Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

الأسرى يسردون تاريخ فلسطين والمقاومة

قناة فلسطين اليوم

بقلم / راغدة عسيران

في السجون الصهيونية، يواصل الأسرى نضالهم في ميادين مختلفة، منها ميدان الكتابة. فهم يكتبون في مواضيع شتى، يوثقون حياة الأسرى ونضالاتهم، بما فيها الإضراب عن الطعام. يؤلفون كتبا فكرية، يكتبون الروايات التي تضيء أحيانا جزءا من حياتهم، أو روايات تاريخية وغيرها، وينظّمون الشعر ويناقشون الأمور السياسية والاجتماعية. تختلف موسوعة "درب الصادقين، حكايات جهادية من بطولات المقاومة الفلسطينية" عن هذه الكتب، في أجزائها الأربعة، كونها توثّق تاريخ المقاومة الحديثة ضد العدو الصهيوني، بلسان المقاومين أنفسهم، والقابعين في السجون.

يتناول الجزءان الثالث والرابع من الموسوعة، من إعداد الأسيرين أنور عمر عليان ومحمد صبحي أبو طبيخ (الذي أعدّ الجزئين الأول والثاني) ومن أصدار "مهجة القدس" و"دار الشهيد نعمان طحتينة" (2022)، مجموعة كبيرة من الأسرى: 24 أسيرا في الجزء الثالث، المحكومون بأقل من ثلاثين عاما، و18 أسيرا في الجزء الرابع، جميهعم محكومون بالمؤبد أو أكثر. أعدّ ووثّق الجزء الثالث الأسير المجاهد أنور عليان، من مواليد مخيم نور شمس (طولكرم) بتاريخ 27/12/1976. لقد تعرّض لأكثر من محاولة اغتيال واعتُقل بتاريخ 4/4/2003 بعد إصابته إصابات بالغة في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال، وصدر حكما بسجنه لمدة 23 عاما على خلفية جهاده وقيادته لسرايا القدس بمحافظة طولكرم. أما الجزء الرابع، فهو من إعداد وتوثيق الأسير المجاهد محمد صبحي أبو طبيخ، من مواليد مخيم جنين بتاريخ 23/2/1980. فهو من أبطال تجهيزات معركة مخيم جنين في العام 2002، وتعرض أيضا لمحاولات اغتيال، واعتّقل بتاريخ 28/7/2002، في عملية عسكرية ببلدة برقين. أصدرت محكمة العدو الحكم عليه بمؤبدين و15 عاما على خلفية جهاده وقيادته في سرايا القدس بمحافظة جنين. أشار مسلسل "شارة نصر جلبوع" الى المجاهد وهو يوثّق بطولات الأسرى ويدعم صمودهم ويحلّ مشاكلهم. 

يمتاز الجزءان الثالث والرابع من الموسوعة كونهما وثّقا لمقاومة مجاهدين ينتمون الى حركات مقاومة فلسطينية مختلفة، وتناولا ذكريات الأسرى المقاومين منذ السبعينيات من القرن الماضي، حتى 2019.

يمكن قراءة سيرة البطل المجاهد عبد الله البرغوتي (أمير الظل، المحكوم ب67 مؤبدا و5200 عاما) حيث يروي الأسير تفاصيل بعض محطاتها المهمة، كقائد في كتائب عز الدين القسام أو قبل ذلك، ولقد اعتقل في العام 2003، وتم عزله بالانفرادي لمدة عشر سنوات "كادت أن تقتل روحي"، فقاوم السجن والعزل بتأليف 13 كتابا. كما يمكن متابعة سيرة الأسير المجاهد صلاح صلاح (العزة)، المنتمي لحركة فتح ثم الى كتائب شهداء الأقصى بعد التحاقه بجهاز مخابرات السلطة بعد اتفاقيات أوسلو، والذي شارك في الدفاع عن كنيسة المهد في بيت لحم (2002)، والمحكوم ب21 مؤبدا و15 عاما.

يروي الأسير المجاهد كميل أبو حنيش، المنتمي للجبهة الشعبية، والذي ألّف عدة روايات في السجن، والمحكوم ب9 مؤبدات، متى بدأ مشواره الجهادي في بيت دجن (محافظة نابلس)، وكيف أصبح مطاردا من قبل قوات الاحتلال، وما هي العمليات التي شارك فيها قبل أن يتم اعتقاله في العام 2003. ويروي الأسير علي سايس (القنيري) من مخيم جنين، الذي اعتقل في العام 2005 وحكم عليه بالمؤبد، انتماءه الى الشبيبة الفتحاوية وتشكيل الفهد الأسود في الانتفاضة الأولى (1987) ومشاركته في الدفاع عن مخيم جنين (2002). ومن خلال ثلاثة مقاومين من قرية بيتا الفوقا المنتمين الى حركة فتح، – الأسير خالد حسن برهم (سنة الاعتقال 2006)، والأسيرعياض إحسان عديلي (2004) والأسير ظاهر مصطفى دويكات (2006)، يمكن متابعة مقاومة المجاهدين في هذه القرية المستهدفة الى اليوم من قبل الاحتلال، والتي يقاوم أبناؤها لمنع إقامة مستوطنة يهودية على أراضيها.

شملت روايات الأسرى الأبطال معظم مناطق الضفة الغربية، بما فيها القدس، وبعض مناطق الأراضي المحتلة عام 1948، مع سرد حياة وبطولات الأسير إبراهيم إغبارية (المحكوم 3 مؤبدات و25 عاما) والأسير محمد سعيد إغبارية (المحكوم 3 مؤبدات و15 عاما)، من بلدة مشيرفة قرب أم الفحم، واللذين تم اعتقالهما في بداية 1992، بعد عملية معسكر جلعاد البطولية (14/2/1992). يتحدث الأسيران عن طفولتهما في هذه المناطق المحتلة عام 1948، عن الدراسة والعمل، وعن المظاهرات والاعتقال إيام الدراسة، عن صعود المدّ الإسلامي في الثمانينيات وتأثير الانتفاضة على الوعي الوطني، وتكوين المجموعات الجهادية، وكيف يلاحق الشاباك المناضلين وكيف يعمل الجواسيس لديه، ضد أبناء بلدهم.

تحتلّ بلدة عرابة (محافظة جنين) موقعا هاما في الموسوعة، حيث يتذكّر أبطالها، ليس فقط مقاومتهم ضد الاحتلال خلال العقدين الآخرين، بل مقاومة أهل البلدة للاحتلال البريطاني وأبناء العائلات الكريمة الذين حاربوا واستشهدوا دفاعا عن الوطن والكرامة. في المقابلة التي جرت معه خلال اعتقاله قبل الأخير، يذكر الأسير المحرر القائد طارق حسين قعدان تاريخ هذه البلدة "الضاربة جذورها في أعماق التاريخ"، وأنها "من المناطق التي احتلت الصدارة في المجال الوطني ومقاومة الأطماع الصهيونية منذ فجر الصراع المحتدم على أرض فلسطين"، ودور البلدة في ثورة 1936، كما يذكر بروز قيادات لامعة في الجبهة الشعبية وقيادتها العسكرية، أبرزهم الشهيد أبو علي مصطفى.

تحدّث مطولا عن بدايات حركة الجهاد الإسلامي في البلدة، وكيف حوربت من قبل الحركات الأخرى التي أطلقت التهم والإشاعات، ولكن رغم ذلك، وبسبب سلوك قادة الحركة وانفتاحهم على الكل الوطني وقتالهم من أجل إعلاء صوت الحق، انتشرت الحركة في البلدة والمنطقة بشكل واسع. فتحدّث كافة الأسرى من البلدة عن الدور المهم الذي لعبه القادة الشهداء، أنور حمران وإياد حردان ونعمان وصالح طحاينة، وغيرهم، في تجذير الحركة في المنطقة. ولا يمكن إغفال دور القائد خضر عدنان الذي ينتمي أيضا الى عرابة، ونضاله المستمر الى اليوم ضد السجان، والإضرابات العديدة عن الطعام التي خاضها والتي كّرست المكانة النضالية والجهادية لهذه البلدة، خاصة وإنها تحتضن عائلة الأسير البطل محمود العارضة الذي اعتقل في العام 1996، وصدر الحكم عليه بالمؤبد والذي مرّغ أنف العدو ومخابراته وأجهزة سجونه حين قاد عملية الهروب من سجن جلبوع في شهر سبتمبر/أيلول 2021.

يروي المجاهد الأسير محمود العارضة سيرة حياته الجهادية في عرابة ومنطقة جنين، ولقائه مع الشهداء في سجون السلطة في التسعينيات، الذين فتحوا له باب الانتماء الى حركة الجهاد الإسلامي. وفي رسالة بعثها بعد القاء القبض عليه وعلى أخوانه الأبطال الذين سطروا ملحمة "الطريق الى القدس" (عملية الهروب من سجن جلبوع)، كتب: "نعتبر إننا انتصرنا وطرقنا الخزان كما قال الكاتب الكبير غسان كنفاني، وأوصلنا رسالتنا للعالم أننا دعاة حرية وأصحاب حق".

من بلدة عرابة أيضا، يروي الأسير المجاهد محمد عدنان مرداوي (تم اعتقاله عام 1999) بعض من السيرة الجهادية للشهيد عبد الحميد مرداوي الذي شارك في قيادة ثورة 1936، كما يذكر مساهمة أبناء هذه العائلة المجاهدة في مقارعة العدو، وانتماء أخيه مهند لمجموعات "عشاق الشهادة" التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، وأخيه أحمد للجبهة الشعبية. يذكر أيضا ابن عمه الأسير ثابت عزمي مردواي، أحد أبرز قادة سرايا القدس في الضفة الغربية ومن قادة معركة مخيم جنين (اعتقل 2002).

يروي الأسير المجاهد عبد الله عارضة مسيرته الجهادية وتشكيله مع أخوانه في البلدة مجموعة تابعة ل"قسم" (القوى الإسلامية المجاهدة التابعة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين) للقيام بعمليات ضد جيش العدو ومستوطنيه، وقد تم اعتقاله في العام 1999، مع صديق دربه محمد مرداوي. يذكر الأسير نبيل جمعة مغير، الذي اعتقل عام 2001، أنه عمل ضمن مجموعة لسرايا القدس تحت قيادة وإشراف الشهيد القائد إياد حردان والشهيد وائل عساف، وأنه نفّذ عمليات برفقة الشهداء وائل عساف وأسامة تركمان وأسعد دقة وأمجد الفاخوري من قرية جبع.

في هذه الموسوعة، تحدّث الأسرى عن بلداتهم، وتاريخها وجغرافيتها، وعن المخيمات التي لجأت اليها عائلاتهم بعد تهجيرها من الأراضي المحتلة عام 1948، ونضالها المستمر ضد الصهاينة، وارتقاء الشهداء من أهلها، ما يؤسس لتاريخ حقيقي كتبه المجاهدون بدمهم. يتحدّث الأسير محمد عبد الحميد الطوس، الذي أمضى ما يزيد على 35 عاما في سجون الظلام عن قريته الجبعة في محافظة الخليل، التي تقع على خطوط الهدنة عام 1948، وشهدت اشتباكات عديدة مع المحتل. تحدّث أيضا الأسير القسامي أيمن عبد المجيد سدر، المعتقل منذ 1995 والمحكوم بالمؤبد و30 عاما عن مدينته القدس وأحيائها وسكان البلدة القديمة، وعائلته التي "تعود جذورها الى نسب كردي جاؤوا مع محرر القدس القائد صلاح الدين الأيوبي" والتي سكنت البلدة القديمة في باب الحديد في حوش الخطيب، و"كانت عائلة سدر تشعر بأنها ملكت الدنيا لوجودها على أرض مدينة القدس".

تابع الأسرى ذكرياتهم في بلداتهم ومخيمات اللجوء ونضالهم ضد العدو بالحديث عن السجون الصهيونية وأيام التحقيق القاسي التي عاشوها، ومواصلة نضالهم داخل السجون من أجل حريتهم وتحسين شروط اعتقالهم ومشاركتهم في الإضراب عن الطعام مرارا، وتحديهم للاحتلال عن طريق تطوير قدراتهم المعرفية والعلمية. فوردت بعض القصص حول حالات رهيبة، مثل التي عاشها الأسير المقدسي داود موسى العباسي، من سلوان، والمعتقل منذ 2010، والمحكوم ب10 سنوات. لقد رفض العدو الاعتراف بإبنه نورالدين الذي ولد بعد اعتقاله مباشرة، ورفض تسجيله في الدوائر الرسمية الصهيونية، كإجراء عقابي وانتقامي، وما زال إبنه محروما من الوثائق الرسمية وممنوعا من التعليم في مدارس القدس. ويقول "لقد اعتاد أهل القدس أن تصادر أموالهم وبيوتهم وأراضيهم، أما أن يتم مصادرة أسم المولود ويعطي بدلا من اسمه (000) فهذا من عجائب الدنيا في هذا العصر". وذكر أكثر من أسير قصصهم مع "العصافير" (جواسيس السجون) والحملات القمعية الوحشية التي نفذّتها القوات الخاصة بالسجون ضدهم.

في تقديمه للموسوعة، يكتب د. جميل عليان، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي والمدير العام لمؤسسة مهجة القدس أن "الشهادة على تاريخ شعبنا تعتبر من أرقى الشهادات، إنها الشهادة على التاريخ وعلى الواقع". لقد قدمت هذه الموسوعة البعض من التاريخ الجهادي المعاصر في فلسطين المنقولة عن أفواه المجاهدين الأسرى في الوقت الذين كان الشهداء يسطرون، وما زالوا، هذا التاريخ بدمائهم الطاهرة. فلا يمكن فهم وتقدير الانتفاضة الحالية ونشأة المجموعات المسلحة في أنحاء الضفة الغربية وعملياتها ضد العدو، إلا من خلال استيعاب الأرث الفكري والنضالي الذي تركه هؤلاء المجاهدون، الذين يقبعون اليوم في سجون العدو والذين استشهدوا خلال العقود الماضية.