بقلم: ثائر أبو عياش
شهيد جديد ليس بمثابة رقم يضاف إلى سجل الأرقام داخل سجل الوفيات، بل قصة جديدة تضاف إلى القصص المتراكمة منذ ما قبل النكبة عام 1948، تحمل معها هذه القصة دليل جديد على حكاية الشعب الفلسطيني، كأن الشهادة تمسح الغبار عن الكتاب المركون على رفوف ما تسمى اتفاقيات السلام، تزيل الغبار عنه، ونبحث بداخله عن ورقة فارغة ونكتب حسرة جديد، كأن القلم هو إبرة في يد امرأة عجوز تقوم بنسيج كنزة لطفلة تحميها من برد الشتاء، ومع كل حكاية جديدة خيط جديد لنكبة جديدة.
تلك القصص المتراكمة منذ أربعة وسبعون عاماً لا تستطيع الكلمات وحدها وصف وتفسير الألم، تحتاج تلك الحكايات إلى أكثر من ذلك مثل عودة قميص يوسف إلى حضن والده ليسترد بصره _المقاومة_، هي حكايات الشهداء، والأسرى، والجرحى، واللاجئين، وحق العدوة، والحدود، والمياه، والسيادة، هي باختصار حكاية الوطن الذي قال فيه غسان كنفاني على لسان سعيد لصفية: "الوطن إلا يحدث ذلك كله".
لم تتوقف حدود النكبة عند حدود اقتلاع الإنسان من الأرض، لأن القضية ليست فقط صراع على الوجود، بل في جوهره صراع إنساني، لذلك يخوض الاحتلال حربه مع الشجر، والحجر، ومع التاريخ، والجغرافيا، والدين، والثقافة، والسياسة، حتى أنه يخوض حرباً مع الطفولة، لا تكفيه فكرة قتل الإنسان مثل قتل داوود الزبيدي أحد قلاع المقاومين في جنين، هو يريد قتل الفكرة التي قتلت في داخله منذ أن كان مشرداً في أوروبا، هو كما "بائعة الهوى" التي تريد أن تصبح جميع النساء مثلها.
لم تكن فكرة النكبة مجرد جريمة بشعة يرتكبها مجموعة من المهوسين يبحثون عن تنفيذ جريمة كاملة، لقد كانت تحمل معها الخوف، وأكثر الخوف من العقدة البشرية "الموت"، كان يريد الاحتلال عندما نتذكر النكبة يفهم العقل الفلسطيني أن ما حدث هو "الموت"، وعلى مدار التاريخ يقتل الاحتلال الإنسان الفلسطيني لتثبيت هذه الفكرة، حتى عندما نشاهده في الشارع نتذكر "الموت"، هو يريد تغيير المفاهيم داخل العقل وذلك لن يحدث دون خوف من المفاهيم القديمة، ولذلك اقتلع الإنسان من مبادئه وزرع مكانها مبادئ جديدة، يشبه إلى حد ما فلاح يقوم بزراعة شجرة داخل شجرة ليقتل الشجرة القديمة، ولكن الشعب الفلسطيني أثمر بعكس ما كان متوقع.
قاوم الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور في عام 1917، وما قبله، وما بعده، تاريخ حافل بالانتصارات والإخفاقات، كان شاهداً على الهزيمة الداخلية لدول عربية قدمت نفسها قربان على مذبح الإرهاب، ولكنه استمر رغم انكسار الضوء الذي عاش بدون نفق، زحف على كثبان الرمل في الصحراء بحثاً عن الماء على الرغم أنه كان مقتنعاً أنه سراب، ولكنه كان يعلم أنه يستطيع النقر بأصابعه على الأرض لتخرج المياه واستطاع فعلاً بناء أبار من المياه، وفي خضم هذه المعركة قام بتقديم الألاف من التضحيات وصلت إلى دفن القصص في التراب زرع فوقها شجر الصبار المليء بالشوك.
كان المقصود من فكرة الاحتلال هو شطب قضية شعب من التاريخ، ولذلك قام الاحتلال بإخفاء كل الأدلة على ما اقترف بحق الشعب الفلسطيني، وجعلوا من انفسهم القصد الاحتلال حراساً على المكان الذي أخفوا فيه الأدلة، هم يشبهون إلى حد ما السارق الذي ينام فوق صندوق المجوهرات خائفاً أن يكتشفه أحد، وخائفاً من يعود الصندوق إلى صاحبه، ومن أجل ذلك يقتل كل من يقترب من الصندوق، وقام بتشييد بناء يخبئ تحته الصندوق وزرع فوقة الزهور، مقتنعاً تماماً أن هذا الوجه الجميل للبناء يستطيع من خلاله تجنب الحقيقة البشعة التي يدركها جيداً تلك الحقيقة التي تقول: " البؤس الذي تعيشه لا يعطيك الحق بصناعة بؤس لشخص آخر لتقتل بؤسك".
هي ليست بمثابة نكبة، بل أكثر مصيده وضعها الاحتلال للشعب الفلسطيني وتاريخه، ولكن حتماً هذه المصيدة ستصطاد الصياد ويقع في شباكها، هو الآن عاجزاً عن التنازل عن بعض من الحدود خوفاً من فكرة الاستقلال، وخائف أيضاً أن يزيل الحدود ويعيش مع الشعب الفلسطيني لأنه سيصبح أقلية تمتلك الضعف ويمتلك تاريخه قبل احتلال فلسطين ويدرك ماذا يعني أن يعيش حتى في فلسطين داخل "الغيتو"، مقابل ذلك يوجد أغلبية تمتلك القوة وأكثر تمتلك الحق، يعيش الاحتلال هذه الحالة ومع كل يوم يزداد عنفاً محاولاً الهروب من الماضي إلى الأمام، وكلما هرب وجد نفسه مطارد أكثر من قبل وتشاهده خائفاً من النظر إلى الخلف، ولذلك يقصف قطاع غزة، ويحاصر الضفة ويقسمها بالحواجز، ويسرق الداخل المحتل عبر الأسرلة، ويشرد الشعب الفلسطيني في بقاع العالم ويطبق عليهم عقدة "الغيتو".
تستمر النكبة مع كل حاجز للاحتلال يمنع فتاة من الوصول إلى كرسي الدراسة، ومع كل اعتقال لعبة من حضن طفل، ومع كل أيضاً رصاصة تصنع ثقب في حائط وداخل الثقب يضع الشعب الفلسطيني مسمار ليعلق صورة شهيد، وتستمر النكبة مع كل حجر يتم بناءه داخل مستوطنة، ومع كل اتفاقيات السلام التي توقع بحبر الشهداء، ويبقى السؤال متى تنتهي النكبة؟، وكيف ينتهي الاحتلال؟، وكيف نستعيد التاريخ المسروق؟، هل نذهب إلى القانون الدولي الذي يصيغه من يقدم السلاح للاحتلال؟، أم نستعيده بسكين المطبخ، وفأس الأرض، والحجارة، ونجعل من المقاومة قانون دولي؟.
هي أسئلة تحمل الإجابة في مضمونها، وعلى الشعب الفلسطيني أن يسأل نفسه: " لو كان القانون يعيد التاريخ لماذا كل هذا الدم يهدر؟"، وأخرها دم الشهيد داوود الزبيدي الشاهد الجديد على فضاء المقصلة، وعلى العشب الفلسطيني أيضاً إدراك حقيقة أخرى أن الاحتلال مقتنع أننا حفرة يجب ردمها ليس بالحجارة أو التراب بل بالفضلات التي يسقون بها الأرض، بالإضافة إلى ذلك على هذا الشعب أن يدرك أن الاحتلال هو "مسمار جحا" في المنطقة وعليهم اقتلاعه.
لن تنتهي الكلمات عند هذا الحد عن النكبة، سوف يكتب كلاً من زاويته كيف يشاهد المأساة، أحدهم يكتب عن الأرقام، وآخر عن تجربته، وأحدهم عن قصة سمعها أو قرأها في كتب التاريخ، ولكن حتى مع انتهاء الاحتلال لن يتوقف هدير الكلمات هي بمثابة نهر يصب في الكوكب وجع، وقهر، وظلم، ولكن حتماً سيكون لها طعم آخر لوصف الحكاية وكتابة الماضي، وربما علينا اليوم أن نجلس ونستمع جيداً إلى ما يقوله توفيق زياد في قصديته هنا باقون:
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
ننظف الصحون في الحانات
ونملأ الكؤوس للسادات
ونمسح البلاط في المطابخ السوداء
حتى نسل لقمة الصغار
من بين أنيابكم الزرقاء
هنا غلى صدوركم باقون , كالجدار
نجوع .. نعرى .. نتحدى
ننشد الأشعار
ونملأ الشوارع الغضاب بالمظاهرات
ونملأ السجون كبرياء
ونصنع الأطفال .. جيلا ثائرا .. وراء جيل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
إنا هنا باقون
فلتشربوا البحر
نحرس ظل التين والزيتون
ونزرع الأفكار , كالخمير في العجين
برودة الجليد في أعصابنا
وفي قلوبنا جهنم حمرا
إذا عطشنا نعصر الصخر
ونأكل التراب إن جعنا .. ولا نرحل
وبالدم الزكي لا نبخل .. لا نبخل .. لا نبخل
هنا .. لنا ماض .. وحاضر .. ومستقبل
كأننا عشرون مستحيل
في اللد , والرملة , والجليل
يا جذرنا الحي تشبث
واضربي في القاع يا أصول
أفضل أن يراجع المضطهد الحساب
من قبل أن ينفتل الدولاب
لكل فعل : ... أقرأوا
ما جاء في الكتاب

