Menu
فلسطين - غزة °26 °17
تردد القناة 10873 v
اعلان اعلى الأخبار الرئيسية

وسائل الإعلام وحافة التطبيع العلني.. محمد حميد

قناة فلسطين اليوم - قطاع غزة

بقلم/ أ. محمد حميد

أهدرت الفضائيات الإخبارية العربية وبعض الفضائيات الفلسطينية ساعاتٍ طوال على بثٍ مباشر لجلسة الكنيست (برلمان العدو) الأخيرة، والتي تم خلالها التصويت على منح الثقة لحكومة العدو الجديدة برئاسة القاتل الممثل بجثامين الشهداء نفتالي بينت، حيث تخلل هذا البث إذاعة كلمة رئيس وزراء الاحتلال السابق نتانياهو وكلمة رئيس الوزراء الجديد. كثيراً ما يتكرر هذا المشهد في الفضائيات العربية والفلسطينية خاصةً عند إجراء العدو انتخاباته السياسية، مع ما يرافق ذلك من استضافةٍ لخبراء ومحللين ومختصين في شؤون العدو ويتناولون بالتحليل توجهات الرأي العام وتوازنات القوى المختلفة، ومدى قدرة هذا الحزب أو ذاك على تشكيل حكومة واسعة أو ضيقة، وتأثير ذلك على مستقبل القضية الفلسطينية!، إلى الحد الذي حذا بأحد هؤلاء الخبراء المُستضَافِين أن يقول أن "قوى السلام" في دولة العدو لا تستطيع تشكيل حكومة في ضوء نتائج تلك الانتخابات، قاصداً بذلك قوى اليسار والوسط!، ومُتغنياً بوجهٍ زائف لهذه القوى ظهر بداية تسعينيات القرن الماضي، وهو الوجه الذي علّقت عليه بعض القوى الفلسطينية آمالاً كبيرة، إلا أن ذلك الزيف لم يطل، وتكشف الوجه الصحيح لهذه الدولة، وتحطمت كافة رهانات السلام المزعوم.

لا نريد أن نسيء الظن بأحدٍ، ولكن تمرير المصطلحات وعدم الانتباه إليها سيؤدي –وبشكل عملي- إلى تكوين قناعة لدى الجمهور بوجود "قوى سلامٍ" حقيقية في دولة الاحتلال، وأن اليسار والوسط الصهيونيين وبعض القوى المتحالفة معهما لديها الرغبة في عملية سلامٍ حقيقية مع الشعب الفلسطيني، في حين أن دولة الاحتلال التي يصدق عليها وصف أنها "جيشٌ له دولة" والمدعومة بنظامٍ دوليٍ فاقد للأخلاقية ومزدوج المعايير ليست في الوقع إلا مشروع مصادرةٍ وإحلالٍ واستعمار قائمٌ على التطهير العرقي للشعب الفلسطيني وممارسة سياسات التمييز العنصري بحق باقي أفراده. فاليسار والوسط الصهيونيان هما مؤسسا دولة الاحتلال على أرض الشعب الفلسطيني وهما من اقترفا جرائم الإبادة الجماعية عام 1948م وهما من هجّرا مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم إلى مخيمات الداخل والشتات، وذاتهما اللذان أقدما على احتلال القدس وسائر الأراضي الفلسطينية وبعض أراضي الدول العربية عام 1967م، واليسار والوسط الصهيونيان المجرمان هما من أملكا دولة الاحتلال السلاح النووي وأقاما مفاعل ديمونا.

ولم يكن اليمين أقل إجراماً منهما، فقد حمل لواء القتل والظلم والاعتداء والتهجير من بعده منتصف سبعينات القرن الماضي، مستهلاً جرائمه بتقتيل الفلسطينيين في مخيمات الشتات في لبنان، فهو المسؤول عن مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982م واحتلال بيروت، مثلها مثل مجزرة قانا 1996م، وصولاً إلى الجرائم التي تخللت اجتياحات غزة خلال انتفاضة الأقصى 2000م مرورا باستخدام الأسلحة المحرمة دولياً خلال حرب عام 2008م/2009م، وحرب عام 2014م، وانتهاءً بمعركة سيف القدس الأخيرة، فضلاً عن مئات جرائم الاغتيال للنشطاء والكوادر الفلسطينية على مدار سنوات الاحتلال الطويلة لفلسطين، وما ذكر غيض من فيض الجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين على مدار سنوات.

إن إظهار دولة الاحتلال بمظهرٍ ديموقراطي ونقل كلمات قادة القوى السياسية الصهيونية ليس –في تقديرنا-إلا عملية تطبيعٍ تستهدف دمج هذه الدولة المحتلة واللقيطة إلى بيوتنا وبيوت المسلمين، في عملية ممنهجة بطيئة التأثير لكنها في الوقت ذاته خطيرة الهدف، ألا وهو دمج هذا الكيان المغتصب في حياتنا اليومية وتصديره كدولة جوار طبيعية في المنطقة، مثله مثل سائر أشكال التطبيق الأخرى.

نحن لا ننكر الحاجة إلى مختصين يتابعون شؤون العدو وما يصدر عن مراكز أبحاثه من دراسات تتناول القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية له، خاصةً الدراسات المتسمة بالجدية والقريبة من دوائر المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولا نقلل من دور تحليلات كهذه في استجلاء توجهات دولة الاحتلال أو خططها المستقبلية، وهذه الأمور لم تكن لترى النور لصانعي القرار إلا بعد جهدٍ مقدر من مراكز أبحاث فلسطينية وعربية مختصة في دراسة تلك الأوراق، ولكن ما يثير حفيظة المرء التحليلات والدراسات والترجمات التي تكرس حالة التبعية للاحتلال، وتصدر وجهاً زائفاً لهذا الشيطان القبيح وتتناول بالتحليل قضايا هامشية ليست إلا من ترف القول.