Menu
فلسطين - غزة °18 °11
تردد القناة 10873 v
اعلان اعلى الأخبار الرئيسية

انتكاسة عسكرية استراتيجية للكيان الصهيوني تُمهّد للتتبير الكبير

بقلم/ د. شريف الحلبي
 
ترتكز العقيدة العسكرية للكيان الصهيوني منذ تأسيسه على حسم المعارك والحروب من خلال توجيه ضربات جوية قاتلة في عمق أراضي ما يعتبر عدو، وذلك بالاعتماد على معلومات استخباراتية دقيقة تزوده بها أذرعه الأمنية التي تستخدم أحدث التقنيات والوسائل التكنولوجية في العالم، إلا أن حرب تموز ضد حزب الله عام 2006م، والحروب ضد غزة ( 2008م -  2012م -  2014م)  إضافة إلى عملية ما يسمى "درع الشمال" عام 2018م أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك فشل هذه العقيدة العسكرية، خصوصاً في ظل تطور أداء حركات المقاومة في المنطقة، وقدرتها على إفشال خطط وأهداف العدو و فرض قواعد الاشتباك، ورسم معادلات جديدة، مما اضطر مراكز صنع القرار في الكيان الصهيوني في العقدين الأخيرين لتحديث هذه العقيدة العسكرية لمواجهة بيئة التهديدات التي تحيط بهذا الكيان، ويتم إسناد هذه المهمة بشكل أساسي لرئيس هيئة أركان الجيش الذي يعد الخطط ويقدمها للمستوى السياسي والعسكري الأعلى للمصادقة عليها، وكغيرها من سابقاتها التي صُرف لها مليارات الدولارات  فقد  باءت آخر خطط تحديث العقيدة العسكرية للجيش الصهيوني بالفشل، ولم تنجح خطة "جدعون" التي بناها رئيس هيئة الأركان السابق "ايزنكوت" في صياغة عقيدة عسكرية مناسبة لمواجهة التحديات التي باتت توصف في مراكز الدراسات الاستراتيجية الصهيونية بأنها تهديدات وجودية، وقد كشفت عدة تقارير قدمها في السنوات الثلاثة الاخيرة مختصون صهاينة عن فشل هذه الخطط التي حاولت أن تعيد الاعتبار للقوات البرية وتعزز سلاح الجو، فقد جاء في تقرير مراقب الجيش الصهيوني  "حاغاي تتنباوم" وجود عدة مشاكل في الجيش وتحديدًا في سلاح المدرعات، وكشف تقرير مراقب الدولة "يوسف شابيرا" عن ثغرات في جهوزية الجيش الصهيوني، وخلل كبير في التنسيق بين القوات القتالية، كما وصف مفوض شكاوى الجنود في الجيش الصهيوني الجنرال "يتسحاق بريك" الجيش بأنه تنظيم متوسط المستوى ويعاني من تآكل ووجود أزمات معنوية. وفي إطار بحث قيادة الكيان الصهيوني عن المُخَلِّص الذي يمكنه أن ينقذها من التهديد الوجودي ويصيغ العقيدة العسكرية المناسبة تم تعيين رئيس هيئة الأركان الحالي "افيف كوخافي" في إطار استراتيجية حربية يتجه إليها الكيان الصهيوني لمواجهة  الخطر الذي يلفه من عدة جبهات، على اعتبار أن كوخافي يمتلك هذه القدرة بحكم خبرته العملياتية في هذه الجبهات، فقد قاد لواء المظليين في عملية "السور الواقي" في الضفة الغربية مطلع انتفاضة الأقصى، وقاد فرقة غزة في الجيش الصهيوني في فترة الانسحاب الصهيوني من غزة 2005م وفترة أسر شاليط 2006م، كما قادة الجبهة الشمالية للكيان الصهيوني، إضافة إلى ذلك فقد كان رئيسًا لجهاز الاستخبارات العسكرية الصهيونية (أمان) من العام 2010م - 2014م، الذي يزود الحكومة بالتقييمات الاستراتيجية والتي يتم على أساسها صياغة استراتيجيات الصراع، وينسجم وزير الحرب الصهيوني الحالي "بني غانتس" مع كوخافي في رؤيته العسكرية كونهما يشتركان في نفس التخصص (لواء المظليين)  وعملا  في توقيتات غير متزامنة في جبهات قتال متعددة، فقد قاد غانتس فرقة الضفة الغربية في العام 2000م، وقاد الجبهة الشمالية في العام 2005م ،كما كان رئيسًا لهيئة أركان الجيش في الحرب على غزة 2014م، وبالتالي فان تعيين كوخافي رئيساً لهيئة الأركان يعتبر خلاصة الفكر الاستراتيجي العسكري الصهيوني للتعامل مع التهديدات الوجودية التي تحيط بالكيان الصهيوني. قام كوخافي وفي إطار سعيه لتصحيح الأوضاع وصياغة عقيدة عسكرية جديدة للجيش بصياغة  خطته الخمسية (2020م- 2025م)  والتي عُرفت بخطة "تنوفا" أو خطة "الزخم"، وهي ترتكز على مضاعفة قوة سلاح الجو، وترميم القوات البرية، والدمج بين العنصر البشري والعنصر التكنولوجي بعد إحداث تطويرات مهمة في الوحدات التكنولوجية، إضافةً إلى تحقيق مستوى عالٍ من التنسيق والدمج الفوري والسريع بين سلاح الجو وسلاح المشاة والاستخبارات بهدف تحويل المعلومات إلى أوامر تنفيذية لتدمير الأهداف،  وتهدف خطة كوخافي في المستوى العملياتي إلى تحقيق انجاز بمستوى عالي بوقت قصير وبثمن منخفض، من خلال ما يسمى بـ  "الصدمة الكبرى"،  التي يتم فيها تدمير مراكز الثقل لقوة المقاومة  وتدمير القوة البشرية الميدانية الفاعلة مع تعزيز هذا التدمير بالمناورة البرية، وتفترض الخطة دفع الجبهة الداخلية الصهيونية ثمناً منخفضاً،  كما تتطلب الخطة صمود هذه الجبهة لوقتٍ قصيرٍ لتحقيق النصر الحاسم.


جاءت معركة سيف القدس وما حملته من مفاجآت وتكتيكات  لتثبت أن الخطة ماتت مع بدايتها وأثبتت مقاومة غزة عدم واقعية أوهام "تنوفا" التي يُسوّقها كوخافي للمستوى السياسي والعسكري وللجبهة الداخلية، غزة التي تفتقد لعناصر المناورة العسكرية المعتبرة من حيث الجغرافيا والطبوغرافيا وكذلك العمق الاستراتيجي، غزة ذاك الشريط الساحلي الضيق الذي يكتوي بنار الحصار منذ عقد ونصف،  غزة التي لا تكاد تلتقط أنفاسها من معركة حتى تدخل في أخرى،  غزة التي تُعتبر القوة الأقل تجهيزًا وتسليحاً وتطوراً بين قوى محور المقاومة الأخرى، غزة هذه في معركة سيف القدس نسفت النقاط المحورية والجوهرية في خطة "تنوفا"، فقوة النار الهائلة التي صبها سلاح الجو  على  كل كيلو متر في القطاع لم تدمر مراكز ثقل المقاومة، ولم تدمر القوة البشرية الميدانية الفاعلة، بل حرقت جثث الأطفال والنساء والمسنين ولم ترحم حجراً ولا شجراً،  وكانت المقاومة مع كل يوم تعرض سلاحاً نوعياً جديداً وتدخله للخدمة العسكرية، كما أن كل محاولات التنسيق بين القوات وعمادها العمل الاستخباري فشلت، حيث اعترف العدو في فشله في تنفيذ عدة محاولات اغتيال لقيادات في المقاومة، كما أنه فشل في منع إطلاق الصواريخ أو حتى تقليص عددها، ما يعني أن العدو  مُنيَ بفشل ذريع في ما يسمى "إدارة بنك الأهداف"، أما فيما يتعلق بالمناورة البرية التي تُميز خطة كوخافي عن سابقاتها من خلال ترميم القوات البرية و دمج العنصر البشري مع التكنولوجي، فقد وقعت هذه القوات التي من المفترض أن تنفذ هذه المناورة والآليات والجيبات والباصات والألوية والقوات المؤللة على حدود القطاع فريسة لصواريخ الكورنيت وحمم الهاون، وأصبحت في وضعية الدفاع بدلًا من وضعية الهجوم المفترضة، أما على صعيد الثمن الذي دفعته الجبهة الداخلية الصهيونية فقد كان كبيرًا ولم يكن منخفضًا كما تتوقع خطة كوخافي، وقد شُلّت الحياة في ثلثي الكيان الصهيوني، وعاش المستوطنون أيامهم بين الركض هربًا والاحتماء بالملاجئ خوفًا من صواريخ المقاومة، وخرجت مراكز حيوية استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية في الكيان الصهيوني عن الخدمة كالمطارات و محطات القطار ومنصات الغاز و مصانع وغيرها، كما تم التشويش والارباك لمراكز حيوية استراتيجية عسكرية مثل القواعد الجوية ومراكز تخزين أسلحة نووية ووكالات فضاء ومراكز تنصت وقطع بحرية و غيرها، هكذا فعلت مقاومة غزة بخطة كوخافي الاستراتيجية التي من المفترض أن تعيد هيبة جيش الكيان الصهيوني وتصحح مسار الخلل الاستراتيجي في عقيدته ليمارس مهمته كقلعة حصينة للمستوطنين والمغتصبين الصهاينة، فكيف سيكون عليه الحال في يوم آتٍ لا محالة، سيواجه فيه الكيان الصهيوني جبهات القتال الأخرى الأكثر خبرة وتطوراً في القتال والعدة.


لم تعد القلعة حصينة، فحرب تموز 2006م كسرت هيبة الجندي والآلة التي صرف الكيان الصهيوني لأجلها مليارات وعمل على كي الوعي لسنوات، فيما معركة سيف القدس حطمت هيبة "الدولة" وكشفت هشاشتها، وعجز هذا الجيش الذي أوهم العالم والعرب خصوصاً بأنه لا يقهر!، كما برهنت المعركة على واقعية إلحاق الهزيمة العسكرية بهذا الكيان الغاضب، انها بداية السقوط المدوي والانهيار الكبير.