Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

النية الحسنة لا تحمي من السنن الإلهية

بقلم: تيسير الغوطي

 يجمع المسلمون على امتداد التاريخ والجغرافيا أن السنن الإلهية الكونية هي المسيطرة والناظمة لمجريات الأحداث في هذا الكون ولمسيرة الأحداث البشرية بما فيها صعود وهبوط الأمم والدول والشعوب والأفراد مصداقا لقوله تعالى" وتلك الأيام نداولها بين الناس". كما يجمعون أن هذا السقوط أو الصعود للأمم والحضارات إنما يتحقق بتحقق أسبابٍ وشروط يصنعها الإنسان بنفسه سلبية كانت أم إيجابية, وبمدى تناسقها أو تصادمها مع السنن الإلهية الكونية.

 

     وعلى مدى التاريخ البشري حاول المفكرون والمصلحون وضع أيديهم على هذه الشروط والأسباب كي تتحاشى مجتمعاتهم أسباب السقوط وتحاول تحقيق أسباب النهوض، ورغم كثرة الكتابات في هذا الباب فإن الملاحظ أن ما يكتبه هذا المفكر أو العالم أو ذاك يدور في مجمله حول جوهر ما كتبه السابقون عليه, مع بعض الإضافات التي تتناسب مع عصر الكاتب والمصطلحات السائدة فيه، ففي كتابه الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي ينقل الدكتور سعيد شبار أسباب السقوط وأسباب النهوض عند الإمام أبي الفيض جعفر الكتاني بأنها اختلاف كلمة الإسلام بضعف الأخوة الإسلامية وعدم نصرة المسلمين في كل مكان، ترك الاستعداد الحربي، ترك الجهاد، إسناد الأمور إلى غير أهلها، مصافاة الكفار واتخاذهم أصدقاء، إتباع عوائد الكفار والعمل بقوانينهم والتمذهب بمذاهبهم، والاشتغال باللهو والطرب ومفاسد الحياة المادية، والإضرار بالمسلمين بالتسلط والظلم والإفساد، والإعراض عن العمل بالكتاب والسنة والتجاهر بالمنكرات، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

   وفي نفس الكتاب ينقل الدكتور شبار عن الإمام محمد الغزالي إجماله أسباب السقوط والنهوض في سوء الفهم للسلام، وقوع الخلل الكبير في الثقافة الإسلامية، جهل المسلمين بالدنيا، انتشار الجبرية في العالم الإسلامي، تقاليد الرياء في المجتمعات الإسلامية، وضع المرأة في عصور التخلف، ذبول الأدب العربي ، سياسة المال في المجتمع ، الفساد السياسي، وتوسيد الأمر إلى غير أهله.

 

   وفي عصرنا الحالي فإنه بالرغم من أن معظم الدول الإسلامية والعربية قد حصلت على استقلالها منذ عشرات السنين، وكثير من الحركات الإسلامية أو القومية مضى على تأسيسها عشرات السنين أيضا، إلا أن أياً منها لم يستطع تحقيق الأهداف التي رسمها المؤسسون الأوائل، ولم تستطع تحقيق أسباب الصعود والنهوض الحضاري أو حتى تحقيق أسباب النصر والانتصار على الأعداء ومؤامرات القوى الاستعمارية الظالمة بحقها، بل ومع كل الأسف فإن كثيرا من هذه الكيانات قبل على نفسه أن يكون جزءا من تلك المؤامرات التي تستهدف شعوبها ثقافة وحضارة، وتاريخا وجغرافيا، وما ذلك إلا لأن هذه الكيانات مارست وطبقت كُلًّا أو بعضا من شروط الهبوط، وابتعدت بدرجة ما عن تطبيق شروط وأسباب الصعود، والتي هي عكس شروط الهبوط والتي منها:

 

1- عدم الالتزام بالإسلام وتطبيق شعائره وشرائعه في كل مناحي الحياة، واتخاذها المرجعية لكافة أنشطتها وعلاقاتها وتعاملاتها، ويكفي هنا قوله تعالى :"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا", وهناك الكثير من المظاهر التي تدل على ترك الالتزام بالإسلام إضافة إلى عدم تطبيق أحكامه وشرائعه, مثل موالاة أعداء الإسلام واتخاذهم أولياء وأصدقاء وحلفاء، حتى في مواجهة كيانات تشترك معها في الدين والعقيدة، أو ترك الجهاد والاستعداد له باستجماع عناصر القوة لمواجهة أطماع الأعداء.

 

2- ضعف الوازع الديني ودخول الدنيا في القلوب: فمعظم –إن لم يكن كل- الحكام والقيادات في الأنظمة الحاكمة والمسئولين في مؤسساتها الرسمية تسيطر عليهم مصالحهم الشخصية وأهواء نفوسهم ولديهم الاستعداد التام لتقديم تلك المصالح على المصالح العامة للأمة والمجتمع، ولا يجدون غضاضة في ذلك، بل هم على استعداد لسوق عديد المبررات لأفعالهم وتوجهاتهم التي تعكس في الحقيقة مقدار تغلغل الدنيا وحبها في قلوبهم، وهذا السبب (ضعف الوازع الديني وحب الدنيا) هو الذي يدفع بهذا الرئيس أو ذاك للاستحواذ على مئات الملايين وربما المليارات وتهريبها إلى البنوك في الدول الخارجية، ناهيك عن حياته وحياة أفراد عائلته المترفة، فيما أبناء شعوبهم يعيشون الفقر المدقع ولا يجدون ما يلبي احتياجاتهم الأساسية للعيش بحياة كريمة، بل إن بعضهم يعتبر كل ما في البلد من ثروات إنما هي ملك شخصي له يتفضل ببعض فتاته على أبناء شعبه وأمته.

 

   إن اعتبار المصالح العامة للأمة والمجتمع والدولة في المرتبة التالية للمصالح الخاصة أو عدم اعتبارها من الأساس سيدفع بكافة الجهود والمجهودات لأن تصرف في الاتجاه الغير صحيح، ويدفع بالبعض من هؤلاء المسؤولين لأن يرهن مصالح ومقدرات الأمة وثرواتها لصالح الأعداء لكسب ودهم ودعمهم الذي يضمن له الاستمرار في موقعه ومنصبه.

 

3- خلل في ترتيب العلاقة بين المفكر والسياسي والعسكري : الناظر إلى الدول القوية والمتقدمة عبر العالم يرى بوضوح تلك العلاقة القوية والتراتبية بين المفكر والسياسي والعسكري، حيث المفكر ومن خلال المراكز البحثية ومراكز الدراسات على اختلاف أنواعها ومسمياتها يضع الأسس والمرتكزات التي على السياسي (قيادة الدولة) أن يعتمد عليها لاتخاذ قراره المتعلق بأي شأن من شئون الدولة ، فيما العسكري (الجيش) ينحصر دوره في حماية الدولة وتنفيذ قرارات المستوى السياسي، وهذا ما تنبه له الدكتور فتحي الشقاقي – رحمه الله- وهو يبحث حالة الأمة محاولا تشخيص أسباب تدهورها وعدم قدرتها على النهوض لتؤدي الدور المنوط بها والذي يفرضه عليها واقعها وموقعها وقبل ذلك خالقها عز وجل، فمنذ بدأ الدكتور فتحي رحمه الله بطرح أفكاره الجديدة على الساحة الفلسطينية والإسلامية بعمومها، اعتبر أحد أهم أسباب ضعف وهزيمة النظام العربي الرسمي (بجانب أسباب أخرى) هو تجاوز العسكري للمفكر وللسياسي والتفرد بحكم وقيادة النظام في الدولة القطرية، والتي كان الوصول إلى سدة الحكم فيها يتم غالبا بالانقلاب العسكري، حيث يرى الدكتور فتحي رحمه الله أن العلاقة السليمة التي تحفظ على الدولة قدراتها وإمكاناتها وتوظفها باتجاه الوجهة الصحيحة فيما بين المكونات الرئيسية الثلاثة تبدأ بالمفكر الذي يضع الأسس لبناء الدولة والنظام القادر على قيادتها نحو النهضة والتقدم، وبعد ذلك يأتي دور السياسي الذي يعمل جاهدا على تحقيق تلك الأسس واقعا على الأرض، فيما يكون دور العسكري حماية هذه الأفكار والإنجازات التي أرساها السياسي على الأرض، لكن عندما قلبت هذه المعادلة وأصبح العسكري هو القائد والمفكر والمنفذ للقوانين، بل والمشرع للقوانين في كل مفاصل الحياة في الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، لم تجن الدولة القطرية إلا المزيد من التدهور السياسي والاقتصادي والتبعية للقوى الاستعمارية المهيمنة على النظام العالمي، فالجنرال العسكري الذي وجد نفسه فجأة رئيس دولة كيف يمكنه إدارة هذه الدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها وهو الذي قضى حياته في العمل والخدمة العسكرية ومتطلباتها، وبنى حياته وفكره على التنفيذ والسمع والطاعة لمن هو أعلى منه رتبة وإصدار الأمر للتنفيذ لمن هو دونه.

 

4- غياب الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية : فمنذ بدأت الدولة القطرية النشوء في أوروبا على أنقاض الإمبراطوريات القديمة، عملت هذه الدولة (الدول) على إنشاء وترسيخ العلاقة بين السلطات الأساسية في الدولة (التشريعية- التنفيذية- القضائية) بالانفصال التام فيما بينها، ثم تكاملها معا كلٌ بما يتضمنه مجاله الخاص للسير قدما بالدولة نحو تحقيق أهدافها وفي مقدمتها تحقيق الحياة الكريمة التي تليق بمواطنيها.

 

    فالفصل التام بين تلك السلطات الثلاث يسمح لكل سلطة بأن تكون بمثابة الرقيب والمحاسب على السلطة الأخرى، الأمر الذي يحول دون تغول إحدى السلطات على سلطة أخرى أو التغول على أفراد  الشعب أو التغول على مقدرات وثروات الدولة واستباحتها لصالح هذه السلطة أو تلك، فالدول المتقدمة حافظت – ومازالت- على قوتها وتقدمها بحفاظها على الفصل بين السلطات الثلاث والحرية الكاملة لكل سلطة فيما يتعلق باختصاصها، أما في الدول القطرية على امتداد العالم العربي والإسلامي فإن السلطات الثلاثة تتمتع بالفصل النظري فقط، أما على المستوى العملي فإن هذه السلطات تتمركز في يد شخص واحد (وليس مؤسسة) هو الرئيس أو الأمير أو الملك!!، الأمر الذي أدى إلى غياب أي رقابة على فعل وتصرفات السلطة التنفيذية (الرئيس) أو توجيه النصح والنصيحة فضلا عن المحاسبة، وكل ذلك قاد إلى أن تكون الدولة القطرية في العالم العربي والإسلامي في ذيل قافلة الأمم ودون تقدم أو نهضة، بل حتى دون مقومات تضمن الحياة الكريمة لمواطنيها، فمعظمها يعيش تحت سطوة الديون والعجز والتضخم والفقر اقتصاديا، وسياسيا تعيش تحت سطوة ارتهان القرار السياسي لصالح القوى الخارجية.

 

    ولعل الصراع القائم الآن في الكيان الصهيوني بين الحكومة والمعارضة حول نية حكومة نتنياهو تمرير خطة للإصلاحات القضائية في شهر فبراير 2023م يلقي مزيدًا من الضوء على أهمية شكل العلاقة بين السلطات الثلاث، إذ ترى المعارضة في الخطة بداية لتغول السلطة التنفيذية (الحكومة) على السلطة القضائية وبالتالي مزيدًا من تكريس الديكتاتورية وغياب الديمقراطية، الأمر الذي يعجل بانهيار الدولة ودخولها في دوامة الأزمة الاقتصادية وأزمة الديمقراطية، وفقدان المواطن للأمن والأمان في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، مما دفعها للقيام بالمظاهرات المتكررة أسبوعيا للضغط على الحكومة للتراجع عن قرارها، وقد بدأ ظهور الآثار السلبية لتلك الإصلاحات الهادفة للسيطرة على السلطة القضائية حتى قبل إقرارها، وتمثل ذلك في هروب كثير من المستثمرين والشركات وتحويل أموالهم إلى الخارج خاصة شركات الهاي تيك التي تمثل عماد الاقتصاد الصهيوني، كما تمثل ذلك في عشرات المقالات ومئات التغريدات لكتاب ومفكرين وقادة سياسيين وعسكريين وأمنيين تتفق جميعها على أن سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية ستعمق الأزمة الاقتصادية في دولة الكيان، وستدفع قدما احتمالات نشوب حرب أهلية بين أنصار الحكومة والمعارضة الأمر الذي سيعجل بانهيار وتفكك الدولة.

 

5- عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب: وهذا ما نلمسه في معظم الأنظمة القائمة في المنطقة العربية والإسلامية، حيث يلاحظ أن شرط الانتماء للحزب الحاكم والمسيطر على الأمور وبغض النظر عن كيفية وصول النظام لموقعه هو أهم الشروط لتولي هذا المنصب أو ذاك في هذه الوزارة أو تلك، وأن الكفاءة العملية التخصصية هي آخر ما ينظر إليه رغم أنها يجب أن تكون الشرط الأساس لتولي هذا المنصب أو ذاك, بل إن الشروط التي يتم وضعها لتولي هذا المنصب أو ذاك تكون في درجة عالية من الجودة والقدرة على اختيار الأصلح والأكفأ، ولكن للأسف يتم تجاوزها عند الاختيار.

 

6- غياب العدل والمساواة:  من الحكم المأثورة أن العدل أساس الملك، وأن العدل أحد الدعائم والركائز الأساسية لاستمرار بقاء النظام القائم وبقاء واستمرار الدولة في الوجود، لأنه يضمن ضمن ما يضمنه ويحققه استمرار التفاف الشعب حول النظام وتقديم الدعم له، والاستعداد للدفاع عنه بكل ما يملك الأفراد وأغلى ما يملكون من دمائهم وأرواحهم وأموالهم، حتى إن عددًا من الفقهاء الإسلاميين اعتبروا أن الحاكم الكافر العادل أفضل للأمة من الحاكم المسلم الظالم، باعتبار أن الأول كفره على نفسه وعدله للأمة وأفرادها، أما الثاني فالخير في إسلامه عائد عليه فقط، فيما الشر من ظلمه يعود على أبناء الأمة جميعا، لكن الواقع أن معظم _إن لم يكن كل_ الحكومات القائمة في العالم العربي والإسلامي أبعد ما تكون عن ممارسة قانون العدل والمساواة بين أفراد مجتمعاتها، أو بين الطوائف والأقليات العرقية المكونة لمجتمعاتها، إذ إن القانون الحاكم للتعامل والمعاملة هو مدى قرب هذا الفرد أو تلك الطائفة من رجالات النظام الحاكم، ومدى استعدادها لتنفيذ رغباته والسير في الطريق الذي يرسمه القائد الملهم للسياسة والاقتصاد .... الخ.

 

7- التسلط على الشعوب بالظلم والفساد: إن التسلط بالظلم والفساد على أفراد الأمة والشعب من أوائل وأهم الأسباب التي تعجل بسقوط الدول وانهيار أنظمتها، والتاريخ مليء بالأمثلة على ذلك وأقربها إلى وجداننا وذاكرتنا الدولة العثمانية في أواخر عهدها، عندما تسلطت بالظلم على السكان بالضرائب الباهظة والاعتقالات الجائرة وما يتبعها من أحكام جائرة تصل إلى حد القتل والإعدام، والفساد من خلال الرشاوى والمحسوبية وما شابه، لذلك فإن ممارسة الظلم والفساد ضد السكان بكافة أشكاله وصوره بدءًا من غمط الحق للمظلوم وصولا إلى قتله المادي أو المعنوي سيعجل من انهيار وسقوط أي نظام يلجأ إليه لإدامة حكمه وإبقاء وجوده، ولن يشفع لهذا النظام ادعاؤه بنيته الحسنة أو أن نظامه يمثل الإسلام في مواجهة قوى العدوان والاستكبار، أو أنه يمثل المقاومة والجهاد لتحرير الأرض والإنسان......إلخ من الشعارات البراقة، لن يشفع له عند الناس الذين سيتحينون الفرصة المناسبة للانقضاض عليه بعدما يتحررون من عقدة الخوف من انتقام ذلك النظام، وقبل ذلك-وهو الأهم- لن يشفع له ذلك الادعاء عند الله عز وجل العادل الذي حرم الظلم على نفسه وعلى الإنسان في الأرض، وتوعد الظالمين بالعقاب والقصاص في الدنيا والآخرة، وأعطى خصوصية لبيت المقدس وأكناف بيت المقدس حين توعد ألا يقيم فيها ظالم.

 

       وكما يطال العقابُ الظالمَ فإنه يطال من يقدم له المساعدة التي تعينه على الظلم والاستمرار فيه، بل وأكثر من ذلك يطال العقاب الساكت على هذا الظلم الغير متمرد عليه بكل ما يمكنه من أدوات ووسائل وصولا إلى أضعفها وهو الإنكار بالقلب، والنصوص في ذلك كثيرة منها ما قاله بعض العلماء " الساكت عن الحق شيطان أخرس" ، ومنها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وعندما سئل كيف ننصره ظالما قال" أن ترده عن ظلمه"، ومن النصوص ما اعتبر الذي يقدم حياته دفاعا عن الحق ونصرة للمظلوم بمرتبة الشهيد كما في قوله صلى الله عليه وسلم " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وقوله" أفضل الشهداء رجل قام لسلطان جائر فنهاه فقتله" أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

8- غياب القانون الأساس الذي يحكم وينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين، بين القيادة والأفراد، بين مكونات الكيان من وزارات ولجان ومؤسسات مختلفة، والذي تلجأ إليه هذه المكونات للفصل فيما بينها من خلاف أو خلافات، فإذعان أي كيان للقانون الذي ارتضاه وتطبيقه كما يجب بشفافية مطلقة أحد أهم عوامل النجاح والصعود والعكس صحيح، ويتساوى في التأثير السلبي وصولا إلى السقوط والانهيار عدم وجود قانون ونظام مع وجود القانون أو النظام (الدستور) ولكن بشكل صوري وإعلامي أي بدون تطبيق على أرض الواقع.  

 

     لقد كان من أهم عوامل نجاح الدولة الإسلامية (الخلافة الراشدة) هو وجود قانون ونظام ودستور يحكم العلاقة بين كافة مفردات مكوناتها بدءا من رأس الهرم (الخليفة) وحتى أبسط وأضعف شخص في الدولة، ولا يجرؤ أحد على مخالفته أو محاولة الالتفاف عليه، هذا الدستور تمثل في القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما بدأت بعض مكونات الدولة الإسلامية خاصة طبقة الحكام بتجاوز هذا الدستور بدأ الضعف يسري في كيانها، وبدأت عوامل السقوط يشتد عودها حتى وصل بالخلافة الإسلامية وخاصة في نهاية الخلافة العباسية لأن تكون مجرد كيان رمزي لا يملك شيئا على الأرض، والتي توزعت بين عديد الدويلات والإقطاعيات لكبار قادة الجند الذين استطاعوا أن يقيموا كيانات خاصة بهم يتحكمون بمقدراتها وثرواتها وقبل ذلك بسكانها.

 

    تلك بعضٌ من أهم الشروط والأسباب للهبوط والاندثار في حال توافرها أو للصعود والنهوض في حال توفر مقابلها تماشيا وتناسقا مع السنن الإلهية التي تحكم الحياة البشرية على الأرض، والتي نحن مطالبون دوما بتلبية شروطها.

    وأخيرا من نافلة القول أن ما سبق عرضه من شروط وأسباب للهبوط أو الصعود للدول والممالك تنطبق على كل التجمعات البشرية من جمعيات وأحزاب وحركات وتنظيمات تسعى لتحقيق التقدم والازدهار لأفرادها خاصة وللبشرية عامة، ودون وجود مكان للأعذار أو الحجج الواهية من هذا الكيان أو ذاك لتجاوزها أو تأجيلها، وفي مقدمتها التذرع بالنية الحسنة، فالسنن الإلهية الناظمة للحياة البشرية تتعامل مع الأفعال على الأرض وليس مع النوايا، وقديما قيل إن الطريق إلى جهنم مليء بأصحاب النوايا الحسنة.