Menu
فلسطين - غزة °15 °5
تردد القناة 10873 v
اعلان اعلى الأخبار الرئيسية

رواية اشتية والنفايات النووية الإسرائيلية

ثابت العمور

يكاد المشهد السياسي الفلسطيني أن يتفجر من حمولة المتغيرات التي تعصف به وبمكوناته، ولا أظن القارئ في بحبوحة من وقته لإعادة سرد هذه المتغيرات وتبعاتها وتداعياتها عليه، ثم إن الذاكرة الشعبية لا يعلق بها خطابا سياسيا رسميا قدمته السلطة وحكوماتها على مدار ربع قرن، ولكن هذا لا يمنع التوقف عند واحدة من أهم القنابل التي فجرها رئيس الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، فندرة المواقف تقتضي ضرورة الالتقاط.

في السابع من ديسمبر الماضي وعلى غير العادة فجر رئيس الحكومة محمد اشتية قنبلة كان صاعقها دعوة الرجل  إلى التحقيق في إجراءات الاحتلال المستمرة، لتدمير البيئة، وعرقلة الجهود التي تبذلها حكومته تجاه الحفاظ على البيئة. للوهلة الأولى تبدو الدعوة عادية وطبيعية فالاحتلال دمر البشر والشجر والحجر وتدمير البيئة تحصيل حاصل..!

غير الطبيعي هو مطالبة اشتية المجتمع الدولي بالتحقيق في قيام الاحتلال الإسرائيلي بدفن "النفايات النووية والكيماوية والصلبة في الأراضي الفلسطينية، كون حالات السرطان في مناطق جنوب الخليل من الأعلى في فلسطين"، مشددا على أن هذا الأمر يشكل خطرا على "بيئتنا وصحة أبناء شعبنا". انتهى حديث الرجل ومر مرور الكرام، ككل الخطابات والتصريحات، وقد بدا التصريح طارئ بمناسبة الحديث عن المناخ. وتحدث عن النفايات النووية كما لو كانت أغذية فاسدة أو منتهية الصلاحية..!

الالتقاط هنا يقتضي السؤال هل يعلم اشتية يقينا بأن الاحتلال يقوم بدفن نفاياته النووية والكيميائية في الأراضي الفلسطينية؟، وهل واقعة بهذا الشكل يمر عليها الرجل مرور الكرام ويستدعيها في سياق حديثه عن مناسبة اليوم العالمي للمناخ؟. ولأنه لم يتسنى لنا التأكد من مقاصد الرجل وعلمه يقينا بما يحدث أم عدمه . كان لا بد من البحث في واقعة دفن الاحتلال للنفايات النووية في الأراضي الفلسطينية، وقطعا لكل حالة مقتضياتها فإذا ثبت بأن الاحتلال بالفعل يقوم بذلك فإنه لا يمكن الاكتفاء بتصريح اشتية الذي يدينه بالمناسبة بل يرق الأمر لاتهامه بالتقصير أولا والاشتراك في الجريمة ثانيا.

دفن النفايات النووية الإسرائيلية في الخليل ليس وليد اللحظة، واشتية في تصريحه المشار إليه لم يأت بالذئب من ذيله، فالأمر قديم وموغل في القدم بل إنه حاضر حتى في الرواية الرسمية الفلسطينية الإعلامية؛ ففي الخامس من يوليو العام 2004 كتبت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا" عن قيام السلطات الإسرائيلية، بدفن نفايات نووية في الأراضي الفلسطينية، مما تسبب في زيادة في حالات الإصابة بمرض السرطان؛ وأشارت أسبوعية "أخبار النقب" الصادرة في أراضي عام 1948، إلى أن القرى الواقعة في جنوب جبال الخليل، في الضفة الغربية، شهدت ارتفاعا حادا بالإصابة بحالات من السرطان والعقم والتشوهات لم يسبق لها مثيل.

بعد رواية وكالة "وفا" بعام تقريبا صدرت دراسة إسرائيلية في الثامن عشر من مايو 2005 عن ما يسمى بمعهد الشؤون الشؤون العامة لمحاربة الانتهاكات في المناطق الفلسطينية بعنوان "نفايات في المناطق الفلسطينية" تقول الدراسة أن السلطات الإسرائيلية دفنت نحو ثمانين طنا من النفايات النووية والكيماوية شديدة الخطورة في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وخاصة قرب المدن الكبرى مثل نابلس والخليل وغزة.

وإن بدا للبعض أن دفن ثمانين طنا من النفايات النووية والكيماوية في الضفة الغربية وحدود قطاع غزة أمرا مبالغا فيه، فإننا سنجد في منتصف العام 2008 دراسة فلسطينية أجراها الباحث جابر الطميزي منسق اتحاد المزارعين في مدينة الخليل تؤكد بأن سلطات الاحتلال دفنت ثلاثة ملايين طن من النفايات النووية والكيماوية في الضفة الغربية المحتلة.

ويقول الطميزي في دراسته أن الأمر يحدث سرا وأنه تفاقم بعدما أصدرت المحاكم الإسرائيلية أمرا بإغلاق مصانع أنشئت في محيط مدينتي نتانيا وكفار سابا، فتم نقلها إلى الأراضي الفلسطينية المصادرة من عشرات السنين بالضفة الغربية المحتلة. لتتركز قرب مدن حيوية مثل طولكرم وسلفيت ومدينة الخليل جنوبا.

وقطعا ووفق تصريحات لخبراء وأطباء دوليين فإن سلطات الاحتلال لا تستخدم قوانين الدفن الصحيح التي تحتاج للحفر لعمق أكثر من 50 مترا، وبما أن الدفن يتم في أراضي فلسطينية وسرا لا تراعي أي من تلك الشروط والمقتضيات؛ طبعا هذا لا يعني تبرير الجريمة لكنها جريمة أخرى تضاف لجريمة دفن تلك النفايات.

لغزة الأخرى نصيبها من تلك النفايات النووية الإسرائيلية ففي الثامن والعشرين من أكتوبر العام 2008 نشرت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان تقريرا قالت فيه : "هناك تداعيات بيئة وصحية قاتلة تخلفها ممارسات سلطات الاحتلال في المناطق الحدودية، وذلك جراء خطر ارتفاع نسب الإشعاع النووي المنبعثة من المفاعلات النووية الصهيونية جراء دفن المخلفات النووية الناتجة عن بعض المصانع الصهيونية على طول الحدود مع قطاع غزة". وبحسب المؤسسة فإن إسرائيل دفنت نفايات مستنفدة من مفاعل ديمونة بالقرب من قطاع غزة، مستندة في تقريرها إلى العثور على 29 برميلا لنفايات خطرة في منطقة خزاعة بخان يونس. بل إن هناك رواية وردت في التلفزيون الإسرائيلي تقول أن النفايات النووية تدفن في منطقة "حالوتسا" بجوار قطاع غزة منذ عقود، وأن هناك نحو 52% من النفايات غير محدد مكان دفنها، وترجح الرواية أن تكون "إسرائيل" قد دفنت تلك النفايات في القطاع خلال فترة احتلالها لقطاع غزة.

السلطة الفلسطينية لديها حساسية مفرطة من التصريحات والتلميحات لكنها لم ترد على التقرير الذي كشفه مركز بتسيلم الإسرائيلي في السابع من ديسمبر 2017 - لم يكن اشتية حينها رئيسا للحكومة- ويقول تقرير بتسيلم أن الحكومة الإسرائيلية تصدر نفاياتها من داخل الخط الأخضر إلى مواقع عديدة في الضفة الغربية؛ وأن نقل النفايات الإسرائيلية إلى الأراضي المحتلة بشكل منهجي معروف منذ سنوات، ووفقا للمعلومات التي جمعها المركز، فإنه يوجد حاليا 15 موقعا على الأقل في الضفة الغربية لتجميع النفايات الإسرائيلية، وفي جميع الحالات، تعمل المواقع بمعرفة السلطات الإسرائيلية وموافقتها، بما في ذلك الإدارة المدنية.

تقتضي الموضوعية استدعاء سؤال مركزي مفاده كيف تمر وتُنقل وتصل هذه النفايات النووية والكيماوية للضفة الغربية، علما بأنها تحتاج لشاحنات ذات مواصفات معينة؟، من هم بارونات نقل هذه النفايات؟، وحتى لا انتقل لسؤال آخر عن موقع السلطة وموقفها من ذلك كانت سلطة جودة البيئة وجهاز الضابطة الجمركية ووزارة الاقتصاد الوطني تقدم إجابتها في العشرين من ابريل العام 2017 وعلى لسان وكالة " وفا" تقول بأنها ضبطت شاحنة مخلفات كيماوية مهربة من إسرائيل، إلى بلدة حلحول في محافظة الخليل. المفارقة أن الشاحنة كانت تحتوي على أحبار منتهية الصلاحية تقدر كميتها بنحو 2500 كغم، وتعد وفق اتفاقية بازل الدولية بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، نفايات كيماوية.

 طبعا السلطة قررت إعادة الشاحنة بواسطة جهاز الارتباط العسكري الفلسطيني، لكنها لم تخبرنا ماذا فعلت مع مهربي تلك النفايات وهم كثر. ولأن الضرب في الميت حرام فإنه لا يمكن جلد السلطة ومحاسبتها عن الإخفاق وعن الدور المنوط بها وبحكوماتها. ولا يمكن التعويل عليها حتى في القتال والتصدي للاحتلال ولا يمكن الرهان بأنها قادرة على اجتراح تسوية أو مصالحة أو الدفاع عن قضية أسير أو انجاز صفقة تبادل، أفلا تمنع دفن النفايات النووية والكيماوية الإسرائيلية في مناطقها كأضعف الإيمان بدل الاكتفاء بالمرور على الأمر وكأنه ليس جريمة ممتدة ومتمددة.