Menu
فلسطين - غزة °-18 °-18
تردد القناة 10873 v
بنر أعلى الأخبار

حي الشيخ جراح . . والمواجهة القادمة

56qZc.png
قناة فلسطين اليوم

بقلم: سامر العريفه

شهدت الساحة الفلسطينية العديد من المحطات الهامة والأحداث التاريخية والمفصلية التي مرّت على القضية الفلسطينية، لاسيما خلال العام 2021. وجاءت "عملية انتزاع الحرية" لكتيبة جنين، والتي تمكنت من قهر المنظومة الأمنية للاحتلال، وأعادت قضية الأسرى إلى الواجهة من جديد، فيما كانت "معركة سيف القدس" هي المحطة الفاصلة في تاريخ النضال المتواصل.

تلك المعركة التي جاءت دفاعاً عن الأقصى والقدس بكل أحيائها ولاسيما حي الشيخ جراح، حقق فيها الشعب الفلسطيني والمقاومة الباسلة الكثير من النقاط والإنجازات الهامة على طريق تحرير فلسطين، كما أعادت معركة "سيف القدس" التأكيد من جديد على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، وشهدت وحدة كاملة في الميدان والتفاف حول المقاومة وخياراتها، ولحمة شعبية واسعة في كل مناطق التجذر الفلسطيني، وبين الداخل والخارج، حيث أعادت التأكيد على صوابية خيار المواجهة الشعبية الشاملة والمسلحة مع كيان الاحتلال في سبيل صون الحقوق الفلسطينية والدفاع عن الأرض وعن الوجود الفلسطيني.

ونقول إن معركة "سيف القدس" وما سبقها من معارك والتي تترافق وتتكامل مع استراتيجية "المشاغلة" والاشتباك الدائم مع العدو، كانت تتجه في الطريق الصحيح نحو "مراكمة القوة" وصولاً إلى المعركة الفاصلة بتحرير فلسطين كل فلسطين، ويجدر التأكيد هنا أن الشعب الفلسطيني يخوض معاركه مع العدو بالنقاط وليس بالضربة القاضية، فالصراع مع العدو هو "بناء تراكمي".

في ظل ما تشهده الضفة الغربية من اشتباك يومي ومتصاعد لاسيما بعد ارتقاء ثلاثة شهداء من نابلس في كمين للوحدات الخاصة الصهيونية، وارتقاء شهيدين من رام الله وجنين، وعلى وقع المواجهات اليومية المتواصلة في حي الشيخ جراح الواقع في الجانب الشرقي من البلدة القديمة في القدس المحتلة، بعد عام كامل من الرباط المتواصل، ومع ترقب القرار الذي سيصدر عن محكمة الاحتلال بخصوص إخلاء أهالي حي الشيخ جراح من عدمه، يمكن القول وبشكل واضح إن جميع المقدمات التي سبقت إطلاق معركة "سيف القدس" باتت حاضرة في ميدان المواجهة، ويأتي ذلك في ظل تحذيرات فصائل المقاومة لاسيما في قطاع غزة، بأن المقاومة جاهزة في الميدان للرد على أي تصعيد قادم، كما ذهبت تصريحات وتحليلات العدو نحو ذلك وبشكل كبير مؤخراً، حيث حذرت "وثيقة أمنية إسرائيلية"، من تفجّر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة مطلع شهر رمضان المقبل.

والوثيقة هي عبارة عن رسالة بعث بها ما يسمى "قائد فرقة الضفة الغربية" في جيش الاحتلال، العميد آفي بلوت، للقادة العسكريين ونشرتها قناة «كان» العبرية، وقال بلوت في رسالته، إن «مواد الاشتعال موجودة بالفعل، ينقصها فقط عقود ثقاب لإشعال المنطقة برمّتها»، مستطرداً بالقول أن «الموعد النهائي بداية شهر رمضان، هذا هدف لقوات الجيش الإسرائيلي حيث من المفترض أن يكونوا جاهزين»، متوقعاً أن يكون التصعيد المقبل مختلفاً عن سابقيه. وتابع: «أيام رمضان المقترنة بالأعياد الإسرائيلية، كما ثبت سابقاً، ستوفّر عدداً غير قليل من أعواد الثقاب من هذا النوع، وعلينا أن نكون مستعدين لهذا اليوم»، وختم بلوت رسالته بالقول: «يُعتبر كل يوم مهماً وفرصة لتعزيز الجاهزية لأن الحرب غداً»!!

إن حالة الغضب والغليان في القدس والضفة تتصاعد بشكل كبير ومتسارع وتسير باتجاه مواجهة أوسع في ظل اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين، ووسط تصعيد مخطط التهويد والمصادرة ومحاولة اقتلاع الوجود الفلسطيني، أو تقليصه على الأقل إلى حد بعيد، كما يحصل في معظم مدن وقرى وأحياء القدس والضفة المحتلتين. وبالتالي، جميع الوقائع والتصريحات والتحليلات تشير إلى أننا قادمون على مواجهة جديدة، ربما تتطور إلى معركة شاملة وعلى نطاق أوسع مما حصل في معركة "سيف القدس".

ولكن هنالك سؤال من المهم الإجابة عليه لندرك حقيقة ما يدور، وهو: لماذا هذه الاستماتة وهذا الإصرار الذي يجسّده العدو في اعتداءاته وممارساته وجرائمه، على استهداف حي الشيخ جراح بالتحديد؟ وللإجابة عن هذا السؤال وباختصار يمكن القول إن هنالك العديد من الأبعاد، نورد أهمها: البعد الجغرافي؛ بما يمثله حي الشيخ جراح من موقع مهم يقف حائلاً أمام إحكام الطوق الاستيطاني حول القدس وربطاً بالمستوطنات الأخرى. أما الثاني فهو البعد السكاني؛ حيث يشكل حي الشيخ جراح الحدود الشمالية لنسيج القدس المركزي، النسيج الذي يضم الشيخ جراح وأحياءً عدة أخرى وهامة، والذي تخترقه ثلاث مستوطنات، حيث يشكل ذلك دافعاً مهما وراء الاستماتة على قضم الشيخ جراح من الشمال وسلوان من الجنوب لتحقيق اختراق على شكل كماشة في هذا النسيج التاريخي.

وهنالك بعد آخر لا يقل أهمية عمّا سبق، وهو البعد التاريخي، فالشيخ جراح كان أول أحياء القدس الجديدة، وهو من من الناحية العملية بات المركز السياسي لمدينة القدس، ويخطط الاحتلال لمحو هذا الوجود الفلسطيني في القدس بكل آثاره وشواهده.

على مرّ سنوات الصراع شهدنا ولانزال الانتفاضة تلو الأخرى، ولم يبخل الشعب الفلسطيني يوماً بتقديم التضحيات، دفاعاً عن الأرض، وعن الوجود الفلسطيني، والحق التاريخي في فلسطين الذي لا تنازل عنه، وها هم أبناء الشعب الفلسطيني يسطرون ملحمة الصمود في وجه الاقتلاع؛ في برقة والشيخ جراح وجبل صبيح وبيتا، والخان الأحمر، وفي النقب الفلسطيني المحتل، وغيرها، حيث تخطط سلطات الاحتلال لإفراغ الوجود الفلسطيني وإحلال المستوطنين مكانهم، وزيادة عدد المستوطنات بشكل كبير ومتسارع ضمن المشروع التهويدي الاستيطاني، وبعد أن أصبح الوجود الفلسطيني يمثل مشكلة ديمغرافية وأمنية للعدو، ويحول دون استكمال مخططاته في فلسطين كاملة.

إن اختلال موازين القوى لن يدفع الشعب الفلسطيني نحو الاستسلام أو القبول بالأمر الواقع الذي يسعى الاحتلال إلى فرضه ومعه كل القوى الغربية الاستعمارية، فلا "تعايش" مع الاحتلال، ولا رضوخ ولا تراجع عن حقوق شعبنا، وإن من واجب كل مناضل حرّ ومقاوم وثائر إدامة الصراع مع العدو وحفظ حقوق الأجيال القادمة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، وحتى تتهيأ الأسباب نحو المعركة الفاصلة.