بقلم: ثائر حلاحلة
لن تغيب..
وأنت الغالي والحبيب..
وأنت نار وثورة وعقل وتجديد ووعي..
وأنت الطلقة والصاروخ..
رمضان شلح..
الحاضر رغم الغياب..
رمضان شلح..
قلم وبندقية "رمضان عبد الله شلح"..
العنوان والاسم الكبير.. المفكر..
القائد..
والأمين..
والمجاهد..
عندما توفي القائد الوطني الكبير المجاهد والمفكر والأمين الدكتور رمضان عبدالله شلح أبا عبدالله قبل عامين، كنت معتقلًا وكنت مشبوحًا على كراسي التحقيق في مركز تحقيق سجن عسقلان (المجدل) أو(شكيما) الاسم العبري للسجن، كنت في الطابق العلوي من قسم التحقيق وفي غرفة التحقيق رقم (6)، وقد كان المحقق الذي يجلس معي من يومين بشكل متواصل اسمه (ايتسك) وهو ضابط متقدم في جهاز الشاباك الصهيوني، ويعمل منذ أكثر من (20) عامًا في جهاز الشاباك، ولكنه اليوم فقط يقوم كل شهر بتحديد يوم أو يومين أو اكثر للعمل والدوام والتحقيق في أحد مراكز ومنشآت التحقيق الخاصة التي يتابعها جهاز الشاباك الصهيوني، ويجلس ويحقق لساعات طويلة مع معتقلين ونشطاء ومناضلين فلسطينيون، يتحدث معهم في البداية عن الأمور والأحوال الشخصية ومن ثم عن كيفية تحقيق الحركة الصهيونية والشعب اليهودي أحلامهم وطموحاتهم في تأسيس كيان العدو الصهيوني، وفي آخر المطاف يفتح الملف الذي يخص المناضل الجالس أمامه.
هذا المحقق في الخمسينات من عمره، يعمل يوم في شركة طيران مدني خاصة به مع ابنته، ولكنه لا يزال يمارس هواته وعمله وخدمته المزعومة كما قال "منع المزيد من أوراقه الدماء ولكن كل هذا محض كذب".
المهم، هذا المحقق قال لي وهو يضحك ومسرور ومبسوط هل تعرف رمضان عبد الله شلح؟ وهل لك علاقة به؟ هل هناك اتصال وتواصل معه؟ قلت: لا أعرفه شخصيًا ولم ألتقى به، ولم أتحدث معه، ولكن أسمع أنه قائد فلسطيني مطلوب لكيانكم، قال لي: تعلم أنه مات اليوم وذكر اليوم والساعة والتاريخ، قلت له: "عادي وطبيعي الموت حق لا مفر منه". قال لي: إنه مات في الخارج في لبنان وعائلته وزوجته تريد دفنه في مخيم اليرموك، ثم قال لي: "أنت زعلان عليه؟، قلت له: "أنا لا أعرفه، كيف بدي أزعل وأنا لا أعرفه رغم أنه كان قائد فلسطيني".
طبعا عندما قال لي، إن أمين عام الجهاد توفي، أُصبت بصدمة ولم أصدق ذلك، رغم قناعتي وايماني بانتهاء الأجل، ولكن لم أبدي له ملامح حزني وقهري، وقد كان يضحك ويتشفى بهذا الموت، وقال: "كان شلح عدوًا لنا وكان متورطًا حسب ادعاءه وزعمه في قتل صهاينة في الخليل وفي عمليات للجهاد الإسلامي في داخل فلسطين المحتلة، وأنه حليف لإيران وحزب الله وأنه متطرف ومطلوب للأمريكان، وأنه درس في أمريكا وكان بروفيسور في الاقتصاد، وكان مثقفًا وشاعرًا وكاتبًا يتحدث العربية الفصحى والعبرية، ومتابع للأخبار والقنوات في داخل كيانه المصطنع، طبعاً كان يقرء من خلال شاشة منصوبة على طاولة.
عندما حان موعد الغداء، طلب من السجان أن يقوم بإنزالي للزنزانة حتى أتغدى، فعلًا تم تكبيلي بقيود حديدية للخلف وتم تعصيب عيوني ولا أرى شيء.
في الزنزانة بكيت لوحدي، وكان خبرًا صادمًا وقاسيًا، "رمضان شلح" الذي كان حاضرًا ومقاتلًا ومجاهدًا ومحاورًا، فذًا وبارعًا، إنه من حسن حظ الجهاد الإسلامي أن يكون خلفًا وحليفًا للشقاقي، هذا الرجل الذي نذكر وهو في البدايات من كان يصيغ مع الدكتور الشقاقي البيانات والمواقف والخطوط العريضة والواضحة لفكر ونهج الجهاد الإسلامي.
هذا رمضان عبد الله شلح، الذي كان خطيبًا بارعًا ومفوهًا ومميزًا في لغته ودقة المصطلحات والكلمات التي كان يكتبها ويلقيها في المناسبات والأفراح.
رمضان عبد الله شلح، الذي كان يقف في الثمانيات على مصطبة صبرا وشاتيلا في باحات المسجد الأقصى المبارك منظرًا ومبشرًا بفكر جديد وبنهج جديد.
رمضان شلح، رفيق الدرب مع الشقاقي وإخوانه عندما كان يدرس في الزقازيق.
رمضان شلح، الأديب والشاعر الذي قال يومًا عن الشقاقي بعد استشهاده (ما دلني عليه غير الشعر)، وعندما قال في تأبين المؤسس فتحي الشقاقي (سيدي فتحي دعني أحترق قبل أن أقف أمامك)، رمضان الذي أسس سرايا القدس وطورها بسواعد ودماء المقاتلين والمخلصين، رمضان شلح الذي قال في حرب ومعركة البنيان للمرصوص 2104 (لقد قصفنا بقرتكم المقدس وعاصمتكم المسماة تل أبيب).
رمضان شلح، الذي نسج علاقات مع محور المقاومة بكل أسماءه وحلفائه.
رمضان عبد الله، الذي قال في يوم ولحظة تنفيذ عملية وادي النصارى في البلدة القديمة من مدينة الخليل المحتلة التي قتل فيها أكثر 14 قتيلًا في مقدمتهم حاكم الخليل العسكري، وأعلن في مقابلة معه مباشرة عبر قناة الجزيرة القطرية من الدوحة (أنه على تواصل مع المقاتلين وأننا في الجهاد الاسلامي نعلن المسؤولية الكاملة عن عملية زقاق الموت).
ورمضان شلح، الذي صاغ مبادرته الشهيرة "المبادرة الوطنية الوحدوية الواضحة" ؛لإنهاء الانقسام السياسي وإصلاح وترتيب أوضاع منظمة التحرير التي عرفت (بالنقاط العشر).
رمضان شلح، طور الإعلام الخاص بالجهاد الإسلامي، رمضان شلح الذي حافظ على خط الجهاد الإسلامي ومواقف وعلاقات الجهاد ولم يفرط، رمضان شلح الذي كان عضوًا ومشاركًا في عدة لقاءات عربية وإسلاميه وقومية.
رمضان شلح، الذي قال للقائد إياد الحردان (أطلقوا جيل أسامة)، رمضان شلح الذي مًنع من دخول غزة هو والقائد المجاهد زياد النخالة عبر معبر رفح لاعتراض الصهاينة على دخوله.
رمضان شلح، المطلوب أمريكيًا على قضايا لدعمه المقاومة والجهاد الإسلامي أثناء تواجده قبل ٣٠ عامًا في أمريكا هو ومجموعة من الاخوة (الدكتور سميح حمودة والدكتور سامي العريان والدكتور النجار وآخرون).
رمضان شلح، الذي رصد مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية أكثر من جائزة بقيمة 5 ملايين دولار عُرضت لمن يدلي بمعلومات عنه.
رمضان شلح، الذي غادرنا قبل عامين كان فقدًا قاسيًا وكبيرًا على حركة الجهاد الإسلامي.
لم يكن رمضان شلح، أمينا عام فقط للجهاد الإسلامي، بل كان وطنيًا بامتياز ومفكرًا عربيًا وثوريًا وإسلاميًا، يمتلك حضورًا وشعبية في العالم العربي والإسلامي بين جمهور المفكرين والعلماء والمناضلين من كافة الحركات والفصائل المقاومة في فلسطين المحتلة وخارجها.
كان لرمضان شلح، كريزما خاصه في لباقته في الحديث والكلام، وكان يتابع الصحف والإعلام العبري وما يجري في مجتمع العدو من تفاصيل.
كان رمضان شلح، تربطه علاقات بمقاومي وقادة محور المقاومة، وفي المقدمة الشيخ المجاهد حسن نصر الله والشهيد القائد الحاج عماد مغنية والشهيد القائد قاسم سليماني.
رمضان شلح، الحاضر رغم غياب الجسد ورغم الموت.
رمضان شلح، تأتي ذكرى رحليك الموجع وأبناءك وتلاميذك في جنين ومخيميها يتصدورن مشهد المقاومة والجهاد.. ومحمود العارضة ورفاقه يحررون أنفسهم من سجن جلبوع.
تأتي الذكرى الحزينة ورفيقه في الجهاد والمقاومة المجاهد القائد زياد النخالة، الذي أُنتخب أمينًا عامًا للجهاد الإسلامي من بعدك، يواصل النهج والطريق مناديًا (سنذهب للقتال كما نذهب للصلاة).
عامان من الفقدان الأليم سيدي أبا عبد الله ونحن لا زلنا على عهد الطوالبة والصوالحة والحمران والحردان والدقة ولؤي السعدي ومحمد سدر وعلى حلاحلة وذياب الشويكي ومقلد حميد ومحمد الشيخ خليل وأبو مؤمن الحرازين ودانيال منصور وكل الصحب الكرام، ولم نبدل ولم نغير حتى أننا على حجرا قتلانا.
سيدي أبا عبد الله رمضان شلح، عهدًا لك ولكل الشهداء والمؤسسين المخلصين أن نحافظ على دماء الشهداء وعذابات الأسرى والاسيرات وعلى سلاح المقاومة والمقاومين ولن نخونكم ولم نخذلكم بإذن الله.
وهنا أدعو قيادة الجهاد الإسلامي، وكل المهتمين بالكتابة والأرشفة والتأليف، لجمع إرث وميراث وفكر الدكتور المفكر رمضان شلح وما كتب وإسهاماته الحركية والفكرية وإضافاته ليرى وليطلع الجديد والثوري على تاريخه الوطني والجهادي.
السلام على رمضان شلح في الأولين والآخرين.
سلام عليك ونحن نفتقدك.
سلام عليك وأنت تسكن بجوار فتحي الشقاقي... في مقبرة مخيم اليرموك في سوريا.
السلام على روحك الطاهرة.
السلام على السائرون السابحون عكس التيار ؛لأن كل العلماء والمجددين والثوريون سبحوا ضد التيار، لأن السباحة ضد التيار في لذة ومتعة رغم قسوتها وأثمانها، لأن السباحة قد تنقذك وتنقذ الأخرين.
السلام على رمضان الأمين في ذاكره.
دمتم ودام جهدكم وجهادكم وعطاءكم.

