بقلم دكتور عباس شومان
يعيش العالم حدثًا كرويًّا عالميًّا، تحقق بعض المنتخبات العربيَّة فيه نتائج غير متوقعة، وذلك بالفوز على منتخبات عتيقة في مسابقات كأس العالم، وبكلِّ تأكيد يسعد كلُّ عربي بهذه الإنجازات، ومع أنني لست من المتابعين لمباريات كأس العالم إلا أنني أتابع الأخبار المتطايرة التي تجدها في وجهك كلما تفقدت موقعًا على الشبكة العنكبوتيَّة، وما أعلمه أنَّ كأس العالم يفترض أن يكون تسابقًا كرويًّا بحتًا بين منتخبات كبرى استطاعت التفوق على أندية قاراتها التي أتت منها، وهذا يعني وجود متنافسين من أديان وثقافات ولغات شتى، وفي الدورات السابقة التي عقدت في مناطق متفرقة من العالم كانت هذه المناسبة كرويَّة كرويَّة، تتابع الجماهير الفنون الكرويَّة في أعلى مستوياتها، ويشجع المشجعون الأندية التي يحبونها مع أنها لا تنتمي إلى دولهم، فهذا مصري يشجع البرازيل، وأخوه يشجع الأرجنتين، ووالدهما يشجع الفريق الياباني...ويجتمع ثلاثتهم على تشجيع أي فريق عربي إذا كان طرفًا في مباراة حتى لو كانت ضد الفريق الذي يشجعه من الفرق الأجنبية.
و كأس العالم الحالي على ما يبدو أنه لم يقتصر على التنافس الكروي، بل صاحبته مباريات كبرى بين الثقافات المختلفة بالتوازي مع مباريات الملاعب الخضراء، وهذه المسابقات التنافسيَّة بين الثقافات المختلفة فيها ما نحبه ونميل إليه وهو إبراز محاسن ديننا وقيمينا الإسلاميَّة ليطلع عليها الآخرون، وفيها ما نرفضه ونشدُّ على أيدي القطريين في التصدي له ومنعه مهما كلفهم.
فلا مجال على الإطلاق للدعوة للشذوذ، والترويج للمثليَّة الجنسيَّة في بلاد علمت من أديانها التي تتبعها قذارته واستنكاره، وهو أمر لا تختلف حوله النفوس السويَّة، فهي تعافه وتستحقره، وليس من حقِّنا التدخل في ثقافات الآخرين في بلادهم، فهم أحرار يفعلون بأنفسهم ما يشاءون- وإن كانت هذه الحرية مجلبة للشؤم على العالم كلِّه- ولكن ليس من حقِّهم وهم في ضيافتنا إظهار ما يتعارض مع معتقداتنا وقيمنا، فإذا فعلوا كان من حقِّنا بل من واجبنا التصدي ومنع اختراقهم لقيمنا وأخلاقيَّاتنا.
ولسنا مع الموتورين المهزومين نفسيًّا وثقافيًّا في دعوتهم بكلَّ وقاحة إطلاق الحريَّات ليفعل هؤلاء ما يحلو لهم وإن كان شربا للخمر!، وكثيرًا ما يحلو لبعض بني جلدتنا التغني بأخلاقيَّات واحترام الغربيين للحريَّات وثقافات الآخرين، لكن ما رأيناه من هؤلاء المتحضرين يطمئننا على أنفسنا، ويكشف زيف هذه الأخلاقيَّات- إن صح أن نطلق عليها مصطلح أخلاقيَّات- فقد ظهر بجلاء ازدواجيَّة هؤلاء في تطبيق ما ينادون به من شعارات، ويحلو لشرذمة بيننا التغني بها، فماذا يقول هؤلاء عن هذه المشجعة المتحضرة التي كشفت في بجاحة وقلة أدب وحياء لم نعهده من قبل أمام كاميرات المصورين صدرها، وذلك في بلد تعلم أن دينه يرى الفعل شنيعًا، كما أنَّ أخلاقيَّات أهله ترفض هذا الفعل الفاضح والخادش لحياء المشاهدين والمشاهدات في ملايين البيوت؟، وهو ما دفع السلطات القطريَّة مشكورة كلَّ الشكر لاتخاذ إجراءات ترحيلها؛ لتفعل ما تشاء في بلدها غير مأسوف عليها، وإذا كانت هذه مجرد مشجعة غير مسؤولة، فماذا يقولون عن وزيرة داخليَّة الدولة المتحضرة التي فعلت مالا يقل سقوطًا ووقاحة عما فعلته المشجعة العاديَّة، فهذه الوزيرة المسؤولة التي ينبغي أن تكون مثالًا للالتزام بالقوانين واللوائح والأعراف، خالفت كلَّ ذلك وارتكب ما يوجب محاكمتها لاختراقها قوانين وأعراف وقيم الدولة المنظمة، حيث أخفت شعار الشواذ تحت سترتها لتتمكن من دخول المدرجات، وبعد تقديم الاحترام لها وحسن الاستقبال كوزيرة جاءت تشجع فريق بلادها؛ فإذا بها بعد دخولها تخلع سترتها لتكشف عن شعار الشواذ الذي مُنِعَ فريقُها من دخول الملعب وهو يرتديه، وذلك في تحد سافر وانتهاك صارخ لقانون البلد الذي استضافها، وكم تمنيت لو أنَّ الدولة القطريَّة فعلت معها نفس الشيء الذي فعلته مع المشجعة، فأمرتها بمغادرة أراضيها على الفور مهما كلَّفها الأمر.
وقد كانت عدالة السماء أنجع من الإجراءات القطريَّة، حيث خسر الفريق الألماني خسارة مخزية من فريق لا وجه للمقارنة بينه وبين المنتخب الألماني وهو المنتخب الياباني، كما خسر الألمان تشجيع الشعوب العربيَّة التي كان من بينها من يحبون هذا الفريق، ويطلقون عليه فريق الماكينات الألمانيَّة، وهذا وحده دعاية للصناعة الألمانيَّة، ولقد أسعدت عدالة السماء المسلمين حين انكسر هذا الفريق أمام فريق ليس ندًّا له ، وأعتقد أنَّ هؤلاء الألمان ندموا على ما فعلوه قبل المباراة حين وضع أعضاء الفريق أيديهم على أفواههم في بداية المباراة في إشارة إلى رفض السلطات القطريَّة ارتداء الفريق لعلامة الشواذ، وكان من العدالة أيضًا ما فعلوه بأنفسهم من غير قصد، حيث تحايلوا لإدخال الشعار داخل المستطيل الأخضر فجعلوه على أحذيتهم- سبحان الله- وكأنهم من غير ما يقصدون بيَّنوا مكانة هذا الشعار المقزز، فالسلطات القطريَّة رفضت وضعهم الشعار على أجساد هم، فجعلوه في موضع يمثل في ثقافتنا قمة الإهانة والامتهان، ويضرب به المثل في الاحتقار، فمن أراد أن يحتقر شيئًا يقول هو على "جزمتي"، وهذا ما فعله الفريق الألماني بالشعار حين جعلوه على أحذيتهم، وهم لا يقصدون بطبيعة الحال الاحتقار، ولكن عناية الله وحفظه لقيمنا جعلتهم يفعلون بأنفسهم ما يريح نفوسنا، وفي المقابل تنتصر الثقافة اليابانية كرويًّا حيث يهزمون الفريق الألماني هزيمة غير متوقعة، ثم يضربون المثل في النظافة و الرقي مما زاد تقديرهم في نفوسنا ،حيث انكب الفريق الياباني على تنظيف المدرجات وغرف الملابس في تصرف حضاري قمة في الرقي والتحضر.
ومع هذا التباين الواضح بين ثقافات الغرب والشرق والسقوط المدوي لدعاة الحضارة والحريَّات وأذنابهم من المهزومين ثقافيًّا المنبوذين اجتماعيًّا، والتفوق الإسلامي والشرقي ؛ يخرج علينا بعض بني جلدتنا مدافعين عن سقوط هؤلاء، ويطالبون دولة قطر أن تكون أكثر انفتاحًا وتقبلًا لثقافات الآخرين؛ ونظرًا لانهزامهم النفسي يَعُدُّون قاذورات الأمم ثقافة، ويحسبون التجرؤ على حدود الله حريَّة!!
وأقول لهؤلاء : لو كان هذا الكأس مُقامًا في أرقى الدول الأوربية فظهر مشجع عربي بين الجمهور وهو يرتدي قميصًا كتب عليه عبارة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فماذا سيكون موقف الدولة المنظمة والصحافة الغربيَّة مجتمعة؟ بل ماذا سيكون موقوف المدافعين عن النجاسات والقاذورات؟ وإذا كانت تهمة العصبيَّة الدينيَّة والعنصريَّة أقل ما سيوجه لهذا المشجع من قبل هؤلاء المتحضرين، فكيف يمكن أن نعيب على دولة تحافظ على قيم مجتمعها المستمدة من دينها؟ أين حمرة الخجل أم لم يعد في الوجوه دماء؟!! بكلِّ تأكيد لو فرّطت قطر وتركت لهؤلاء الحبل على غاربه لحملنا عليها وهاجمناها لتفريطها في قيم ديننا، ولأنكرنا عليها سماحها باختراق قيم مجتمعاتنا بهذه الخروقات التي تزكم الأنوف، وتلوث البصر، وتستجلب عضب الله علينا.
ومع فوز الثقافات الإسلاميَّة بامتياز أكثر بكثير من إنجازاتها الكرويَّة التي أسعدتنا أيما سعادة، فما من عربي إلا وشعر بسعادة بما حققه المنتخب المغربي والسعودي، إلا أنَّ الإنجازات الكرويَّة التي تتحقق في باقي المنافسات لن تكون بمستوى ما يحققه الخاسرون في مجال التنافس الثقافي، فللأسف لن تكون الكأس الكرويَّة إسلاميَّة أو حتى شرقيَّة، وغالبًا سيكون الكأس من نصيب منتخب غربي خاسر في مجال التنافس الأخلاقي، فليكن لهم الكأس الكروي، ونفخر نحن بكأس نمحه لأنفسنا في رقي ثقافتنا، وعظمة أخلاقيَّاتنا، وعمق إيماننا بالله، ونجاح دولة صغيرة من دولنا في تنظيم هذا الحدث العالمي باقتدار، وإن خسرت في التنافس الكروي، واختلفنا معها في مجالات أخرى، لكن نجاحها هو نجاح عربي ينبغي أن يسعد به كلُّ عربي، ونقول للمهزومين ثقافيًّا المنبوذين اجتماعيًّا بئس القوم أنتم، فلا أنتم فزتم بالكأس الكروي معهم، ولا حافظتم على قيمكم وأخلاقكم وتقدير مجتمعكم لكم.
المصدر : صوت الأزهر الشريف

