم في صورة ما.
السبيل الوطني لبقاء السلطة، ولا نقصد أشخاصها، الانحياز لشعبها من خلال منظمة التحرير، والاندفاع نحو تبني منحى سياسي يلح على التحرر من الاحتلال الاستيطاني، وهو الحق الذي تعترف به الأمم المتحدة للفلسطينيين أسوة بسواهم من الشعوب، وبدون هذا التوجه ستواصل السلطة السير في مسارها الحالي المأزوم إلى أن تتخلص منها إسرائيل بعد استكمال سيطرتها على الضفة سيطرة محكمة تؤدي لضمها إلى كيانها.
أما حاليا فستحافظ عليها وصولا لهذا الاستكمال.وأكد نتنياهو هذه المحافظة موضحا أن بقاءها حتى ذلك الحين مصلحة إسرائيلية، وقرن تأكيده بوجوب العمل على وأد حلم الفلسطينيين بدولة. كل شيء عندهم واضح محسوم.

